عصر التحويلات: صراع البقاء بين المصارف وشركات التحويل في لبنان

عصر التحويلات: صراع البقاء بين المصارف  وشركات التحويل في لبنان

في ظلّ نظام مصرفيّ يترنّح تحت وطأة الانهيار، برزت شركات تحويل الأموال كشريان حيوي للاقتصاد والأسر، في وقت انحسر دور المصارف التقليدية في شكل كبير. هذا التحوّل أثار نقاشًا متعدّد الأبعاد حول مستقبل الخدمات المالية في البلاد، وطبيعة العلاقة بين القطاعين، وكيفية تحقيق توازن بين ضمان استمرارية الخدمة ومواجهة المخاطر النظامية.

يرى الدكتور فادي قانصو، الأمين العام المساعد لاتحاد أسواق المال العربية، أن النقاش حول شركات التحويل في لبنان لا يمكن فصله عن الانهيار العميق للنظام المصرفي، الذي فقد معه الجزء الأكبر من أدواره التقليدية: الوساطة المالية، الإقراض، إدارة الودائع، وحتى الثقة العامة. وفي المقابل، أصبحت شركات التحويل قناة فاعلة وحيويّة، خاصة في مجال تدفق التحويلات من الخارج، التي تشكّل شريانًا أساسيًّا للاقتصاد ولعدد كبير من الأسر.

من هذا المنظور، يرى قانصو أن حساسية بعض المصارف تجاه توسّع دور شركات التحويل لا تنبع فقط من زاوية الإيرادات الضائعة، بل أيضًا من سعيها الى استعادة دور داخل المنظومة المالية. لكنه يحذّر من توصيف هذا السلوك ببساطة على أنه محاولة لمحاصرة الشركات، مؤكداً أن الصورة أكثر تعقيداً وتتأثر بعوامل ثلاثة متداخلة:

+ العامل التنظيمي: تعاميم مصرف لبنان التي تهدف ظاهريًّا إلى ضبط المخاطر، وتعزيز الشفافيّة، ومنع استخدام قنوات غير خاضعة للرقابة، خاصة في بيئة عالية المخاطر مثل لبنان.

 

+ العامل التجاري: السوق المالية اللبنانيّة تقلّصت في شكل كبير، والمصارف تبحث عن أي نشاط يولّد سيولة أو عمولات "نقدية"، مما يجعل التداخل مع شركات التحويل شبه حتمي.

 

+ العامل النفسي والمؤسساتي: يشعر بعض المصارف بأن شركات التحويل "ملأت الفراغ" الذي تركه القطاع المصرفي، ما يولّد ردود فعل دفاعية بدلاً من مقاربة تكاملية.

الدكتور فادي قانصو
ويحذّر قانصو من أن أي محاولة لخنق شركات التحويل ستدفع النشاط نحو الاقتصاد الموازي، وهو مسار خطير في بلد يعاني أصلاً من تضخم الاقتصاد النقدي وتراجع قدرة الدولة على الرقابة.

 

نحو شراكة تكاملية: نموذج لبناني واقعي

 

يقرّ قانصو أن الحل لا يكمن في حماية حصص أو استعادة هيمنة، بل في تجنب المقاربة الصفرية وبناء نموذج لبنانيّ واقعيّ للشراكة يقوم على توزيع واضح للأدوار والمخاطر. ويؤكد أن جوهر الشراكة هو التكامل لا الاستحواذ:

 

-شركات التحويل: تمتلك شبكات توزيع واسعة، وسرعة تنفيذ، وثقة عملية لدى شريحة واسعة من المواطنين، وهي قريبة من التدفقات النقدية الفعلية.

-المصارف: تمتلك الإطار التنظيمي، ووحدات الامتثال، والعلاقة مع الجهات الرقابية المحليّة والدوليّة، ويمكنها لعب دور الوسيط الرقابيّ بدلًا من الوسيط المالي التقليدي.

