مشكلة المأجور السكني انتهت عند المالك ولم تنته عند المستأجر

مشكلة المأجور السكني انتهت عند المالك ولم تنته عند المستأجر

بين عامي 2014 و 2015 عالق قانون الايجارات في احتساب مهلة التسع سنوات للبدء برفع البدل التصاعدي. لقد أخذ المالكون نفسًا مع صدور قرارات قضائية لصالح المالك وقضت بإخلاء المأجور السكني بعد قرارات تتناقض في هذا الاحتساب من دون ان تحسمها محكمة التمييز بأحكام نهائية بالإخلاء من عدمه. وفي جهة المستأجرين ثمة إستعداد لتنفيذ اعتصام إعتراضي تعبيرًا عن ظلامة تلاحقهم في غياب صندوق التعويضات وتشكيل اللجان المقررة. وبين الشاقوفين يبدو ان المسرى القضائي دخل في مرحلة جديدة من التعاطي مع دعاوى الاخلاءات السكنية، فيما المستشار القانوني لنقابة المالكين المحامي شربل شرفان يحسمها في كلامه لـ" كافيين دوت برس " بأن قانون الايجارات اصبح نافذًا على السواء من القضاء او من طريق التوافق بين المالك والمستأجر في شأن البدل التصاعدي. ويعتبر  "ان صندوق دعم المستأجرين، الذي يهدف الى دفع الفارق بين بدل المثل والبدل الأساسي عن المستأجر للمالك لا يريده هذا الأخير. فهو (أي المالك) لا يريد  فلسًا من الدولة المأزومة، علمًا أن السواد الأعظم من المستأجرين أيضاً لم يدفعوا طيلة اثني عشر عاماً أي زيادة للمالك، ما يريده تحرير ملكه وإمكانية تأجيره وفق البدل الرائج ". وينوّه شرفان بالقرارات القضائية الاخيرة، التي صدرت وفقًا لأحكام القانون وانتهت لصالح المالك وتحرير الإيجار. ويُخبر ان "كثرًا من المستأجرين يتجاوبون بموجب اتفاق مع المالكين بعيدًا من الدخول في أيّ نزاع قضائي وهذا هو المطلوب، وينظّمون سكنهم بعقود جديدة تبعًا  للقيمة التأجيرية للمأجور، على ان يكون التسديد وفق بدل يكون تصاعديًا بما هو مقبول وعادل للطرفين.وفي المقابل ثمة مستأجرون يستمرون في السكن المجاني بحسب القانون القديم، ولقاء بدل زهيد جداً لا يزيد في أحسن الأحوال عن المليون ليرة سنويًا في منطقة عقارية مصنفة وفاخرة".

في آخر شباط الماضي انتهت مهلة التسعة اعوام التي اصطفاها القانون لتحرير عقد الايجار. يتمسك شرفان بتطبيق قانون الايجارات. ويستوقفه تدحرج المعيشة وغلاء الأسعار حيث " الاسعار تصاعدية في لبنان تأكل الأخضر واليابس. والمالك انسان ايضًا، عليه موجبات ومستحقات من شيخوخة واستشفاء ونفقات المأكل وتأمين الدواء وتعليم أولاده". ويروي عن مالك في عين المريسة، وتُعدّ منطقة عقارية مصنفة، يملك بناء من 17 شقة اضطر لشراء لوحة سيارة عمومية قبل أعوام ليدخل في نظام الضمان الاجتماعي وتأمين بدل الاستشفاء لعجزه عن دفع بدل التأمين الصحي له ولعائلته، فلجأ الى هذه الوسيلة لتأمين ذلك مع العلم بأنّ الضمان لا يشمل كامل الفاتورة الاستشفائية".

وفي غمزه من قناة المستأجر يجاهر  شرفان" لا يمكن الرؤية بعين واحدة. وعند المناداة بحق السكن، الذي هو حق من حقوق الانسان، يقابله حقوق أخرى هي من حقوق الأنسان أيضاً كحق الملكية وحق المالك الانسان بالحياة والعيش اللائق والكريم وتعليم أولاده. الحق ليس انتقائيَّا بمعنى أنه لا يمكن للمرء انتقاء ما يحلو له من الحقوق والمناداة بها، ونسيان الحقوق الأخرى والتغاضي عنها وبالتالي فإنّه يقتضي المناداة بالعدالة للجميع ورؤية الامور بالميزان . لم نتنكر يومًا للحق في السكن كحق دستوري ولكن تأمينه، وفق قرار المجلس الدستوري عام 2014، يقع على عاتق الدولة، التي تقاعست على مدى 70 عامًا عن حق السكن وحمَّلته للمالكين الذين ادوا قسطهم للعلى".

