تعميم جابر عن المشاعات يتباين بين " الاصلاحي" و" المخالف للدستور"
تتعرض مشاعات في لبنان لتعديات ممنهجة، منذ الحرب الاهلية حتى اليوم سواء بالاستيلاء عليها لبناء منازل ومتاجر واراض محروثة بتواطوء مخاتير ونافذين في ظل غضّ نظر من المسؤولين المعنيين، ما يؤثر في جغرافية القرى. وجرى التداول بوجود آلالاف المحاضر في هذا الخصوص في الجنوب.وقد أُدرج تعميم وزير المال ياسين جابر في هذا الاطار للحدّ من هذه الظاهرة بطلبه الامتناع عن قيد العقارات غير الممسوحة والمشاعات باسم البلديات مباشرة او الافراد في محاضر التحديد والتحرير، موجبًا قيدها بإسم الدولة. وألزم المخاتير التقيد بمهامهم التعريفية وليس التمليكية، ان تعميمه لا يشمل ملكية الأهالي. لقد إنقسم الرأي حول هذا التعميم بين مؤيد لغرضه في الحدّ من التعدي على مشاعات، ومعارض سواء لتجاوزه الدستور وإتجاه الى الطعن به وفق اصداء إتحاد بلديات البترون بعد اجتماع عقد بشأن هذا التعميم.
وعلى هامش هذا التعميم ان مشاعات منطقة جبل لبنان، الممتدة من زغرتا الى جزين، ممسوحة وغير معنية بهذا التعميم ، بخلاف مشاعات خارج نطاقها.
خليفة
المؤرخ والاكاديمي الدكتور عصام خليفة يصنّف ثلاثة انواع من المشاعات. اولى مشاعات يملكها الاهالي في كل بلدة او مدينة ومسجّلة باسمهم في الدوائر العقارية، وثانية بتَملّك البلدية، وثالثة تعود ملكيتها الى الدولة. ويدافع عن هذه الملكيات الثلاث. ويقول الدكتور خليفة لـ" كافيين دوت برس" ان الدستور يحميها، ولا يمكن لأحد ان يلغي ملكية الاهالي لمشاع بقرار وزير او سواه. ويعتبر انه" لا يحق للدولة ان تتكلم باسم البلديات، ولا يمكنها ان تنوب عنها في ملكيتها لأنها للبلدية التي تتمتع بشخصية معنوية، وهي حصرًا لها، ولاسيما ان النظام القائم ينص على اللامركزية الادارية".
مساحة المشاعات واسعة، وتشكل حيزًا كبيرًا من البلدات والمناطق. ويتناول خليفة "تجربة مشاعية في الجنوب حيث وضعت قوى سياسية يدها على المشاعات ووزعتها على ازلامها، وهذا مناقض للقانون"،معارضًا قرار وزير المال، ونطالبه بان يتراجع عنه، وعلى المعنيين التقدم بمراجعة امام مجلس شورى الدولة".ويقدر البترونيّ "ان مساحة المشاعات في قضاء البترون تشكل ثلثه".
ويرجّح ان وزير المال اصدر هذا التعميم على "خلفية اصلاحية لمعلومات وردته ربما ان مخاتير يوقّعون افادات تسمح لطالبيها بتملك اراض مشاعية لبعض الاشخاص. وليس من الضروري ان يكون هذا هو الواقع"،مبديًا ريبة من ان" يكون الهدف من هذا التعميم ان تتصرف الدولة بهذه المشاعات بموجبه من طريق فرزها لبيعها او وَهبها".
وردًا على سؤال يرى ان هذا التعميم لا يتعلق بالديموغرافيا إنما بالجغرافيا والتغيير السكاني وفق منطق هندسة الشعوب، كأن يحل سكان جدد مكان السكان الاصليين بقصد نزوحهم الى مكان آخر.ويُسقط هذا المنحى على ما يجري في منطقة الشرق الاوسط من تغييرات، بدءا من غزة وما يحصل في الضفة الغربية ، والجنوب، وقبل ذلك خلال الحرب في لبنان من تهجير لبنانيين من جميع الطوائف، وما يحصل ايضًا في سوريا، الى تهجير مسيحيي سهل نينوى في العراق".
