الدستوري أبطَل كلّ قانون استقلال القضاء ومخالفة: لا لإستئثار فئة بالقرار وحدها
سُجلت دعسة تشريعية ناقصة في معقل التشريع، مجلس النواب، بارتكابه مخالفة المادة 20 في الدستور، لدى تجاوزه صيغة جوهرية بعدم استطلاع رأي مجلس القضاء الاعلى، في الصيغة النهائية لقانون تنظيم القضاء العدلي المعروف بقانون استقلال القضاء. وهي المخالفة التي بنى المجلس الدستوري قراره عليها في تعليله ابطال هذا القانون برمته، في قرار مُبرم اصدره بالاكثرية. والمفاجأة كانت بردّ هذا القانون برمته بعد عمل اكثر من عامين على مشروعه في البرلمان وذهابه اكثر الى نهج المحاصصة وحتى الى ابعد منها في بلد نظامه ديموقراطي توافقي.
وتستوقف في القرار مخالفة القاضي الياس مشرفاني التي ناقشت بتمعن سببًا للطعن ردّه المجلس الدستوري لجهة كيفية التصويت على هذا القانون في مجلس النواب، وعدم التحقق من مدى توافر الاغلبية لاعتبار هذه الجلسة متحققة الشروط لجهة النصاب القانوني المطلوب لبتّ قانون مُعاد من رئيس الجمهورية او كيفية التصويت عليه.
إذ وفق حيثيات قرار المجلس الدستوري، انه لم تتم مخالفة المادة 36 من الدستور ،التي تنص على صيغة جوهرية لارتباطها ارتباطًا جذريًا بطبيعة النظام البرلماني الديموقراطي المنصوص عليها في الدستور لجهة كيفية التصويت على هذا القانون في جلسة الهيئة العامة للمجلس،ولا مخالفة المادة 57 منه، إذ حصلت الجلسة في حضور الغالبية المطلقة، والتي "اوجبت ان يُقرّ القانون المعاد من رئيس الجمهورية بعد استعماله حقه" بالغالبية المطلقة من مجموع الاعضاء (65 نائبًا) الذين يؤلفون المجلس قانونًا، وذلك بناء على محضر المناقشات ومن التسجيل الصوتي لجلسة مجلس النواب الذي اودع المجلس الدستوري بناء لطلبه.
لكن قرار الدستوري أخذ على عدم عرض مشروع القانون على مجلس القضاء الأعلى ليبدي رأيه في صيغته الجديدة لإبداء رأيه فيه وفقًا للاصول، ولا يصلح الاكتفاء بمخابرة هاتفية مع رئيس مجلس القضاء، كما ان تكليف وزير العدل بتمثيل الاخير بإبداء الملاحظات على المشروع " لا تنسجم مع الغاية الاسمى للقانون وهي استقلالية السلطة القضائية وفصلها عن السلطتين التنفيذية والتشريعية، وعن التدخل السياسي"!، ولاسيما ان " إشراك مجلس القضاء في عملية التشريع عندما يتعلق النصّ بتنظيم شؤون القضاء والقضاة يُعتبر تكريسًا لمبدأ استقلاليّة السلطة القضائية ذي القيمة الدستورية، والذي يُمثّل احد انعكاسات مبدأ فصل السلطات،مؤكدًا استطلاع رأي مجلس القضاء في مشاريع القوانين والانظمة المتعلقة بالقضاء، هي " صيغة جوهرية تكرّس احدى الضمانات القضائية المنصوص عليها في المادة 20 من الدستور"، لذلك يكون إقرار القانون بدون اخذ رأي مجلس القضاء مخالفًا لهذه المادة ومستوجب الإبطال".ليُنهي المجلس الدستوري بعد مناقشته هذين السببين حيثيات قراره بأنه بعد توصله" إبطال القانون المطعون فيه برمته لم يعد من موجب للتطرق لباقي الاسباب" من مقدمي الطعنين ، ويصل الى خلاصة قراره بـ "ردّ السبب الاول المبني على مخالفة المواد 34 و36و57 من الدستور. وإبطال القانون برمّته لمخالفته الصيغة الجوهرية المتمثلة باستطلاع رأي مجلس القضاء الأعلى، وتاليًا لمخالفته المادة 20 من الدستور" وإبلاغ هذا القرار من كل من رئيس الجمهورية ورئيس مجلس النواب ورئيس مجلس الوزراء ونشره في الجريدة الرسمية".
