تحذير النقابات اليوم: التصعيد حتميّ إذا لم يعدّل "الفجوة المالية"

تحذير النقابات اليوم: التصعيد حتميّ  إذا لم يعدّل "الفجوة المالية"

مجلس الوزراء خلال اقراره مشروع قانون الغجوة المالية

تمرّ أموال اللبنانيين، وخاصة مدخرات الموظفين والمتقاعدين في المهن الحرة، بمحطة مصيرية تهدد بمسخ قيمتها وتحويلها إلى أرقام وهمية. في قلب هذا المشهد، يقف مشروع قانون "الفجوة المالية" المطروح في مجلس النواب، والذي يهدف نظرياً إلى معالجة ثغرات النظام المالي. لكن نقابات المهن الرئيسية - المحامين والمهندسين والمعلمين والأطباء - ترفع الصوت عالياً محذرةً من أن هذا القانون، في صيغته الحالية، لا يمثل حلاً بل هو إطار قانونيّ يشرّع "السرقة المنظمة" لأموال المنتسبين، الذين يصل تعويض بعضهم إلى أكثر من مئة ألف دولار. هذه الأموال، التي اقتطعت إجبارياً من رواتبهم على مدى عقود، باتت اليوم على حافة الهاوية.

يؤكد نقيب المحامين عماد مارتينوس لـ"كافيين دوت برس"، أن التعامل مع هذا الملف يأتي من مبدأ وحيد هو تحقيق الانتظام المالي واستعادة الأموال المنهوبة، وليس من أي اعتبارات أخرى. 

صرخة مارتينوس: إهدار للمال العام

صرخة مارتينوس- إهدار للمال العام.jpg 57.18 KB

ويوّجه مارتينوس انتقادات حادّة لمسار إدارة الأزمة، مشيراً إلى ثلاث ثغرات كارثية. أولها، فشل السلطات في تطبيق "التحكم برأس المال" منذ اليوم الأول، مما سمح لأصحاب النفوذ بنقل أموالهم بحريّة قبل أن يُقرّر الإجراء. ثانيها، غياب لجنة تحقيق قضائيّة مستقلّة ومحايدة كان من شأنها كشف الحقائق وإجراء محاسبة حقيقية. ثالثها، تمرير قوانين تحت تأثير سياسي واضح، دون التدخل اللازم لتفكيك الهندسات المالية المشبوهة في وقتها.

ويكشف النقيب عمّا وصفه بـ "الفضيحة" التي تُحضّر لها، حيث يُزمع فرض غرامة 30في المئة  على الأموال المهربة إلى الخارج، بينما تبقى 70في المئة  في جيوب المهربين، وهو أمر يرفضه بشدة لأنه لا يحقق العدالة ولا يشكّل رادعًا. ويؤكد مارتينوس مطلب النقابة الأساسي: تطبيق القانون بصرامة وبدون انتقائية، وعلى رأسه قانون الإثراء غير المشروع، لاستعادة الأموال المسروقة كاملة، لأنها ببساطة أموال الشعب وليست ملكيّة خاصة.

 المهندسون يحذرون: الأرقام لا تكذب

22.png 356.6 KB
من جهته، يعلن نقيب المهندسين فادي حنا، أن الإجراءات التصعيدية حتمًا وليس احتمالًا في حال لم يكن هناك تجاوب من مجلس النواب 

ويؤكد لـ"كافيين دوت برس" أن ملف صناديق التعاضد، وخاصة صندوق نقابة المهندسين الذي يعدّ الأكبر بعد صندوق الضمان الاجتماعي، هو "خط أحمر" لأنه يمسّ مصير مدّخرات الناس التي شكلتها النقابات بموجب القانون. 

ويكشف حنا عن مثال صادم بالأرقام: تمتلك النقابة 247 مليون دولار مُودعة في البنك على شكل سندات "لولار"، لكن قيمتها السوقية الحقيقية، وفقاً للمعادلات النقدية، لا تتجاوز 18 مليون دولار. "الدولة تأتي لتفاخر بأنها أعطتنا 18 مليوناً، بينما هي تقول لنا في الواقع: اقبضوا هذا المبلغ الزهيد واذهبوا لبيعه في السوق بخسارة فادحة"، كما يقول.

 

ويستنكر النقيب منطق الدولة الذي يحوّل الأصول إلى أوراق بلا قيمة فعلية، متسائلاً: "كيف لي كمهندس أن أقوم بمشاريع إعمار في لبنان إذا كان البديل الذي تقدّمه هو سندات لا قيمة فعلية لها؟".

ويؤكد حنا أن النقابة لن تتنازل عن حقوقها وسستخدم كل السبل، من القضاء إلى التصعيد في الشارع.

