الحكومة وزيادة الضرائب : "صدمة سلبيّة للاستقرر الماليّ"

الحكومة وزيادة الضرائب :  "صدمة سلبيّة للاستقرر الماليّ"

مجلس الوزراء مجتمعا برئاسة عون

في خضم أزمة اقتصادية غير مسبوقة، أقدمت الحكومة اللبنانية على قرار زيادة رواتب القطاع العام بكلفة إجمالية بلغت 800 مليون دولار سنوياً، في خطوة أثارت جدلًا واسعًا حول جدواها وآليات تمويلها، خاصة وأنها تزامنت مع فرض رسوم إضافية على البنزين ورفع الضريبة على القيمة المضافة من 11% إلى 12%. هذا القرار، الذي جاء استجابة لتحركات احتجاجية للمتقاعدين والموظفين والأساتذة في التعليم الرسمي، فتح الباب أمام تساؤلات جوهرية حول أولويات الحكومة ومدى قدرتها على الموازنة بين الالتزامات الاجتماعية ومتطلبات الاستقرار المالي.

 

موقف وزير الإعلام: اعتراض مبدئي على المقاربة الضريبية

 وزير الإعلام المحامي بول مرقص  كشف في تصريح لـ"كافيين دوت برس" عن موقفه المعترض على الرسوم الضريبية المطروحة خلال الجلسة الأخيرة لمجلس الوزراء. مؤكدا أن اعتراضه لم يكن من باب المزايدة، بل من منطلق مبدئيّ يقوم على ضرورة دراسة أيّ إجراء ماليّ بدقة من حيث انعكاساته الاقتصادية والاجتماعية، وعدم تحميل المواطنين أعباء إضافية في هذه المرحلة الحساسة.

 وشدد  مرقص على ضرورة اعتماد مقاربة إصلاحية متكاملة بدلًا من اللجوء إلى زيادات ضريبية سريعة، وأن معالجة الملفات الماليّة، وخصوصًا ما يتعلق بتمويل زيادات القطاع العام، يجب أن تتم ضمن رؤية واضحة ومستدامة. وذكّر بأنه سبق أن وعد بالعمل على إيجاد حلول لمسألة رواتب القطاع العام عبر مقاربات "ذكية وخارج الصندوق"، تقوم على آليات تمويل عادلة لا تضرّ بالمواطن ولا تزيد الضغط الضريبيّ المباشر عليه، بل ترتكز إلى تحسين الإدارة المالية، وتفعيل الجباية، وضبط الهدر.

وأكد أن موقفه في الجلسة يندرج في إطار السعي إلى حلول متوازنة، تلبّي حاجات القطاع العام من دون تحميل المواطنين أعباء إضافية.

غبريل: تخوّف من تداعيات خطيرة

منذ اللحظة الأولى، بدت المعالجة الحكومية مثيرة للجدل في نظر الخبير الاقتصادي نسيب غبريل، الذي اعتبر أن المقاربة التي اتبعتها الحكومة تفتقر إلى الدراسة المتأنيّة. وأوضح أن ما جرى في الليلة الأخيرة من مناقشة الموازنة كان بمثابة اتفاق مع المتظاهرين على معالجة الأمر قبل نهاية شباط، شرط توّفر مصادر التمويل. لكن المفاجأة كانت بإقرار زيادة بكلفة 800 مليون دولار سنويًا، وهي أقل مما كانوا يطالبون به من ستة رواتب، لكن الأهم وفق غبريل هو الطريقة التي تعاملت بها الحكومة مع التمويل.

ويشير غبريل لـ"كافيين دوت برس" إلى أن هذه الزيادة تشكّل "صدمة سلبية" للاستقرار المالي العام وللاستقرار السعريّ، خاصة وأن موازنة 2026 كانت قد أُقرّت بنفقات وإيرادات بلغت ستة مليارات دولار لكل منهما، في محاولة لتحقيق التوازن. لكن الزيادة الجديدة تعني ارتفاع النفقات بما لا يقل عن 100 مليون دولار، فيما تبقى الإيرادات المتوّقعة من الإجراءات الضريبية غير محسوبة بدقة، متوقعًا ألا تتمكن من تغطية الكلفة الإضافية.

 ويتخوف الخبير الاقتصادي من تداعيات خطيرة لهذه الضرائب، خاصة في ظل نسبة تضخم تبلغ 12% أساسًا، مشيرًا إلى أن زيادة الضرائب ستؤدي حتمًا إلى ضغوط تضخمية جديدة سترفع الأسعار وتقوض الهدف الأساسي من زيادة الرواتب، وهو تحسين القدرة الشرائية. ويشرح غبريل أن رفع الضريبة على القيمة المضافة بنسبة 1% يعني فعلياً زيادة بنسبة 9% في العبء الضريبي، مما سينعكس سلبًا على جميع المواطنين.