 

ويطرح قانصو نموذجًا عمليًّا للشراكة قد يشمل: فتح حسابات تشغيل وتسوية مخصّصة لشركات التحويل مع فصل صارم بين أموال الشركة وأموال العملاء، وقـيام المصرف بدور الحاضن التنظيميّ مقابل عمولات واضحة، دون محاولة السيطرة على نموذج أعمال الشركة، واستخدام هذه الحسابات كبوابة لإدخال تدريجيّ لبعض الخدمات المالية البسيطة ضمن ضوابط مناسبة.

 

شركات التحويل: تحوّل هيكلي أم ظاهرة مؤقتة


الخبير الاقتصادي جاسم عجاقة

من جهته، يرى الخبير الاقتصادي جاسم عجاقة أن شركات تحويل الأموال لم تعد ظاهرة موقتة، بل تحوّلت إلى جزء من الحياة اليومية في لبنان. ويشير إلى أن "السعة" التشغيلية والثقة التي اكتسبتها هذه الشركات جعلت منها مكوّنًا أساسيًّا في المشهد الماليّ، حتى مع حصول إعادة هيكلة للقطاع المصرفي. 

ويؤكد لـ"كافيين دوت برس" أن تراجع دورها لن يحصل إلا في حال استحدثت إجراءات تنظيمية جديدة، أو قامت المصارف بتسهيل معاملاتها بشكل يفوق الواقع الحالي.

ويشير عجاقة إلى الانتشار الواسع لخدمات هذه الشركات، حيث بات عدد كبير من المواطنين، بمن فيهم أشخاص لم يتعاملوا سابقًا مع المصارف، يستخدمونها لخدمات يومية مثل دفع فواتير الكهرباء واشتراكات المولّدات.

 

عندما يتعلق الأمر بالموازنة بين حجم السوق المتنامي والمخاطر النظامية، يرى عجاقة أن التحدي عميق ويتطلب إطارًا تنظيميًّا أوسع. ويذكر أن مصرف لبنان ألزم شركات التحويل بتعبئة نموذج "اعرف عميلك" الإلكتروني (EKYC) لكل عملية تتجاوز ألف دولار، لكن العديد من الشركات، خصوصاً المكاتب الصغيرة، تفتقر للقدرة التشغيلية أو التقنية لرصد العمليات المشبوهة في شكل فعّال.

ويطرح عجاقة حلّين محتملين: إما إنشاء وحدات متخصصة بالامتثال داخل شركات التحويل نفسها، أو نقل البيانات إلى جهة ثالثة (مصرف لبنان، أو مصرف كبر، أو جهة مركزية) لتتولى التحليل. ويؤكد أن الارتفاع الكبير في حجم التحويلات يفرض مستوى أعلى من الرقابة، مشابهاً لما كان مطبقاً على القطاع المصرفي.

 

ويرى عجاقة أن المعادلة المطلوبة واضحة "توفير خدمة ميسّرة وفعّالة للزبون، وفي الوقت نفسه الالتزام بالقوانين والمعايير الدولية". ويحذّر من أن عدم الالتزام بالقوانين الدولية، خاصة في ما يتعلق بالعقوبات أو تبييض الأموال، قد يعرّض البلد لمخاطر جسيمة.

 

بين الثغرات والالتزام

 

كشف مصدر مالي لـ"كافيين دوت برس" أن الثغرة الأساسية تكمن في بعض الشركات التي نبتت كالفطر، ولا أحد يعرف هوية الجهات التي تقف وراءها. في المقابل، فإن الشركات العريقة والمعروفة، والتي تقف وراءها مجموعة رجال أعمال أو مصارف عريقة، تلتزم القانون من الأساس وتمارس المعايير المطلوبة، ومنها معيار "اعرف عميلك" ومعيار "مصدر الأموال". 

 

وأضاف المصدر أن مصرف لبنان يستهدف بقراره الشركات التي لا تمارس المعايير المطلوبة، والتي تعتبر في موضع شبهة بالنسبة الى الأميركيين والمؤسسات الدولية.


fvvfvf.jpg 43.33 KB
من جهته، نفى مصدر من شركة "Whish" لـ"كافيين دوت برس" ما قيل عن أن الشركة لم تعد تمنح تراخيص لوكلائها لفتح محال جديدة. 

