نصف المعارض خارج الخدمة والسيارات تتكدّس في المرفأ

نصف المعارض خارج الخدمة والسيارات تتكدّس في المرفأ

معرض للسيارات

 

لم تنتهِ تداعيات الحرب الأخيرة في لبنان مع توقف القصف ودخول اتفاق وقف إطلاق النار حيّز التنفيذ، إذ لا تزال آثارها الاقتصادية تتكشف تباعًا في مختلف القطاعات. وبينما تتجه الأنظار إلى جهود إعادة الإعمار وتعويض الخسائر، تواجه قطاعات إنتاجيّة وتجاريّة عديدة صعوبات متزايدة في استعادة نشاطها، في ظل استمرار حالة عدم اليقين السياسي والأمنيّ وتراجع القدرة الشرائية لدى المواطنين. 

 

ويُعدّ قطاع السيارات من بين أكثر القطاعات تأثرًا بهذه الظروف، بعدما انعكست الحرب وما رافقها من نزوح وإقفال طرقات وتراجع الحركة الاقتصادية على أعمال المستوردين والتجار وأصحاب المعارض. فالمبيعات تكاد تكون متوقفة، والخسائر تتراكم، فيما يواجه العاملون في القطاع تحديات إضافية مرتبطة بالرسوم المرتفعة وكلفة الاستيراد والتخزين. 

 

الحرب تُفرغ المعارض 

 

وفي هذا السياق، أوضح نقيب مستوردي السيارات المستعملة إيلي قزي لـ"كافيين دوت برس" أن معظم أصحاب معارض السيارات في المناطق التي تضررت خلال الحرب اضطروا إلى مغادرتها، مشيرًا إلى أن بعضهم تمكن من نقل سياراته إلى مناطق أكثر أمنًا، فيما تعذّر على آخرين القيام بذلك. 

وأضاف أن النقابة ساعدت العديد من أصحاب المعارض على إيجاد مواقع بديلة في مناطق مختلفة من لبنان، ما أتاح لهم مواصلة العمل بالحد الأدنى من النشاط. 

وأكد قزي أن القطاع تكبّد أضرارًا وخسائر في عدد من السيارات، إلا أن حجم الأضرار كان أقل مقارنة بالمراحل السابقة، نظرًا إلى أن أصحاب المعارض كانوا أكثر استعدادًا واتخذوا إجراءات احترازية مسبقة مع تصاعد التوترات الأمنية. 

وأشار إلى أن سوق السيارات يرتبط في صورة مباشرة بالاستقرار الأمني والسياسي، موضحًا أن أي تدهور في هذين العاملين ينعكس فورًا على حركة البيع والشراء. وقال إن المواطنين في أوقات الأزمات يفضّلون الاحتفاظ بأموالهم وتأجيل عمليات الشراء الكبرى، ومن بينها السيارات، ما يؤدي إلى شبه توقف في حركة السوق. 

ولفت قزي إلى أن الخسائر التي لحقت بالقطاع تُقدّر بملايين الدولارات، مشيرًا إلى أن المعارض والتجار يواجهون منذ نحو شهرين أو ثلاثة حالة من الجمود الحاد، في ظل تراجع الطلب وإحجام المستوردين عن جلب سيارات جديدة بسبب الضبابية الاقتصادية والأمنية.كذلك أكد أن عددًا كبيرًا من أصحاب المعارض الذين اضطروا إلى ترك مناطقهم تمكنوا من استئناف أعمالهم من مواقع أخرى في جبل لبنان والشمال والبقاع ومناطق لبنانية مختلفة، ولو بوتيرة محدودة مقارنة بما كانت عليه الأوضاع قبل الأزمة. 

 

خسائر متراكمة تهدد القطاع 

 

من جهتهم، يؤكد العديد من تجار السيارات المستعملة وأصحاب المعارض لـ"كافيين دوت برس" أن حركة البيع تبلغ نسبة 2%، في وقت تستمر السيارات بالوصول إلى مرفأ بيروت رغم غياب القدرة الشرائية والسيولة اللازمة لتخليصها جمركيًا. ويشيرون إلى أن ارتفاع كلفة التخزين والشحن والتأمين بسبب مخاطر الحرب يضاعف من خسائر المستوردين يوميًا. 