طنوس وحق مقاضاة الدولة
من جهته يؤيد القاضي جان طنوس، في كلامه لـ"كافيين دوت برس"، "أنّ التعميم موضوع النقاش، بصرف النظر عن الأسباب التي أملت صدوره، من شأنه أن يشكّل خطوة مفيدة في اتجاه حماية الأملاك العامة البلدية والمحافظة عليها، ولا سيما بعد التجارب التي شهدتها أعمال المسح خلال العقود الأخيرة، وخصوصًا في الجنوب، حيث سُجّلت حالات تعدٍّ على المشاعات البلدية عبر اقتطاع أجزاء منها لمصلحة بعض المالكين المجاورين أو بعض المخاتير أو أعضاء في المجالس البلدية". ويُعزى ذلك، بحسبه، إلى أنّ "أعمال المسح كانت تجري غالبًا بحضور المخاتير وممثلي البلديات والمالكين المجاورين، الأمر الذي كان يسهّل في بعض الحالات التلاعب بالمشاعات أو الاستيلاء على أجزاء منها"، مضيفًا أنّ "تسجيل هذه العقارات بدايةً باسم الجمهورية اللبنانية، قبل نقلها لاحقًا إلى البلديات، يوفّر ضمانة إضافية، لأنّه يفرض حضور ممثل عن إدارة أملاك الدولة في وزارة المالية، وهو طرف لا يدخل بطبيعته في التفاهمات المحلية الضيقة، بما يحدّ من إمكان حصول تجاوزات أثناء أعمال التحديد والتحرير. كما يرى أنّ نصّ القرار بذاته يشكّل ضمانة قانونية لنقل الملكية من الدولة إلى البلديات بعد انتهاء هذه الأعمال، ولا سيما في ظل ما جرى تداوله عن حالات إغتناء بعض المخاتير من خلال تصغير مساحة المشاعات البلدية".
وفي ما يتصل بالضجة التي أُثيرت حول بعض عقارات النبطية، يشير طنوس إلى أنّ محاولة إعطائها بُعدًا طائفيًا، وتصويرها على أنّها استيلاء على أملاك مسيحيين، لا تعكس حقيقة المسألة، إذ إنّها، في جوهرها، لا تعدو كونها كشفًا لعمليات استيلاء قام بها بعض الأشخاص على أملاك تعود إلى مالكين غير موجودين، وليس نزاعًا ذا طابع طائفي كما جرى الترويج له". و"لا يرى في هذا التعميم ما يمكن اعتباره قرارًا "عاطلًا"، لافتًا إلى أنّ معظم أراضي جبل لبنان قد سبق مسحها، وأنّ المنطقة لا تضمّ أصلًا مساحات واسعة لا تزال قيد التحديد والتحرير، كما أنّ العقارات التي سبق مسحها لا يشملها هذا القرار. وبالتالي، فإنّ مفاعيله تنحصر بالمشاعات التي سيجري مسحها بعد تاريخ صدوره، بحيث تُسجّل أولًا باسم الدولة، لتُنقل لاحقًا إلى اسم البلدية".
ويشدد طنوس، في المقابل، على أنّه يقتضي بالنيابة العامة المالية أن تبادر إلى التحقيق في أعمال التحديد والتحرير التي أفضت إلى سلخ أجزاء من مشاعات البلديات وإلحاقها بمصالح الغير، والعمل على استعادة الأملاك التي انتُزعت من نطاق الملك العام البلدي خلافًا للأصول. وهذا المسار بات ضرورة قانونية وإدارية، خصوصًا أنّ التعدي على الأملاك العامة لا تسري عليه مهلة مرور الزمن، ما يُبقي حق الدولة والبلديات قائمًا في الملاحقة والاسترداد مهما طال الزمن".
