تعطيل انطلاقة القنّب الهنديّ: هيئة جاهزة ومزارعون ينتظرون
القنب الهندي
بعد ست سنوات على إقرار قانون زراعة القنب للاستخدام الطبي والصناعي في لبنان، لا يزال هذا القطاع الواعد يدور في حلقة الانتظار. فبينما تؤكد الجهات الرسمية أن البنية التنظيمية والإدارية أصبحت شبه مكتملة وأن الهيئة الناظمة أنجزت معظم المهام المطلوبة لإطلاق العمل، يتصاعد في المقابل غضب المزارعين في بعلبك - الهرمل، وتتسع دائرة الاعتراضات السياسية على خلفية قرار مجلس الوزراء تكليف الأمين العام للمجلس القاضي محمود مكية بتسيير أعمال الهيئة إلى حين تعيين مدير عام أصيل.
وفي وقت تراهن الدولة على تحويل القنّب من نشاط غير منظم إلى قطاع اقتصادي منتج قادر على استقطاب الاستثمارات وفتح أسواق جديدة، يرى أبناء المنطقة أن الوعود لم تترجم حتى الآن إلى خطوات عملية، وأن المواسم الزراعية تتوالى فيما تبقى المحاصيل مكدّسة والمراسيم التطبيقية عالقة، ما يعيد طرح الأسئلة حول مصير هذا القانون ومستقبل آلاف العائلات التي علّقت آمالها عليه.
الحكومة: لا خلافات والملف يسير وفق الأصول
وزير الزراعة نزار هاني ينفي وجود أي خلافات حول الملف، مؤكداً لـ"كافيين دوت برس" أن التأخير لا يرتبط بأي نزاع سياسي أو إداري، بل بالظروف الاستثنائية التي مر بها لبنان منذ إقرار القانون عام 2020. ويشير هاني إلى أن الحكومة الحالية أنجزت تعيين الهيئة الناظمة المؤلفة من سبعة أعضاء يمثّلون الاختصاصات التقنية والوزارات المعنية، وأن الهيئة باشرت منذ تشكيلها إعداد نظامها الداخلي والمراسيم التطبيقية والخطة التنفيذية اللازمة لإطلاق القطاع.
وبحسب وزير الزراعة، فإن المرحلة الحالية تتركز على استكمال البنية الإدارية والقانونية التي تتيح للهيئة مباشرة مهامها الكاملة، وفي مقدمتها منح التراخيص ووضع آليات التنسيق بين المزارعين والصناعيين العاملين في مجالات الأدوية والصناعات التحويلية المرتبطة بالقنب.
أما في شأن الجدل الذي رافق تكليف القاضي محمود مكية، فيؤكد هاني أن القرار جاء حصرًا للحفاظ على فرصة توقيع اتفاقية مع شركة صينية أبدت اهتمامًا بالاستثمار في لبنان، موضحًا أن المدير التنفيذي للهيئة لم يكن قد عُيّن بعد، ما استدعى تكليف مكية بالتوقيع على الاتفاقية بصورة موقتة ومحددة. كما يشير وزير الزراعة إلى أن الاهتمام المتزايد من الشركات الصينية واللبنانية، إضافة إلى نقابة مصنّعي الأدوية، يعكس حجم الفرص الاقتصادية الكامنة في هذا القطاع إذا ما أُطلقت عجلة العمل رسميًا.
هيئة جاهزة تنتظر الضوء الأخضر
من جهته، يؤكد رئيس الهيئة الناظمة لزراعة القنب للاستخدام الطبي والصناعي الدكتور داني فاضل لـ"كافيين دوت برس" أن الهيئة أنجزت عمليًا معظم الأعمال المطلوبة منها، وأنها أصبحت جاهزة للانتقال إلى مرحلة التنفيذ فور استكمال الدورة القانونية للمراسيم والأنظمة التطبيقية.
ويكشف فاضل أن الهيئة بدأت عملها بمحاولة إنقاذ محاصيل السنوات السابقة عبر إجراء تحاليل مخبرية متخصصة على عيّنات من القنّب اللبناني، أثبتت صلاحيته للاستخدامات الطبية والصناعية وفق المعايير العلمية المعتمدة. كذلك عملت على توثيق الخصائص الكيميائية والدوائية للحشيشة اللبنانية بهدف إدراجها مستقبلاً ضمن الأسواق الشرعية.
بالتوازي، أعدت الهيئة جميع مشاريع الأنظمة والمراسيم التطبيقية والنماذج الإدارية المطلوبة، وأحالتها إلى رئاسة مجلس الوزراء والجهات المختصة، وأنجزت نظامها المالي وأدخلت عليه الملاحظات الواردة من وزارة المالية.
