صندوق النقد غادر والقانون عالق: ماذا ينتظر لبنان لبدء معالجة الفجوة المالية؟
زيارة وفد صندوق النقد الدولي إلى لبنان في العاشر من شباط لم تكن استكشافية، ولا تأتي في إطار التقييم التقني للأرقام التي باتت معروفة للجميع. كانت الزيارة، بكل ما حملته من لقاءات ورسائل، بمثابة اختبار حقيقي للإرادة السياسية اللبنانية في تحمل كلفة الإصلاح. ولكن بينما انتهت الزيارة وعاد الوفد إلى واشنطن، بقي السؤال الأبرز معلقًا: أين ذهب مشروع قانون معالجة الفجوة المالية؟
في هذا السياق، يوضح خبير المخاطر المصرفية الدكتور محمد فحيلي لـ"كافيين دوت برس" أن زيارة وفد صندوق النقد الدولي إلى لبنان لم تكن للتقييم التقني، فالأرقام والفجوات المالية معروفة، والمصرف المركزي فقد رسملته وثقة الناس.
ويؤكد فحيلي أن ما يختبره الصندوق هو "الإرادة السياسية لتحمّل كلفة الإصلاح"، مشيرًا إلى أن أي اتفاق مع الصندوق يتطلب قرارات مؤلمة تبدأ بـ"توزيع الخسائر بشفافية، وإعادة هيكلة القطاع المصرفي، وكشف ميزانيات مصرف لبنان".
ويرى فحيلي أن وجود برنامج مع الصندوق هو "البوابة الطبيعية لاستعادة الثقة الدولية، لأنه الإشارة التي تنتظرها دول الخليج وأوروبا والمؤسسات المالية لتقديم الدعم". ويشدد على أن الثقة لا تُبنى بالخطابات، بل بتراجع علاوة المخاطر واستقرار التصنيف الائتماني.
وينتقد فحيلي السياسة النقدية الدفاعية الحالية، معتبرًا أنها "لم تعد مجدية"، وأن المطلوب هو انتقال جذري نحو الشفافية ووقف التمويل غير المنضبط. ويخلص إلى تحذير صريح "التأجيل لا يوّفر وقتًا، بل يراكم الكلفة ويحوّل الانهيار إلى حالة دائمة. انتهت الزيارة، لكن الامتحان بدأ".
لماذا تأخر طرح قانون الفجوة في اللجان النيابية؟
في المقلب التشريعي، يبدو مصير قانون الفجوة المالية غامضًا. فالمشروع الذي أقرّ في مجلس الوزراء مع تحفظات أساسية من وزير الإعلام بول مرقص، لا يزال ينتظر دوره على جدول أعمال لجنة المال والموازنة.
ويكشف مصدر حكومي لـ"كافيين دوت برس" عن سبب هذا التأخير، بالقول "وفق آخر المعطيات، أُقرّ مشروع القانون في مجلس الوزراء، ثم أُحيل إلى الأمانة العامة لمجلس النواب، غير أنّ سبب عدم إدراجه حتى الآن على جدول أعمال لجنة المال والموازنة لا يزال غير واضح".
ويُرجع المصدر ذلك إلى "اعتبارات إضافية"، أبرزها "الزيارة المبرمجة لوفد صندوق النقد الدولي". ويضيف "كان من الأفضل أن ينتظر وزير المالية انعقاد هذه الزيارة للاطلاع على ملاحظات الصندوق، وتحديد ما إذا كانت هناك حاجة إلى إدخال تعديلات على مشروع القانون قبل الشروع في مناقشته داخل اللجنة".
ويرّجح المصدر ان "انتظار اتضاح التوّجهات النهائيّة هو ما حال دون طرحه على جدول الأعمال حتى الآن"، مؤكدًا أن المشروع لا يزال على حاله من دون أي تعديل.
كنعان يكشف: مشروعان وملاحظات الصندوق الأساسية
في غضون ذلك، خرج رئيس لجنة المال والموازنة النائب إبراهيم كنعان ليقدّم صورة أوضح عن المشهد التشريعي المقبل، كاشفًا النقاب عن وجود أكثر من مشروع قانون قيد الدرس، وعن أبرز ما اعترض عليه صندوق النقد في الصيغة الحكومية الحالية.