ويختم مشددًا ايضًا على أنّ أي بلدية ترى نفسها متضررة من هذا القرار، يحقّ لها أن تتقدّم بطلب لإبطاله، كما يحقّ لها، إذا تقاعست الدولة عن نقل الملكية إليها بعد انتهاء أعمال التحديد والتحرير، أن تلجأ إلى القضاء لإلزامها بتنفيذ مضمونه، ونقل العقار من أملاك الدولة الخاصة إلى المشاع البلدي، بما يضمن للبلديات استرداد حقوقها وصون أملاكها العامة".
الهاشم : تعميم جابر يثير مخاوف مشروعة
وتوجّه النقيب الاسبق للمحامين أنطونيو الهاشم بكتاب مفتوح الى وزير المال انتقد فيه التعميم، وفي نصه ان "هذا التعميم ليس تفصيلاً إداريًا ولا جدلاً عابرًا، بل يمسّ نظام الملكية العقارية في لبنان بما هو ضمانة دستورية قانونية واستقرار اجتماعي ، والحدّ الفاصل بين دولة القانون ودولة وضع اليد. إنّ التعميم الصادر عنكم وما استُتبع به من التباسٍ حول عبارة "المشاعات" وآلية قيد العقارات غير الممسوحة، أثار مخاوف مشروعة لأنّه يفتح الباب ، عملياً ، لمنطقٍ شديد الخطورة في المجال العقاري: "قيدٌ أولاً باسم الدولة ثم نقلٌ لاحقاً".
السيد الوزير ، إنّ كلمة "أولاً" في السجل العقاري ليست كلمة عادية. لأن "لاحقاً" قد يتأخر أو يتعثر، بينما القيد إذا وقع صار حجة، وإذا صار حجة صار سلطة، وإذا صار سلطة أمكن أن يتحوّل إلى وسيلة تعطيلٍ أو ضغطٍ أو تحكّمٍ بحقوق البلديات والجماعات والأهالي وبالمحيط الحيوي للقرى. وهذه ليست قراءة سياسية، بل خلاصة قانونية عميقة، القيد العقاري لا يحتمل الغموض ولا التأويل لأنّه خُلق لتثبيت الحق لا لتوليد حقٍّ جديد بالأمر الواقع.
إنّ التشريع العقاري اللبناني لم يترك المسألة دون إحاطة فعلية و إطار صحيح . فالمناطق غير الممسوحة تخضع لآلية إلزامية واضحة هي نظام التحديد والتحرير العقاري بموجب القرار ١٨٦ /١٩٢٦ وهو نظام يقوم على أعمال مسح وتوصيف، ومحاضر رسمية، وإعلان وشفافية، وحق اطلاع، ومهل اعتراض وضمانات، ثم تثبيت النتيجة وفق الأصول، لا وفق قاعدة عامة تُفرض بتعميم. والسجل العقاري نفسه، المنظّم بالقرار رقم ١٩٢٦/١٨٨ ، ليس سجلًا عاديًا بل مرجع الحقيقة القانونية و الواقعية للعقارات، ولا يُبنى إلا على سندٍ صحيح ومسارٍ صحيح، لا على "قيد احتياطي" يُستولد من التباس العبارات.
وفوق ذلك كله، إنّ الملكية حقٌ دستوري صريح. المادة ١٥ من الدستور اللبناني وضعت الملكية في "حمى القانون" وربطت أي نزعٍ لها بالمنفعة العامة وبالشروط التي يحدّدها القانون وبعد تعويض عادل. أي أنّ انتقال الملكية إلى الدولة أو إلى غيرها ، لا يتمّ بتعميم بل بالأصول القانية المحددة و المعددة حصراً ، إمّا ثبوتٌ قانوني ضمن مسار التحديد والتحرير، وإمّا سند ناقل للملكية وفق القواعد العامة، وإمّا، عند المنفعة العامة، الطريق الطبيعي الذي رسمه قانون الاستملاك رقم ١٩٩١/٥٨ .