 ويضيف غبريل أن هناك تهديدًا إضافيًّا يتمثل بالضغط على احتياطي مصرف لبنان بالعملات الأجنبية، حيث أن رواتب القطاع العام تُسحب بالدولار، وتأمين 800 مليون دولار إضافية سنوياً سيشكل ضغطًا كبيرًا على الاحتياطي وسعر الصرف. ويرى في هذا القرار "قرارًا انتخابيًّا اعتباطيًّا " يذكرنا بقانون سلسلة الرتب والرواتب الذي أقرّ قبل انتخابات 2018 وكلفته الحقيقية تضاعفت ثلاث مرات، ما أدى إلى تفاقم العجز في الموازنة من 3 مليارات دولار عام 2017 إلى 5.8 مليار دولار عام 2018.

 ويؤكد غبريل أن الحكومة تجاهلت تحذيرات صندوق النقد الدولي الأسبوع الماضي بأن أي زيادة في النفقات العامة يجب أن تقابلها تغطية مالية حقيقية، مشيراً إلى أن البدائل كانت متوفرة لكن دون إرادة سياسية، مثل محاربة التهرب الجمركي الذي كان يمكن أن يحقق إيرادات جمركية تتجاوز الملياري دولار سنوياً، والتهرب الضريبّي الذي تراوح معدله السنوي بين 1.2 و1.68 مليار دولار خلال الفترة 2011-2019، بالإضافة إلى إعادة هيكلة القطاع العام وإغلاق المؤسسات الوهمية ودمج الوزارات. ويختم بالقول إن "التضخم هو أسوأ ضريبة"، متمنياً على بعض الوزراء التوقف عن الحديث عن إصلاحات وإنجازات.

 

رفض الزيادات الضريبية والبحث في التحركات

 من جهته، عبر رئيس الاتحاد العمالي العام بشارة الأسمر لـ"كافيين دوت برس" عن رفضه القاطع لهذه الزيادات الضريبية، واصفًا إياها بالكارثية والمرهقة التي تنعكس سلبًا على الطبقة العاملة التي تتحمل العبء المباشر دائمًا. وأعلن الأسمر عن دعوة لاجتماعات طارئة للاتحادات العمالية بالتنسيق مع رابطة موظفي القطاع العام، لبحث الإجراءات الواجب اتخاذها في ضوء الأجواء التصعيدية.

 ويعتبر الأسمر أن منطق "الأخذ باليد وإعطاء باليد الأخرى" غير مقبول، وكان على الحكومة أن تبحث عن مصادر تمويل بديلة بدلًا من مدّ يدها إلى جيوب الناس. كما حذر من محاولة تفريق الحركة العماليّة عبر إدخالها في صراعات داخليّة بين فريق يرفض وآخر يقبل، مؤكداً أن الاتحاد العمالي سيبقى موحدًا في رفض هذه الزيادات، ومشيرًا إلى أن التحركات في الشارع تبقى خيارًا واردًا إذا اقتضت الضرورة.

 وفي سياق متصل، أكد نقيب المعلمين نعمه محفوض لـ"كافيين دوت برس" أن المعلمين وموظفي القطاع العام والعسكريين والمتقاعدين لهم حق برواتب مجزية، خاصة أن الرواتب الحالية لا تكفي لأسبوع واحد. لكنه رفض منطق "نقل الأموال من جيب إلى آخر" الذي لا يزال سائدًا، مشددًا على أن المعالجة الحقيقية لا تكون بهذه الطريقة.

ويرى محفوض أن استمرار زيادة الإنفاق على القطاع العام من دون إصلاح جذريّ بات أمرًا غير ممكن، والمطلوب إعادة هيكلة شاملة للقطاع العام. لكنه يربط هذا الإصلاح بمعالجة الوضع السياسي العام، متسائلاً: "هل يمكن لهذه الحكومة أن تشرع بالإصلاح في ظل وجود السلاح خارج إطار الدولة، وفي ظل نفوذ المافيات والميليشيات التي تحكم البلاد منذ عام 1990؟".

 ويؤكد محفوض أن بداية الإصلاح الحقيقي تكون بحصر السلاح بيد الدولة واستعادة قرارها، ووضع حدّ لهيمنة الميليشيات السياسية والأمنية، وإلا فلن يكون هناك إصلاح حقيقيّ. ويعتبر أن ما يجري اليوم ليس سوى ترقيع متكرر، مشيراً إلى أن الحل لا يكون بأخذ الأموال من فئة من الناس لإعطائها لفئة أخرى، وأن الانتخابات المقبلة قد تشكل فرصة لإعادة تصويب المسار إذا أحسن اللبنانيون الاختيار.

ويبقى السؤال الأساسي: هل تستطيع الحكومة تجاوز منطق الترقيع نحو إصلاحات هيكلية حقيقية، تشمل محاربة التهرب الجمركي والضريبي، وإعادة هيكلة القطاع العام، وضبط الهدر، أم أن التاريخ سيعيد نفسه مجدداً مع "سلسلة رتب ورواتب" جديدة تثقل كاهل الخزينة والمواطن معاً؟.الأيام المقبلة وحدها كفيلة باعطاء الجواب.

اقرأ المزيد من كتابات ربيع يونس