وأوضح كنعان في تصريح خاص لـ"كافيين دوت برس" أن "مشروع القانون أُحيل، ولكن كما هو معروف وفق النظام الداخلي لمجلس النواب اللبناني، لا يمكن مناقشة أي بند آخر أثناء مناقشة الموازنة العامة. وبعد الانتهاء من الموازنة، بات هناك مشروعان قيد البحث، لا مشروع واحد فقط".
وأضاف كنعان شارحًا "المشروع الأول هو قانون الانتظام المالي واسترداد الودائع، الذي تقدّمت به الحكومة. أما المشروع الثاني فهو قانون إعادة هيكلة المصارف، وقد أُعيدت إحالته من الحكومة معدّلًا استجابةً لملاحظات صندوق النقد الدولي ومطالبه".
وكشف رئيس اللجنة أن "صندوق النقد الدولي كان قد سجّل ملاحظات على المشروع المحال من الحكومة، وفضّل التريث في دراسته إلى حين الأخذ بهذه الملاحظات. ومن أبرز اعتراضاته أن ما حددته الحكومة بسقف 100 ألف دولار تُسدّد خلال خمس سنوات يُعدّ، في تقديره، غير قابل للتطبيق، نظرًا الى ان إمكانات الدولة لا تتجاوز نحو 15 مليار دولار، في حين أن المطلوب يقارب 22 مليار دولار، ما يعني وجود فجوة تقارب 7 مليارات دولار في هذا البند وحده".
وأكد كنعان أنه "من المفترض أن تبدأ لجنة المال والموازنة في الأيام المقبلة بدراسة هذين المشروعين، ووضع جدول للجلسات، والاستماع إلى الجهات المعنيّة". وشدد على أن هذا الملف "يُعدّ من الملفات الأساسية التي ينبغي أن يُراعى فيها أمران: أولًا، إمكانية التطبيق الواقعي، وثانيًا، ضمان استرداد الودائع بصورة فعلية، بحيث لا يتحول القانون إلى نصّ غير قابل للتنفيذ بسبب ضعف إمكانات الدولة اللبنانية".
تعديلات مقبولة لا تنسف القانون
من جهته، يبدو مستشار وزير المالية سمير حمود أكثر تفاؤلاً بشأن إمكانية التوافق. فيقول لـ"كافيين دوت برس" "أعتقد أن التصحيح في قانون الإصلاح يمكن إقراره في آذار، لكن الفجوة تحتاج إلى وقت أطول".
ويشير إلى أن "الصندوق يتفهم ذلك، لأن الفجوة تحتاج إلى تعديلات وتوافق مع مصرف لبنان في إطار مقبول وقابل للتنفيذ دون تعارض مع المبادئ الأساسية للصندوق". ويطمئن حمود بأن "التعديلات المطلوبة تبقى مقبولة، تغيّر كثيرًا من القانون الحالي لكنها لا تلغيه أو تنسفه".
ويبدو أن هذه الملاحظات التي حملها وفد الصندوق إلى وزير المالية ياسين جابر، ركزت على آليات توزيع الخسائر. وفي هذا الإطار، يشرح الدكتور فحيلي الأطر المعتمدة عالميًا، حيث "يعتبر رأس المال خط الدفاع الأول لامتصاص الخسائر. وعليه، فإنّ أصحاب رؤوس الأموال يتحمّلون العبء أولًا، سواء في المصارف أو في غيرها من المؤسسات".
ويضيف: "إذا لم يكفِ رأس المال، ينتقل العبء إلى كبار المودعين، ثم تدريجيًا إلى الفئات الأخرى، وصولًا إلى صغار المودعين". ويشير فحيلي إلى أنه "كان قد جرى التزام بعدم المسّ بصغار المودعين، وقد حُدِّدت هذه الفئة بمن يملكون ودائع حتى مئة ألف دولار".
هكذا، يبدو لبنان مجددًا على مفترق طرق. فبينما يحمل وفد صندوق النقد في جعبته الشروط الدولية، وتكشف تصريحات كنعان عن حجم الهوّة بين الإمكانات والالتزامات، يبقى قانون الفجوة المالية مرهونًا بقدرة القوى السياسية على اتخاذ القرارات المصيرية في اللجان النيابية. فهل تكون زيارة شباط حافزًا لكسر الجمود، أم ستتحول إلى شاهد جديد على استمرار سياسة التأجيل التي حذّر منها الخبراء؟ الأيام المقبلة كفيلة بالإجابة.