ويضيف فاضل أن الهيئة أنجزت أيضًا المنصة الإلكترونيّة الوطنية التي ستشكّل العمود الفقري لإدارة القطاع، إذ ستتيح تقديم طلبات التراخيص ومتابعة عمليات الزراعة والتصنيع والاستيراد والتصدير والتتبع والرقابة، إضافة إلى إدارة ملفات المستثمرين والمزارعين والصيدليات والمرضى.
أين تكمن العقدة؟
على الرغم من جهوزية الهيئة، يؤكد فاضل أن الانطلاقة الفعلية لا تزال مرتبطة باستكمال الإجراءات القانونية والإدارية لدى مجلس الخدمة المدنية والجهات الرسمية المعنية.ويشير إلى أن الهيئة أنجزت جميع الملفات المطلوبة منها منذ السابع من كانون الثاني 2026، بما فيها النظام المالي الذي أصبح جاهزًا بعد الأخذ بملاحظات وزارة المالية، إلا أن هذه النصوص لا تزال في حاجة إلى استكمال مسارها القانوني قبل دخولها حيز التنفيذ.
ويشدد على أن الهيئة لا تستطيع قانونًا منح تراخيص للزراعة التجارية أو السماح بالتسويق قبل اكتمال الإطار التنظيمي، ما يعني أن أي إنتاج أو تسويق يجري حالياً يبقى خارج نطاق القانون ولا تتحمل الهيئة مسؤوليته.
وتراهن الهيئة على أن يؤدي إطلاق القطاع إلى إنشاء سلسلة إنتاج متكاملة تربط المزارعين مباشرة بالشركات المرخّص لها بالتصنيع والتحويل الصناعي والدوائي، بما يضمن شراء المحاصيل وفق عقود واضحة وآليات رقابية شفافة.
ويؤكد فاضل أن الهدف هو إنهاء مشكلة تصريف الإنتاج التي عانى منها المزارعون لعقود، وتحويلهم إلى جزء من اقتصاد شرعيّ ومنظّم يوفر دخلاً مستقرًا ومستدامًا، مع فتح المجال أمام الاستثمارات المحلية والخارجية وإنشاء صناعات تحويلية جديدة.
تكليف مكية يشعل السجال السياسي
لكن ما تعتبره الجهات الرسمية إجراءً إدارياً موقتًا، تحوّل في نظر عدد من القوى السياسية والفعاليات المحلية إلى قضية ذات أبعاد ميثاقية وسياسية.
فأوساط سياسية مواكبة للملف تؤكد أن تكليف القاضي محمود مكية أثار اعتراضات واسعة في بعلبك - الهرمل، حيث يعتبر كثيرون أن هذا الموقع يشكل عرفاً من حصة الطائفة الشيعية.
وتذهب بعض المصادر إلى اعتبار أن القرار يحمل خلفيّات سياسية تتجاوز الجانب الإداري، وتربطه مباشرة برئيس الحكومة نواف سلام، متسائلة عن أسباب اتخاذ هذه الخطوة في هذا التوقيت بالذات، وعن موقف الوزراء الشيعة الذين شاركوا في الجلسة الحكومية.
وفي المقابل، يرفض فاضل الربط بين تكليف مكية وتأخير تنفيذ القانون، مؤكدًا أن مهمته اقتصرت على توقيع الاتفاقية مع الجانب الصيني، وأن الهيئة كانت تتمنى استمراره في متابعة بعض الملفات الإدارية المرتبطة بها، إلا أنه اعتذر بسبب مسؤولياته الكثيرة.
غضب في بعلبك - الهرمل وأسئلة بلا أجوبة
بعيداً عن السجالات السياسية، يبدو أن هواجس المزارعين أكثر ارتباطاً بالواقع اليومي للقطاع. فبعد سنوات من الوعود، لا تزال المحاصيل السابقة من دون تصريف فعلي، فيما تستمر زراعة مواسم جديدة وسط غياب آلية قانونية واضحة للتسويق والاستفادة الاقتصادية.
وتنقل فعاليات بقاعية حالة من الاستياء المتزايد في أوساط المزارعين الذين كانوا يأملون أن يشكل القانون نقطة تحوّل تاريخية تنهي سنوات الملاحقات وتوفر بديلاً اقتصادياً مشروعاً للمنطقة.
ويطرح كثيرون أسئلة ملحة حول مصير المحاصيل المتراكمة، وجدوى الاستمرار في الزراعة في ظل غياب التراخيص والأسواق القانونية، فيما تتحدث مصادر ميدانية عن مخاوف جديّة من تلف الإنتاج أو اضطرار بعض المزارعين إلى تصريفه عبر قنوات غير شرعية تحت ضغط الأزمة الاقتصادية.