مخالفة الاكثرية
وقد خالف عضو المجلس الدستوري القاضي الياس مشرفاني رأي الاكثرية في ما توصلت اليه بشأن عدم مخالفة قانون تنظيم القضاء العدلي للمادة 57 من الدستور، ووافقها في سائر ما آل اليه قرار المجلس والنتيجة التي توصل اليها. واعتبر انه كان على المجلس الدستوري انه لم يُثبت نيل القانون موضوع الطعن موافقة الغالبية المحددة بـ 65 نائبًا على الاقل، وجرى خرق الاصول الدستورية الجوهرية لناحية تحديد عدد الاصوات المطلوب في المادة 57 من الدستور التي اوجبت الحصول على " الغالبية المطلقة من مجموع الاعضاء الذين يؤلفون المجلس قانونًا". وتابع " من البديهي التسليم بأن فرض الغالبية المطلقة من المُشرّع في معرض التصويت على قرارات هامة كمثل ردّ رئيس الدولة قانونًا معينًا وهو حامي الدستور ، يقضي بعدم جواز إنقاص هذه العدد الذي يمثل الغالبية لأي اعتبار كان، كما لا يجوز التغاضي عن وجوب تأمينه،لأن النص الصريح المرتكز الى الغالبية الدستورية مشفوع ايضًا بالشرعية المستمدة من مفهوم الديموقراطية التوافقية المُعَبر عنها بالمناصفة(64 نائبًا) يليها اول رقم، فلا تنفرد فئة دون اخرى ولا تستأثر بالقرار وحدها. ولا يصحّ ان يُستنتج حصول القانون المطعون في دستوريته على الغالبية المطلقة إستنتاجًا... لأن المجلس الدستوري يضع يده عفوًا على كامل القانون المطعون في دستوريته، وهو غير مقيّد بمضمون الطعن وأسبابه"،كما ان المناداة على النواب في الجلسة خلال التصويت واستبيان موقفهم في ما يختص بالقوانين، بحسب المادة 36 من الدستور تمسي اكثر إلحاحًا ووجوبًا وإلزامًا، بلا استثناء ولا تساهل، خصوصًا عمّا ينص الدستور على غالبية موصوفة اذ ينبغي توثيقها والتحقق من إدراكها، وتوثيق عدد الاصوات التي نالها القانون صراحة وأصولًا، وتكون الغالبية المنصوص عليها في المادة 57 من الدستور غير متوافرة. لذلك اخالف رأي الاكثرية في ما توصلت اليه بشأن عدم مخالفة القانون للمادة 57 من الدستور، واوافقها الرأي بالنسبة الى سائر ما آل اليه قرار المجلس وللنتيجة التي توصل اليها".
باسيل ونادي القضاة
رئيس التيار الوطني الحرّ النائب جبران باسيل اشاد بالقرار وكتب على منصة اكس" مبروك لنادي القضاة وللقضاة الأوادم إبطال قانون إستقلالية القضاء بشكل كلّي من قبل المجلس الدستوري بعد الطعن يلّي قدمناه؛هيدا دليل إضافي على عجز الحكومة والمنظومة عن اجراء فعلي لاستقلالية القضاة! انتوا مستقلّين فعلاً بس بحاجة لقانون يحميكم.
انشالله ما يكرّروا الجريمة بحق العدالة".
ورحب نادي قضاة لبنان في بيان بقرار المجلس الدستوري الذي ابطل قانون استقلال السلطة القضائية، والذي كرَّس "بموجبه مجددًا مبدأ استقلالية السلطة القضائية ذي القيمة الدستورية. وأشار بشكل واضح إلى تعدي السلطة التشريعية على صلاحيات السلطة القضائية بعدم إشراكها مجلس القضاء الأعلى في عملية التشريع عندما يتعلق النص بتنظيم شؤون القضاء والقضاة".
اضاف "الأهم أن هذا القرار أكد على الأسس التي يقتضي على مجلس القضاء الأعلى عدم التنازل عنها أو التهاون فيها ضمانة لهذه الاستقلالية، شاكرًا " المجلس الدستوري على هذا القرار، كلّ من تقدّم بالطعن الذي أدى إلى صدوره، وبانتظار ولادة قانون يضمن ويكفل الاستقلاليّة الإداريّة والماليّة الفعلية للسلطة القضائية، يدعو جميع الأطراف المعنية بعملية التشريع إلى الأخذ في الاعتبار كل الملاحظات والدراسات التي سبق للنادي وأن تقدم بها، والأخذ أيضًا بملاحظات لجنة البندقية والالتزام بالمعايير الدولية الأساسية في هذا المضمار".