ويضيف هؤلاء أن القطاع يرزح أيضاً تحت عبء الرسوم والضرائب المرتفعة، التي تصل على السيارات المستعملة إلى نحو 70 في المئة من قيمة السيارة، ما تسبب، بحسب تقديراتهم، بإقفال نحو نصف معارض السيارات في لبنان. ويرى المستوردون أن أي تعافٍ حقيقي للقطاع يبقى مرتبطًا بعودة الاستقرار الأمنيّ والسياسيّ وتحسن الأوضاع الاقتصاديّة، ولا سيما أن السوق كان يعتمد في السنوات السابقة على موسم الصيف لتنشيط المبيعات. 

ويحذّر أصحاب المعارض من أن استمرار حالة عدم الاستقرار الأمني وتفاقم تداعيات الحرب قد يؤديان إلى ارتفاع أسعار السيارات خلال الفترة المقبلة، فمع تراجع حركة الاستيراد وارتفاع كلفة الشحن والتأمين والتخزين، إلى جانب احتمال إقفال المزيد من معارض السيارات أو تقليص نشاطها، قد ينخفض حجم العرض المتاح في السوق، ما ينعكس ارتفاعًا في الأسعار عند عودة الطلب تدريجًا. 

ويرى التجار أن استمرار الأزمة لفترة طويلة قد يدفع عددًا إضافيًا من المستوردين وأصحاب المعارض إلى الخروج من السوق، الأمر الذي من شأنه تقليص المنافسة وزيادة الضغوط على الأسعار، سواء في سوق السيارات الجديدة أو المستعملة. 

هل تنقذ السيارات الكهربائية قطاع السيارات؟ 

وفي موازاة هذه الأزمة، يطرح بعض العاملين في القطاع سؤالاً حول إمكانية أن تشكل السيارات الكهربائية مخرجًا جزئيًا من حالة الركود، خصوصاً بعد الحوافز الضريبية التي أقرّها قانون الموازنة لعام 2026. فقد أعفى القانون السيارات الكهربائية الجديدة المستوردة خلال السنوات الخمس المقبلة من كامل الرسم الجمركي ورسم الاستهلاك الداخلي، إضافة إلى إعفاء بنسبة 70 في المئة من رسوم التسجيل ورسوم السير عند التسجيل للمرة الأولى. 

واستفادت السيارات الهجينة الجديدة، بمختلف فئاتها، من إعفاء بنسبة 80 في المئة من الرسم الجمركي ورسم الاستهلاك الداخليّ، فضلاً عن إعفاء بنسبة 70 في المئة من رسوم التسجيل والميكانيك. 

إلا أن العاملين في القطاع لا يرون في هذه الإجراءات حلاً سحريًا للأزمة. فمعظم المعارض اللبنانية تنشط أساسًا في سوق السيارات المستعملة، بينما تشمل الإعفاءات في صورة رئيسيّة السيارات الكهربائية والهجينة الجديدة. كذلك، تبقى القدرة الشرائيّة المتراجعة للمواطنين العامل الحاسم في حركة السوق، إلى جانب محدودية البنية التحتيّة المخصصة لشحن السيارات الكهربائية واستمرار الضبابية الأمنيّة والسياسيّة التي تؤثر على قرارات الشراء والاستثمار. 

وبين الخسائر المتراكمة والركود الحاد والحوافز الجديدة، يبقى مستقبل قطاع السيارات في لبنان مرهونًا بمدى قدرة البلاد على استعادة الاستقرار الاقتصاديّ والأمنيّ، باعتباره الشرط الأساسي لعودة الحركة إلى أحد أكثر القطاعات ارتباطاً بثقة المستهلكين وقدرتهم على الإنفاق. 

 

اقرأ المزيد من كتابات ربيع يونس