رزق زغيب: عون وأي مُكلّف من الحكومة يعود لهما حصرًا التفاوض مع "العدو"
على وقع الهدنة بين لبنان وإسرائيل لوقف الحرب، والتي إهتزّت غير مرة بعد إعلانها، لا يزال هاجس عودة الحرب قائمًا لعدم إنتفاء عناصرها، في موازاة الاعلان عن بدء مفاوضات بهدف التوصل الى اتفاقية سلام طبيعتها مجهولة المعالم وصعبة وشاقة رغم محاولة فصل الملف اللبناني عن المفاوضات الايرانية الأميركية والذي يبدو قيد التنازع بينهما. لقد بدأ لبنان الدولة شقّ الطريق نحو المفاوضات برعاية اميركية ودولية وسط تهديدات بعودة الحرب فوق الرؤوس غير المستبعدة بين دولتي طوق جغرافيًا في ان تتأرجح بين مفاوضات تحت النار توطئة لتوفير الأجواء والحسابات السياسية وبين عقد جولاتها لأن البديل سيكون اشد وطأة وخطرًا على الكيان.
عشية اللقاء اللبناني الاسرائيلي في اميركا وغداته سرت انتقادات على خلفية سياسية، وعلت هذه الانتقادات بعد كلمة رئيس الجمهورية جوزف عون، الذي سبق ان طالب بفتح باب التفاوض مع اسرائيل لوقف الحرب الجهنمية وذهب ضحيتها زهاء الفي ضحية وآلاف الجرحى وتدمير ممنهج للقرى، او في مسألة الإتصال بينه وبين رئيس الحكومة الأسرائيلية بنيامين نتنياهو، وذلك من طريق إثارة مضمون القوانين اللبنانية المرعية والتي تعتبر إسرائيل عدوة وتحظّر التعامل معها.فهل تنطبق هذه القوانين على رئيس الجمهورية او اي مسؤول وشخص مُكلّف من الحكومة التواصل؟
يعود "قانون مقاطعة اسرائيل الى عام 1955 اثر قرار صدر عن جامعة الدول العربية طلب من البلدان المنضوية اليها بعد توقيعه منها، وضع اجراءات تشريعية لمقاطعة إسرائيل .واُنشئ مكتب لهذه المقاطعة إتخذ مقرًا له في جامعة الدول العربية. وعندما وقّعت مصر معاهدة السلام مع اسرائيل نُقل هذا المكتب الى دمشق. وتمنع نصوص هذا القانون أي تعامل تجاري واقتصادي واجتماعي وانساني بين الافراد والشركات الاسرائيلية، ويسري على أي متعاطي في هذا الخصوص مع أي إسرائيلي أكان رسميًا او مدنيًّا.كما يمنع على المسؤولين إجراء أي اتصال اثناء المؤتمرات مع نظرائهم الاسرائيليين الموجودين في القاعة".
هذا ما اوضحه الاستاذ في القانون الدولي والدستوري البروفسور رزق زغيب لـ" كافيين دوت برس" . ويضيف"لكن الامر يختلف على صعيد منع الإتصال مع العدو عندما تكلّف الدولة اللبنانية شخصًا بمهام القيام بإلإتصال مع اسرائيل بأمر معين. فهذه الناحية غير مشمولة بقانون مقاطعة اسرائيل. وجرت مثل هذه الاتصالات بين الطرفين حتى قبل صدور قانون المقاطعة. ففي عام 1944 فاوض وفد لبناني وفدًا يهوديًا في إجتماعات مباشرة في رأس الناقورة، وتوصلا الى وضع اتفاقية مشتركة برعاية الامم المتحدة، وقّع عليها الضابطان المقدمان توفيق سالم وجوزف حرب في حضور الوسيط الدولي رالف بانش. ثم كانت اتفاقية 17 ايار خلال ولاية رئيس الجمهورية الاسبق أمين الجميل.ولم تُوّقع. وهي كانت نتاج تفاوض مباشر بين الجانبين في فندق خلده في الغالب". ويؤكد "لا شيء يمنع ابدًا من الاتصال بالعدو عند وجود حاجة تفاوضية معه وارسال وفد لعقد اجتماعات مباشرة في حضور وسيط دولي او اممي، الذي لا يزال في القانون اللبناني عدوًا ولا نعترف به كدولة، ولكن لا يوجد أي تأثير للقاء المباشر مع العدو، وغير المشمول بقانون مقاطعة اسرائيل، عندما يجري تكليف مسؤول او شخص من دولته، فكيف بالحري لرئيس الجمهورية الممثل الوطني الاول للبنان والدولة.فلبنان يمكنه التفاوض مع المعتبر عدوًا في أي موضوع، وليس في حالة التفاوض لإنهاء الحرب فحسب. كأن يندلع حريق على الحدود يطال البلدين، يجري تكليف وزير الزراعة من السلطة التنفيذية، التي تنعقد في حضور الممثل الاول للدولة رئيس الجمهورية، وفق الدستور، في التفاوض المباشر، للقيام بمهمة التنسيق في موضع الحريق، وفي حضور ممثل عن قوات الطوارئ الدولية التابعة للأمم المتحدة إن اضطر الامر لذلك.
