ظاهرة تعلّق اهل لبنان به و80% نساء يرغبن دخول القضاء
غريب عجيب امر لبنان رغم اقسى الظروف والصعاب التي عاشها ويعيشها على الاطلاق الى الآن. شهد كل انواع الازمات والسيناريوهات والأعاصير منذ اندلاع حرب 1975، ولا يزال، ولم يدع أي نوع أزمة تعتب عليه الا ومرّت من هنا. وقابل ناسه كل المعاصي بالجهاد والصبر وتحمل المآسي والتمسك بالحياة والأمل والتطلع الى غد أفضل. وما ان يهاجر منهم من إستعصى عليهم العيش خوفًا او بحثًا عن عيش كريم حتى يعودوا عند اول فرصة، وسيمضون في العودة رغم اخبار الاوضاع الامنية او من يحاول قطع شرايينهم عن بلدهم لأغراض سياسية.
عيّنات كثيرة تشهد على هذه الظاهرة الفريدة في لبنان.أطباء غادروا وعادوا، محامون يستقرون في الجو بين الالتحاق بمكاتبهم في الخارج والداخل، ولاسيما منهم اصحاب الهجرة القريبة الى الدول العربية،مهندسون يلتزمون بأعمالهم ويتابعون اعمالًا رديفة في بلدهم ، وقلة من القضاة حذت حذوهم.حتى ان مَن إستقال منهم التزم التفرغ لمركز في الداخل بسبب اوضاع معنوية ومادية حملتهم على الإستقالة، وجميعهم من خيرة القضاة. ولا تزال هذه الاوضاع تطاردهم ويبحثون عن حل.وآخر هذه السلسلة إستقالة قاضية من الجيل الجديد، وافق مجلس القضاء الأعلى على هذه الإستقالة القسرية.والخشية من ان تكر السبحة بعدما بلغ عدد المستقيلين 14 قاضيًا تقريبًا بإزاء النقص في عدد القضاة اذ لا يتجاوز عددهم 530 قاضيًا.ويذكر احد كبار القضاة ان تعويضات نهاية الخدمة لا تتجاوز الاربعة آلاف دولار بعد عقود من العمل، فيما راتبه مع صندوق التعاضد في حدود الالف و200 دولار. وعمل غالبية القضاة من النوع المضني استمروا في ادائه في ظروف صعبة منذ عام 2019. طاولتهم الازمة المالية كغيرهم من شرائح المجتمع.لكن اكثر ما طاولهم هو الحرب الشعواء التي جرى شنها على مؤسستهم كادت تؤدي الى هدمها ، وهدم سائر المؤسسات بقصد إضعافها .لكن القضاء قاوم بإستشراس للحفاظ عليها رغم كل الانتقادات التي تعرض لها لدرجة تهديد احد قضاتها في عقر الدار. والى ذلك يُدرك مَن عايش تلك المرحلة حجم المخاطر التي واجهت القضاء لجهة ازمة الشغور في المراكز ،حيث بات هدف مجلس القضاء ورئيسه القاضي سهيل عبود تأمين إستمرارية هذه المؤسسة، ونشر ديوانه تقريرًا عن الاعوام الحالكة التي عبرها وكيفية التعامل معها للخروج بالحد الادنى من الضرر. هذا الضرر نابع من عدم التعامل معها كسلطة، وسماعها الى الآن تشكو من عدم توفر ظروف العمل معنويًا وهيبته المسؤولة دولته عن الحفاظ عليها. وهذه الناحية اكثر ما تؤلم هذه الشريحة، اما الوضع المادي فالحديث عنه بلا حرج وينذر بالأسوأ في باب الاستقالات في وقت تُخصص رواتب مرموقة لحفنة من الموظفين.فهل سبب الإهمال من المسؤولين السياسيين لهذه السلطة أبعد من ذلك؟. لقد شكوا في السابق ان العلّة في عدم الإنتاجية، في حين ان هذه الانتاجية غدت اكثر من جيدة، بحسب مصادر قضائية مسؤولة مع تحسّن نسبة سوق الموقوفين 40 في المئة. وتعقد القاضيات جلسات في راشيا والنبطية وحلبا وبعلبك ثلاث مرات اسبوعيًا ليعُدن بعد انتهائها الى منازلهن في بيروت بتنقل على نفقتهن، وغالبيتهن أمهات في بلد قدره العناء المتواصل الى الآن، ولا مَن يسأل. لقد نشر نادي القضاة في لبنان شريطًا مصورًا عن الواقع المأساوي لظروف العمل في قصر العدل في بعبدا. فهل شاهده المسؤولون السياسيون؟.
رغم كل هذه السردية شكلت الظاهرة اللبنانية الفريدة تقديم 1164 طلبًا لمباراة الدخول الى معهد الدروس القضائية لإختيار 40 قاضيًا متدرجًا.ويرمز هذا العدد الكبير الى رغبة الاجيال الجديدة في خدمة العدالة في بلدهم. واللافت ان مقدمي الطلبات هم من الإناث في الغالب، وبلغت نسبتهم 80 في المئة، علما ان نسبة القاضيات حاليًا في القضاء هي 45 في المئة.