في رأيه ان مشكلة الايجارات القديمة انتهت، معتبرًا ان اقتراح القانون تمديد الإيجارات ،الذي تقدمت به النائبة حليمة قعقور مع زملائها هو اقتراح "شعبوي" ويخالف مبدأ ثبات التشريع والأمان التشريعي، فإنّه يجوز مخالفة سياسة المشرّع التي أقرّت بموجب قانون الإيجارات الجديد الذي قضى بتحرير العقود تدريجيّاً ولمدى 12 عاماً والعودة إلى الوراء إلى زمن القوانين الاستثنائيّة الجائرة والظالمة. ونحن كنقابة مالكين، والتي تضم آلاف المالكين،  لن نقبل بإعادة عقارب الساعة الى الوراء. على الجميع ان يفهموا ان المالك لم يعد مكسر عصا ولم يعد قابلاً لأن توضع حقوقه على الطاولة ويتم هضمها على النحو الذي كان يحصل في السابق. فالمالك حاليًا يجلس على الطاولة ويناقش مع الأطراف كافة عن طريق نقابته برئاسة النقيب باتريك رزق الله الذي يمثّل المالكين في المجلس الاقتصادي والاجتماعي. وفي المحصّلة قال شرفان بأنّ حقوق المالك لن تنتهك  كما انتهكت في السابق ولما يعد "حيط المالك واطي" كما كان في السابق، فهذه الحقوق يرعاها الدستور والقانون. وقصة الايجارات القديمة وصلت الى خواتيمها. ويقول للقاصي والداني ان جنّة الاقامة المجانية في بيوت المالكين ولَّت ووصلت الى خواتيمها. فالمستأجر "على الرأس والعين" ولكن يجلّ أن يدفع بدل خدمة الإيجار وفق البدل الرائج".ويقول بأنّ النقابة ترفض "تجاوزات بعض المالكين الذين يستغلون ظروف الحرب والنزوح بطلب بدلات خيالية. نحن نوّجه المالك، وطلبنا منه التأجير بالبدل الرائج فحسب وليس بأضعاف مثله. لا نرضى بالظلم لأي مستأجر او نازح كما لا نرضى بالظلم علينا"، مؤكدًا ان "المالك ليس عدوًا للمستأجر او خصمه". واستطرد ان البعض يعيب على المالك "أنّه كان يلجأ للسماسرة والوسطاء لتأجير شققه ومحلاته وهذه ليست نقيصة او جريمة وهي حقّ مشروع منظّم بالقانون، انما الخطأ عندما أتى هؤلاء المستأجرون على مدى عقود وبقوا في المسكن كل هذه المدّة وتهالكت بدلات الإيجار ولم تعد تتماشى مع غلاء المعيشة، ولو حزمت الدولة امرها في حينه، وعملت على رفع القيمة التأجيرية من فترة الى اخرى، خصوصًا بعد الحرب وانهيار سعر الصرف غير مرة،  لكان المالك في اكتفاء ذاتيّ، وليس في حاجة الى احد ويقتات من رزقه. أما في مسألة انهيار المباني، فقال شرفان بأنّ المالك لا يمكنه القيام بواجباته في ترميم وصيانة البناء تبعًا لزهادة البدلات فليطبق القانون ولتعيد الدولة التوازن بينه وبين المستأجر وعند ذلك يمكن مساءلته عن واجباته في صيانة المبنى لئلا يتعرض للإنهيا ، كما حصل، ومطالبته بذلك وفقاً لأحكام القوانين التي ترى هذه المسألة ومحاسبته على مخالفتها في حال امتنع عن الترميم والصيانة".