أما الالتباس الدائر حول "المشاعات" و"الأراضي المهملة" و"المتروكة المرفقة"، فمرجعه القانون لا الاجتهاد الإداري. إن قانون الملكية العقارية (القرار رقم ١٩٣٠/٣٣٣٩) ميّز بدقة بين أنواع العقارات والحقوق، وعرّف "العقارات المتروكة المرفقة" وبيّن طبيعتها وحدود استعمالها، وقرّر أيضاً ، عند تحقق شروطه، اعتبار بعض العقارات الداخلة ضمن نطاق البلدية من الملك الخاص البلدي مع قيود على التصرف. هذا التمييز جوهري، لأنّ الوصف القانوني للعقار ليس مادةً مرنة تُبدَّل بقرار إداري، بل هو قاعدة تُحدّد المالك وحدود الحق والجهة المختصة والضمانات الواجبة.
وقد صدر بالفعل "توضيح" عن المديرية العامة للشؤون العقارية يفيد بأن المقصود بعبارة "المشاعات" هو الأراضي المهملة الواقعة خارج النطاق البلدي. غير أنّ التوضيح، مهما كان ضرورياً، لا يكفي وحده ما لم يُترجم إلى نص ملزم صريح ضمن التعميم ذاته وإلى آلية تنفيذ مكتوبة تُقفل باب التوّسع والتطبيق الانتقائي. فالغموض في نطاق القانون العقاري ليس ثغرة لغوية ، إنّه خطرٌ على الأستقرار القانوني، لأنه يسمح بأن تتحول السلطة التفسيرية إلى سلطة تقريرية، ثم إلى أمر واقع، ثم إلى نزاعاتٍ لا تنتهي. لذلك ، إنّ المطلوب اليوم ليس صياغة مطمئنة، بل قرار قانوني واضح يردّ الإدارة إلى حدودها ويعيد القيد إلى ضوابطه بتعديل التعميم تاريخ ٢٠٢٥/٢/٢٦ بحيث يُحظر جعل "القيد أولاً باسم الدولة" قاعدة عامة أو مرحلة إلزامية، ويُقصر أي قيد باسم الدولة على الحالات التي تثبت قانوناً وبالأصول ضمن مسار القرار ١٩٢٦/١٨٦ وضماناته، و القرار ١٩٢٦/١٨٨ أو بسند ناقل للملكية وفق القانون، أو وفق قانون الاستملاك ١٩٩١/٥٨ حيث تتوافر شروطه. كما يقتضي تضمين التعديل استبعاداً صريحاً لا لبس فيه للمشاعات البلدية أو الأهلية ضمن النطاق البلدي، ولأي حقوق جماعية أو مرفقات لا يجوز العبث بطبيعتها، وإصدار آلية تطبيق إلزامية تميّز بين الأنواع القانونية للعقارات وتكرّس حق الاطلاع والاعتراض وتمنع أي قيد لا يستند إلى سندٍ مشروع ومسار قانوني صحيح .
لبنان يُبنى بسيادة الدستور أولاً، ثم قوانينه العقارية ، لأن الدولة التي تحمي الأرض بالقانون تحمي نفسها، والدولة التي تُربك القيد تُربك الثقة وتفتح باب الهيمنة بدل الشراكة. ومن موقع الحرص على هيبة وزارتكم وصدقية الإدارة، نضع بين أيديكم هذا الكتاب بان أعيدوا التعميم إلى حدود القوانين العقارية في لبنان، وأعيدوا للسجل العقاري وظيفته كسجل عدالة لا كذريعة سلطة".