وأكد المصدر وجود تضييق من مصرف لبنان على حسابات تابعة لحزب الله وجمعيات مثل "تعاونوا" و"قرض الحسن"، حيث قامت الشركة بتوقيف حساباتهم. وأشار إلى وجود حدّ معين للسحوبات من الخارج داخل حساب "Whish"، نظرًا الى التضييق المالي من الخارج.

 

وفي ما يخص تطبيق التعميم لمصرف لبنان الذي ينظّم عمل شركات تحويل الأموال والصيارفة، ويرتكز بشكل أساسي على إلزامها بجمع معلومات مفصّلة عن العملاء الذين تتجاوز معاملاتهم ألف دولار، ضمن إطار نموذج "اعرف عميلك" (KYC)، أفاد مصدر مالي لـ"كافيين دوت برس" بإن القليل من المؤسسات والوكلاء إلتزم بالتعميم في شكل كامل، في حين بدأ القطاع كله عمليات تحديث تقنيّ لبرامجه وأجهزته ليتواءم مع المتطلّبات الجديدة.

ورأى المصدر أن التحدي الأبرز لا يكمن في الإرادة التنفيذيّة، بل في الجهوزية التقنية واللوجستية، فأعداد المستندات المطلوبة، والتي تشمل الهوية وصورة شخصية فورية وإثباتات مصدر الأموال ضخمة لا يمكن إرسالها يدوياً عبر البريد الإلكتروني، مما يستدعي تطوير أنظمة متخصّصة لتتمة العمليات. 

وأضاف المصدر أن هناك امتعاضًا واضحًا من قبل بعض العملاء بسبب التعقيد والإجراءات المطوّلة، مما قد يؤثر على سرعة الخدمة التي اعتادوها.

وأكّد المصدر أن الهدف من التعميم هو جمع بيانات دقيقة عن الحركات المالية الداخلة والخارجة، لتمكين مصرف لبنان من القيام بالتدقيق الأولي نيابة عن هذه المؤسسات التي تفتقر إلى وحدات امتثال متكاملة كتلك الموجودة في المصارف. على أن تنتقل بعد ذلك، وبشكل تدريجي، مسؤولية المراقبة والتدقيق إلى المؤسسات نفسها بعد تدريبها وتهيئة النظام الإلكتروني اللازم. وهكذا، يبدو أن الطريق نحو التنظيم الكامل لا يزال طويلاً، ويتوقف على سدّ الفجوة التقنية بين النية التنظيمية والواقع التشغيلي على الأرض.

 

اذًا، يخلص الخبراء إلى أن مستقبل الخدمات المالية في لبنان لا يكمن في استعادة الهيمنة المصرفية القديمة، ولا في التضييق على شركات التحويل التي أثبتت فاعليتها وجدارتها، بل في بناء نموذج هجين واقعي. نموذج يجمع بين قوة الشبكات والثقة التي تمتلكها شركات التحويل، والإطار التنظيمي والخبرة الرقابية التي تمتلكها المصارف، ضمن شراكة تكاملية واضحة المعالم.

والنجاح مرهون بشرط أساسي: ألا تتحوّل هذه الشراكة إلى أداة لإعادة فرض الهيمنة القديمة، ولا إلى التفاف شكليّ على التعاميم. فالرقابة المطلوبة يجب أن تكون ذكيّة ومتناسبة: مشددة بما يكفي لمنع المخاطر النظامية والامتثال للمعايير الدولية، ولكن غير خانقة لكي لا تدفع النشاط إلى الاقتصاد الموازي. في لبنان اليوم، أي اختلال في هذا التوازن الدقيق لن يدفع ثمنه طرف واحد، بل الاقتصاد اللبناني بأكمله والأسر التي تعتمد على هذه الخدمات الحيوية للبقاء.

اقرأ المزيد من كتابات ربيع يونس