المستأجرون

من جهته تناول المحامي اديب زخور جانب المستأجرين من قرارات المحاكم في شأن الاخلاء السكني. وقال لـ" كافيين دوت برس" ان قضاة الايجارات المنفردين في بيروت وبعضهم من المتن والبقاع يعتمدون على محاكمات سريعة لا تتعدى بضعة اشهر ومن دون مراعاة حق الدفاع كاملاً للاجراءات السريعة، ليصار بعدها الى اصدار قرارات بالاخلاء لعدم وجود قرار عن اللجنة باستفادة المستأجر من الصندوق وإبقائه في المأجور والتمديد له ثلاث سنوات اضافية، ولعدم ابلاغ المالك رغبتهم بالتمديد ثلاث سنوات، وهما شرطان مترابطان ومتزامنان اذا سقط الاول يسقط الثاني لعدم امكانية مراجعة اللجنة واستصدار اي قرار منها لعدم تأليفها وعملها منذ صدور هذا القانون . وهو شرط تعجيزي واصبح غير قابل للتطبيق في المادة 16 فقرة 1، ولعدم وجود الصندوق وتمويله وتأليف اللجان، وعدم اصدارها اي قرار حتى تاريخه، وجميع المحاكم على علم به منذ اعوام طويلة" . اضاف زخور" لقد صدرت مئات القرارات عن محاكم البداية والاستئناف في كل المناطق على تعليق القرارات والاجراءات، استناداً الى المادة 58 والتمديد 12 سنة لغاية العام 2029 ، الا انه تفاجأنا بعد التشكيلات القضائية الاخيرة بصدور قرارات هذه السنة من قضاة جدد، وبالقفز فوق كل تلك القرارات التي ارست استقراراً في الاجتهاد، وطمأنت المجتمع، حيث أخيرًا عمد  القضاة المنفردون في بيروت وغيرهم تبعاً لذلك الى اسقاط حق المستأجرين جماعياً استناداً للشروط التعجيزية ووقف العمل بالقانون مما يهدد عشرات الاف العائلات بحرمانها من مساكنها من دون اي خطأ منها"، داعيًا الى "معالجة هذه الثغرة والخطأ، بعد ثبات التمديد بداية واستئنافاً لسنة 2029، ما سبّب بالتظاهرات التي سنشهدها.وتاليًا إن الشرط الوارد في المادة 16 فقرة 1 ومنها استحالة وجود اللجنة وصدور قرار عنها بالاستفادة من الصندوق، يسقط مع باقي الشروط لاستحالة التطبيق بعكس ما يذهب اليه بعض القضاة كونها شروط لا تتجزأ ومتراكمة، وعلى المحاكم أن تطرح أيضاً قيد المناقشة الحقين الواردين في المادة 1و2 من المادة 16 وليس اختزالها بالفقرة 1 والمطالبة بإجراءات مستحيلة التطبيق توصلاً لإخلاءات جماعية وبإجراءات سريعة وبأحكام مسبقة تصدر خلال اشهر معدودة مما القى الخوف بقلوب عشرات آلاف العائلات، وبشرط ساقط قانونيًا وواقعيًا وهو الاستحصال على قرار من اللجنة التي لم تبصر النور، وهم على علم بعدم تأليف هيئاتها واستحالة عملها مع الصندوق ورغم استقرار الاحكام لأعوام سابقة، وكذلك استقرار الاجتهاد على التمديد لسنة 2029 من دون شروط وابتدائه من العام 2017 وليس 2014، حيث ايضاً تتناقض الاحكام البدائية لهذه الناحية رغم استقرار الاجتهاد وتوضيحه طوال اعوام، اضافة الى تعليق المادة 16، وغيرها استناداً الى المادة 58. وقد صدرت تبعًا لها وطوال سنوات طويلة الاحكام البدائية والاستئنافية المبرمة استناداً اليها ولصراحة النصوص" . واستغرب  زخور " إعادة مخالفتها وكأن هذه القرارات غير موجودة، بخاصة ان الصندوق يدخل في اساس تطبيق المادة 16 و27 وجرى معالجتها بداية واستئنافاً بطريقة نهائية ومبرمة، والعدالة هي استمرارية، ولا يمكن اختزال مواد قانون الايجارات والقفز فوقها وفوق الاستقرار في الاجتهاد وتطبيقها بجزئيتها لحرمان المستأجر من حقين بدأت المادة 16 بفقرتيها ايضاً بتسميتها بالاسم" يحق للمستأجر" وطالبت المحاكم بالحرص على تطبيقها، وكل الشروط اللاحقة يجب ضمان هذين الحقين.، ولا يمكن للمجتمع تحمّل اي أخطاء خصوصًا في هذه الظروف الاستثنائية من الحرب والتهجير والدمار والانهيار الاقتصادي على جميع المستويات، اذ ان المواطن قد يعيش من دون لقمة الخبز احيانًا بعد نهب امواله، ولكن لن يستطيع العيش بعد ذلك من دون سقف يأويه. نحن نتكلم عن نحو ربع الشعب اللبناني أو أقل بحسب التقديرات الاولية".

 

اقرأ المزيد من كتابات كلوديت سركيس