 

معلمون بلا كرامة: معاش لا يسدّ فاتورة الكهرباء

fre.png 249.31 KB
يرسم نقيب المعلمين نعمه محفوض، صورة مأساوية لواقع متقاعدي القطاع التربويّ. فصندوق التعويضات الذي تبلغ موجوداته 1200 مليار ليرة، والمقتطعة من رواتب المعلمين على مدار سنوات، فقد معظم قيمته بسبب الانهيار النقديّ. كان المعلم المتقاعد بعد 40 سنة يحصل على معاش يتراوح بين 1500 و2000 دولار ليعيش بكرامة، أما اليوم، فإن حوالي 5000 عائلة من المتقاعدين يتقاضون ما بين 10 و20 مليون ليرة، وهو مبلغ لا يكفي حتى لسداد فاتورة الكهرباء.

ويحمّل محفوض عبر "كافيين دوت برس"، الدولة العميقة المسؤولية عن السياسات التي أودت بالاقتصاد إلى الحالة الكارثية. لذلك، يطالب مجلس النواب بإلحاح بتعديل قانون "الفجوة المالية" لتعويض الانهيار النقدي واستعادة القيمة الحقيقية لأموال الصندوق. 

ويحذر من أنه إذا استمرت إهانة المعلم بهذا الشكل، فلن يقدم أحد على هذه المهنة النبيلة في المستقبل. مؤكدا أن هذه القضية هي قضية جميع المهن، وقد بدأ التنسيق مع نقبائها، وجاهزون لخوض كل خيارات التصعيد، من الاعتصامات إلى الإضراب، لاستعادة الحقوق.

 

أطباء يتقاضون 350 دولاراً بعد نصف قرن عمل

dr.jpg 10.82 KB
يضيف نقيب الأطباء الياس شلالا لـ"كافيين دوت برس"، صوتاً آخر للتحذير، مشيراً إلى أن صناديق تقاعد النقابات المهنية تحتوي على مبالغ طائلة محتجزة في البنوك. تكمن المشكلة، وفقاً له، في أن القانون الحالي يعامل هذه الحسابات الجماعية (التي تضم آلاف المستفيدين) كحسابات فردية، مما يعرّضها لإجراءات قد تؤدي إلى تلاشي قيمتها بدلاً من توزيعها على أصحابها الحقيقيين.

ويكشف عن المأساة الإنسانية لمتقاعدي النقابة، الذين "يتقاضون اليوم حوالي 350 دولاراً بعد 40 أو 50 سنة من العمل".

ويؤكد أن هذه الأموال المحتجزة كان من الممكن استخدامها لضمان عيش كريم للمتقاعدين، مشددا على أن المشكلة عامة وتطال جميع النقابات، وأن السلطات المالية على علم بها لكن دون أي تفاعل جدي. 

ويعلن شلالا أن النقابة لن تتحرك بشكل فردي، بل ستشارك في الخطوات الجماعية التي سيقررها الاجتماع المقبل للنقابات الحرة، لأنه لا يمكن السكوت عن حقوق الناس بهذا الشكل.

اجتماع مصيري وخط أحمر لا يمكن تجاوزه

 يبدو أن المشهد يتجه نحو مواجهة شبه حتمية بين كتل نيابية تسعى لإقرار القانون بصورته الحالية، ونقابات مهنية ترى فيه نهاية لآخر أمل للمتقاعدين في الحفاظ على جزء من كرامتهم. الاجتماع الذي سينعقد اليوم عند الساعة الرابعة في بيت المحامي سيكون المحطة التأسيسية لخطة تصعيد موّحدة. 

الخيارات المطروحة أمام النقابات واضحة: الضغط عبر القنوات النيابية، اللجوء إلى القضاء، ثم التصعيد الشعبي السلمي الذي قد يصل إلى الاعتصامات الدائمة أمام مجلس النواب وحتى الدعوة لإضراب مهني عام.

 التحدي الأكبر أمام الدولة هو استعادة الحد الأدنى من الثقة مع فئات مهنيّة شكّلت دائمًا عماد الطبقة الوسطى واستقرار البلاد. القبول بتحويل مدّخرات هؤلاء، الذين التزموا طوال حياتهم بالاقتطاعات القانونية، إلى أوراق بلا قيمة، هو قبول بانهيار العقد الاجتماعي برمته. النقابات ترفع اليوم خطًا أحمر اسمه "مدّخرات العمر"، والرد الذي ستقدمه المؤسسات الرسمية سيكون مؤشراً حاسماً على إرادة الإصلاح الحقيقي، أو التمسك بمنطق الانهيار الكامل.

اقرأ المزيد من كتابات ربيع يونس