خسائر تتجاوز الجدران: المؤسسات الصغيرة في مواجهة شبح الإقفال
A destroyed shopping parade in central Dahieh, a southern suburb of Beirut-BBC
على الرغم من دخول اتفاق وقف إطلاق النار حيّز التنفيذ في نيسان الماضي، لم تستعد المناطق التي طاولتها الحرب الأخيرة في لبنان إيقاعها الطبيعي بعد، ولا سيّما في الضاحية الجنوبية لبيروت وبلدات الجنوب، حيث لا تزال المؤسسات التجارية الصغيرة تدفع ثمن الأشهر القاسية التي عاشتها تحت القصف والنزوح والخسائر الاقتصادية المتراكمة.
فالحرب لم تقتصر آثارها على الأبنية المدمّرة والمحال المتضررة، بل أصابت دورة الحياة الاقتصادية في الصميم، وأدخلت آلاف أصحاب المصالح الصغيرة في مواجهة يومية مع خطر الإقفال النهائي، في ظل تراجع الحركة التجارية، وضعف القدرة الشرائية، وغياب أي تعويضات فعلية تساعدهم على النهوض مجددًا.
هذا الواقع دفع العديد من أصحاب المتاجر والمؤسسات الصغيرة إلى إقفال مصالحهم خلال الحرب، فيما لم يتمكّن بعضهم من إعادة فتحها في صورة كاملة حتى اليوم. ومع توقف الأعمال، وجد كثيرون أنفسهم من دون أيّ مصدر دخل بديل، إذ تعتمد عائلات بأكملها على هذه المشاريع الصغيرة لتأمين معيشتها اليوميّة، ما جعل الخسائر الاقتصاديّة تتجاوز حدود الأضرار الماديّة لتتحول إلى أزمة معيشية حقيقية.
تشير معطيات حصل عليها "كافيين دوت برس" إلى أن الضاحية الجنوبية تضم نحو 15 ألفًا و900 مؤسسة تجارية بين صغيرة ومتوسطة وكبيرة، وقد تعرض ما يقارب ثلاثة آلاف منها لأضرار مباشرة جعلتها مدمّرة بالكامل أو غير صالحة للاستخدام. أما بقية المؤسسات، فقد تأثرت بصورة غير مباشرة نتيجة الإقفال القسري خلال الحرب وتراجع الحركة الاقتصادية بعد انتهائها.
أما في جنوب لبنان، فتشير المعطيات إلى تضرّر 14,748 مؤسسة تجارية من أصل 30,685 مؤسسة في المناطق التي شملها المسح، أي ما يعادل نحو 48 في المئة من إجمالي المؤسسات التجارية.
وتشكل المؤسسات الصغيرة ما يقارب 35 في المئة من هذه المؤسسات المتضررة، فيما اضطر نحو 10 في المئة من أصحابها إلى إقفال مصالحهم بشكل كامل. ويؤكد عدد منهم أنهم غير قادرين على استئناف أعمالهم في ظل حجم الخسائر التي تكبدوها، وأن إعادة فتح مؤسساتهم تبقى مرتبطة بالحصول على تعويضات أو دعم مالي يمكّنهم من إعادة تأهيلها وتأمين رأس المال اللازم للعودة إلى العمل.
ولم تكن بيروت بمنأى عن التداعيات التي طالت المصالح والمؤسسات الصغيرة، سواء بشكل مباشر نتيجة الغارات التي استهدفت المدينة، أو بصورة غير مباشرة بفعل التراجع الاقتصادي الذي رافق الحرب. وبحسب معطيات حصلت عليها "كافيين دوت برس"، بلغت نسبة إقفال المصالح الصغيرة في بيروت نحو 17 في المئة.
وتتوزع أسباب الإقفال بين أضرار مباشرة لحقت بالمحال والمؤسسات جراء الغارات، وخسائر اقتصادية ناجمة عن تراجع الحركة التجارية وانخفاض القدرة الشرائية خلال فترة الحرب.
ويؤكد عدد من أصحاب المؤسسات المتضررة أنهم لا يزالون ينتظرون الحصول على تعويضات تمكّنهم من إعادة تأهيل محالهم واستئناف نشاطهم، مشيرين إلى أن استمرار غياب الدعم سيبقي أبواب العديد من هذه المصالح مقفلة ويحول دون استعادة مصادر رزقهم.
خسائر تتجاوز الجدران
في بلدة شحور الجنوبية، لا تزال صاحبة متجر "دكان جاسم" تستعيد تفاصيل الأيام التي غيّرت حياتها وحياة عائلتها. فالمتجر الذي يشكل مصدر الرزق الوحيد للأسرة تعرض لأضرار جسيمة بعدما سقطت غارة على مسافة لا تتجاوز عشرين متراً من المنزل والمتجر.تروي أن الانفجار ألحق أضرارًا واسعة بالمكان، فتحطمت الرفوف والبرادات، وتناثر الزجاج في كل الاتجاهات، وسقطت البضائع وتلف معظم محتواها. وتضرر المنزل الملاصق للمتجر، فيما انهار جزء من السقف وتشققت الجدران.