وهل ينطبق الامر على رئيس مجلس النواب في مهمة التفاوض المباشر؟. يقول زغيب نعم . ان هذا الامر ينطبق على كل من تُكّلفه السلطة الإجرائية أي الحكومة بهذا الامر. ولها ان تُكلّفه بالتفاوض. هو او رئيس الحكومة او سواهما ".
حصلت تعليقات ومآخذ إثر تكليف سفيرة لبنان في أميركا في شأن اللقاء الذي عقد في واشنطن، وشكّل إطارًا لبدء التفاوض مع إسرائيل؟. يَرد " السفيرة اللبنانية قامت بذلك بناء على قرار السلطة التنفيذية، التي حددت شكل التفاوض ومكانه وموضوعه وسقفه".
ثلاثة إحتمالات، في رأي زغيب، يمكن ان تنتج عن المفاوضات اللبنانية الاسرائيلية المزمعة،"معاهدة سلام مع اسرائيل او معاهدة إنهاء حالة الحرب او اتفاقية هدنة. وتوقيع المعاهدة يحتاج الى موافقة مجلس النواب بعد الحكومة لإبرامها من رئيس الجمهورية. وإن توصلا الى اتفاقية هدنة فهي تحتاج الى موافقة الحكومة وتوقيع رئيس الجمهورية كإتفاق الترسيم البحري الذي تولاه رئيس مجلس النواب نبيه بري، واتفاق 27 تشرين الثاني 2024 لوقف حرب الإسناد، او تفاهمات نيسان عام 1996.تتدرج طبيعة الاتفاقية التي يقتضي توقيعها من مجلس النواب، من موضوع الهدنة كإلإتفاقية الموقعة عام 1949 او تعديلها، او معاهدة إنهاء الحرب كإتفاق 17 أيار، وكذلك معاهدة السلام . ويمكن للإتفاقية الأخيرة ان تتضمن تطبيعًا، وتلحظ إجراء تبادل ثقافي وتجاري واقتصادي واجتماعي، وتعزيز السياحة بين الدولتين".
تتفاوت النظرة الى كلمة "التطبيع" بين فئات المجتمع اللبناني. ويذكر في السياق كيف ان التطبيع الاسرائيلي قائم في مصر على الورق منذ عام 1979،كحال الدول العربية في الغالب، في حين ان الشعب المصري يقاطعه، ولا يزال في حده الادنى لعدم مقبوليته له بحكم القضية الفلسطينية والنظرة العنصرية الاسرائيلية".
وعن طبيعة اتفاقية السلام مع اسرائيل ومضمونها،"يمكن ان تقف عند حدود السلام فحسب وعدم لحظها التطبيع، فتبقى في اطار إنهاء حالة الحرب وإعتراف متبادل بين الدولتين بأنها اصبحت طبيعية وتبادل الأسفار .لكن هذا النوع من المعاهدات يلحظ تبادلًا ثقافيًا واجتماعيّا واقتصاديًا".
ويعتبر زغيب "اننا لا نزال في الشرق الاوسط القديم رغم كل ما يُحكى عن شرق اوسط جديد"،رغم ما حصل في المنطقة من تغيير للنظام السوري، وحرب ايران- اسرائيل، وبين الاخيرة وحزب الله في لبنان والعراق. ولا يرى ان شرق اوسط جديدًا قد تجسدت صورته واقعيًا، "وحتى ان اتفاق سلام بين لبنان وإسرائيل ليس بالامر السهل لأنه يحتاج الى مستلزمات توافق عام غير واضح في لبنان". ويميّز بين الإختلاف في طبيعة الاتفاقات والبُعد الجغرافي في دول عربية ودولتي الطوق مصر والاردن من جهة، وبين دولتي الطوق لبنان وسوريا من جهة أخرى، "اللتين عاشتا حروبًا مع إسرائيل المجاورة، حيث ملفات خلاف عالقة مع لبنان منها المياه، التعويضات عن الاضرار من تفجيرات مطار بيروت عام 1962، واللاجئين الفلسطينيين، والتعويضات عن البقعة النفطية عام 2006 وعدم تنفيذ قرار الامم المتحدة في صددها، تثبيت الحدود البرية وغير ذلك المرسمة". وجميع هذه المسائل ستتطرق اليها اتفاقية السلام مع اسرائيل، فيما سوريا تبحث راهنًا عن اتفاق أمني معها".
من الطبيعي ان تلحظ هذه الاتفاقية المزمعة مصير قانوني مقاطعة اسرائيل والإتصال والتعامل معها، فهي "عادة لا يذكرا بالإسم في مضمونها، انما تنص على إعادة النظر في التشريعات التي تخلق حالة عداء بين الدولتين".
مسألة السلام مع اسرائيل اثيرت بوضوح في القرار الصادر عن الامم المتحدة رقم 1701 بعد حرب عام 2006 بلحظه حلًا مستدامًا بين الدولتين وصولًا الى السلام متى استجمع شروطه". وفي المقابل، وبحسب زغيب، " يمنع القانون الدولي اللجوء الى القوة المسلّحة بين الدول لأنها تخرقه، فيما يشجع على الحلّ السلميّ للنزاعات بين الدول، حيث السلام بموجبه منشود بين كل الدول واقله ألا يكون نزاع مسلح بينها ، وهذا واجب قانوني".