وتؤكد أن الأضرار أجبرتها وعائلتها على إقفال المتجر لفترة طويلة، من دون أن يكون لديهم أي مصدر دخل آخر. وخلال فترة النزوح إلى بيروت حاول أفراد العائلة إيجاد فرص عمل بديلة تساعدهم على تجاوز الأزمة، إلا أن محاولاتهم لم تنجح، ما جعل إعادة فتح المتجر، رغم الخسائر الكبيرة، الخيار الوحيد المتاح أمامهم ولكنه حالياً مستحيل.
مشاريع صغيرة… وأعباء كبيرة
في الضاحية الجنوبية، يحاول أصحاب المشاريع الصغيرة التأقلم مع واقع اقتصادي شديد الصعوبة. أحد أصحاب المتاجر الذي افتتح مشروعه عام 2024 يوضح لـ"كافيين دوت برس" أن متجره لا يقتصر على بيع الهواتف الخلوية، بل يشمل أيضًا الهدايا والتذكارات والمنتجات المرتبطة بالتراث اللبناني.
ويشير إلى أن تنويع النشاط بات ضرورة بالنسبة الى المشاريع الصغيرة التي لا تستطيع الاعتماد على مصدر دخل واحد، خصوصًا في ظل الأزمات المتلاحقة. لذلك يشارك في المعارض والأسواق الموسمية والمهرجانات الشعبية سعيًا إلى تأمين مبيعات إضافية تساعده على الاستمرار.
لكن الحرب الأخيرة دفعته، شأنه شأن كثير من أصحاب المصالح الصغيرة، إلى إقفال متجره وتعليق نشاطه التجاري لفترة طويلة. ويؤكد أن هذا المشروع يشكل مصدر دخله الأساسي، وأن توقف العمل وضعه أمام تحديّات معيشية صعبة في ظل غياب أي مورد ماليّ بديل لإعالة أسرته.
ورغم إعادة فتح المتجر بعد انتهاء الحرب، لا تزال الحركة التجارية ضعيفة، فيما يواصل أصحاب المؤسسات الصغيرة البحث عن وسائل للبقاء والاستمرار. ويشير إلى أن شروط بعض برامج الدعم المطروحة تستثني عددًا كبيرًا من المشاريع الفردية غير المسجلة رسميًا، ما يحرم أصحابها من الاستفادة من المساعدات المتاحة.
من التجارة إلى العمل الإنساني
أما أمل عيسى، صاحبة متجر للبياضات والديكورات المنزلية في الشياح، فتروي تجربة مختلفة فرضتها ظروف الحرب.
افتتحت عيسى متجرها في أيلول من العام الماضي بعدما كانت تدير عملها عبر الإنترنت فقط، لكن اندلاع الحرب غيّر مسار المشروع بالكامل. ففي الأيام الأولى واصلت العمل من المتجر، قبل أن تتحول تدريجًا إلى تأمين الحرامات والوسائد للنازحين الذين توافدوا إلى بيروت هرباً من القصف.
ومع اتساع رقعة الاستهداف ووصول الإنذارات إلى منطقة الشياح، اضطرت إلى إقفال متجرها، ما أدى إلى توقف مصدر دخلها الأساسي في مرحلة كانت لا تزال فيها في بداية تأسيس مشروعها.
مصالح أغلقت وأخرى تصارع للبقاء
تكشف شهادات أصحاب المصالح الصغيرة أن التحدي الأكبر اليوم لا يتمثل فقط في إصلاح الأضرار التي خلفتها الحرب، بل في القدرة على الاستمرار بعد أشهر من الإقفال القسري وفقدان مصادر الدخل. فبالنسبة إلى كثيرين منهم، لا يشكل المتجر مجرد مشروع تجاري، بل هو المورد الوحيد الذي تعتمد عليه أسرهم.
وبينما يواصل عدد من التجار إعادة فتح محالهم تدريجًا، لا يزال آخرون عاجزين عن استئناف أعمالهم بسبب حجم الخسائر أو ضعف الحركة الاقتصادية. وفي ظل تأخر التعويضات وغياب الدعم الكافي، تبدو العودة الاقتصادية الحقيقية مرتبطة بعودة السكان في شكل كامل واستعادة الاستقرار وإطلاق برامج فعالة لمساندة المؤسسات الصغيرة التي تشكل العمود الفقري للاقتصاد المحلي.حتى ذلك الحين، تبقى آلاف المصالح التجارية في الضاحية الجنوبية والجنوب اللبناني عالقة بين خيارين أحلاهما مرّ: الإقفال النهائي أو مواصلة الصمود في ظروف اقتصادية وأمنيّة لا تزال بعيدة عن الاستقرار.