لبنان يطارد "أرباح صيرفة": عدالة ضريبية أم ملاحقة مواطنين؟
في مسار متعرّج يجمع بين الإلزام القانوني والمرونة المعلنة، تستمر وزارة المالية اللبنانية في ملاحقة تحصيل الضريبة الاستثنائية على أرباح عمليات منصة "صيرفة". بيان توضيحي جديد صادر عن الوزارة يسلّط الضوء على التطورات القانونية والإجرائية، بما فيها تعديلات المجلس الدستوري وتكرار تمديد المهلة، في محاولة لإزالة اللبس وتشجيع المكلّفين على الامتثال الطوعي. ومع اقتراب الموعد النهائي الجديد في 15 كانون الثاني 2026، تطفو على السطح تساؤلات قديمة-حديثة حول عدالة هذا الإجراء، ومدى قدرته على التمييز بين المضاربة الربحية والضرورة المعيشية، ومكانته الحقيقية في خريطة الإصلاح الضريبي المطلوب.
أوضحت وزارة المالية في بيانها أن المادة 93 من قانون الموازنة العامة للعام 2024 تنصّ على إخضاع الأرباح التي حققها الأشخاص الطبيعيون والمعنويون من عمليات "صيرفة" التي تجاوزت 15,000 دولار أمريكي خلال الأعوام 2021-2023، لضريبة استثنائية إضافية بنسبة 17في المئة.
وأشارت إلى تعديل جوهري طرأ، اذ أبطل المجلس الدستوري جزءاً من المادة يتعلق بكون هذه الضريبة "من الأعباء القابلة للتنزيل" بالنسبة الى بعض المكلفين.
ولتنظيم عملية التطبيق، أصدرت الوزارة سلسلة من القرارات. فقد حدد القرار رقم 647/1 تاريخ 4/6/2024 مهلة شهرين للتصريح وتسديد الضريبة، قبل أن يتم تمديدها أولاً حتى 30/09/2024، ثم حتى 31/05/2025 بموجب قانون تعليق المهل. مؤخراً، وبعد إصدار إعلامي تذكيري (رقم 4957/ص1)، حُددت المهلة النهائية للتصريح بـ 15 كانون الثاني 2026.
من جهته، أوضح مصدر في وزارة المالية لـ"كافيين دوت برس" أن الوزارة ستكون مرنة لأنها لم تصدر هذه الإجراءات بل تنفذّ القانون، مؤكدًا أن المبادرة تأتي من الذين قاموا بالعمليات للتصريح طوعًا
وأشار المصدر إلى أن الوزارة أصدرت التوضيحات اللازمة في شأن أسعار الصرف وطلبت المعلومات من مصرف لبنان، وأنها لا تملك توّقعات مسبقة للأرباح بل تنتظر التصريح وخاصة من العمليات الكبيرة.
وشدد المصدر على أن هدف القانون هو معالجة الخلل الناتج عن تحقيق أرباح دون سبب أو مبرر أو إنتاج، وهو ما يطال كل الشركات الكبيرة وحتى المصارف.
ورفض الربط بين الإجراء و"إرضاء الخارج"، قائلًا إن الشفافية وتعزيز النظام المالي يستوجب عدة إجراءات ولا تقتصر على صيرفة بل على التحكم بالحركة النقدية. اختتم بالقول "الضريبة تكون دائمًا للخزينة وإذا كان من تذكّر لدى البعض فإن المراجعة تكون للقانون الصادر وليس للإجراءات التنفيذية".
إشكالية التمييز بين الربحية والضرورة
في المقابل، يطرح المحامي بيتر إلياس عجرم إشكالية جوهرية حول عدالة التطبيق. وفي حديث لـ"كافيين دوت برس"، أقر بأنه "من المنطقي إخضاع الأرباح المضاربية للضريبة"، لكنه حذّر من أن "تطبيق النص في شكل جامد على جميع المواطنين الذين لجأوا إلى صيرفة لأسباب معيشية، كالتحويلات أو تغطية النفقات الضرورية، يُعدّ تجريدًا للقانون من روحه، ويمسّ بمبدأ العدالة الضريبي".
ويرى المحامي عجرم أن الخطر يكمن في أن "الإدارة الضريبية إن لم تُميّز بين المستفيد الربحي والمضطر المعيشيّ، فإنها قد تُدخل فئات واسعة من اللبنانيين في دائرة الملاحقة من دون وجه حق". ولتجنب هذا الظلم، يدعو إلى تفسير وتطبيق مرنين وعادلين، مع ضرورة تحديد معايير واضحة تميّز بين النيّة الربحيّة وبين الضرورة المعيشيّة، محذراً من أن الضريبة قد تفقد مشروعيّتها الأخلاقيّة والاجتماعيّة في حال الإخفاق في ذلك.
ويوّسع عجرم نطاق الحل المقترح، مطالباً الإدارة الضريبية بأخذ معايير موضوعية بالاعتبار عند المراجعة، مثل: عدد العمليات، حجمها، طبيعة المستخدم، والغرض من العملية.
ويؤكد أن "العدالة الضريبية لا تقوم على المساواة في الشكل، بل على التقدير الواقعيّ لكل حالة على حدة"، معرباً عن قلقه من أن يتحمّل "المواطن العادي عبء الضريبة، بينما يفلت من كان يستفيد فعليًّا من المضاربة".
إجراء استثنائي أم إصلاح ضريبي؟
في المقابل يضع خبير المخاطر المصرفية محمد فحيلي في حديث لـ"كافيين دوت برس"، هذا الجهد الحكومي في إطاره الواقعي، موضحاً أنه "إجراء مرة واحدة على عمليات حصلت من سنوات، ومحصورة بعملية واحدة وهي الاستفادة من فرق سعر الصرف".
ويشدد فحيلي على أن هذا لم يدخل في الإصلاح الضريبي أبدًا، بل هو مجرد وسيلة تهدف إلى جمع إيرادات استثنائية، ولمرة واحدة فقط.
ويرسم الخبير الاقتصادي ملامح الإصلاح الضريبيّ الحقيقيّ الذي يتطلع إليه، والذي يجب أن يشمل في استراتيجيته "إلغاء الإعفاءات الضريبيّة الكبيرة، وفرض ضرائب على استغلال الأملاك العامة، وتعديل نسبة الضريبة على القيمة المضافة، وإلزام المؤسسات بدفع الرواتب عبر الحسابات المصرفية".
ويخلص إلى أن ما يجري حالياً هو مجرد تحصيل إيراد إضافي، يتحمل كلفة تحصيله بشكل أساسي مصرف لبنان والمصارف التجارية، بينما تنحصر مهمة وزارة الماليّة في استلام الضريبة وتحديد المكلفين بها.
تسير ضريبة "صيرفة" في مسار زمنيّ معقّد، بين تمديد للمهل وتوضيحات متلاحقة، في محاولة من السلطة لتحصيل إيراد رأت فيه معالجة لخلل تاريخيّ. ومع ذلك، فإن نجاح هذا الإجراء، لا يقاس فقط بحجم الأموال التي ستدخل الخزينة، بل بمدى عدالة تطبيقه وقدرته على التمييز بين من استغلّ الفجوة النظامية للربح، ومن اضطر إليها للبقاء على قيد الحياة في ظل الانهيار الاقتصادي. التحدي الأكبر الذي يواجه وزارة المالية ليس فقط في إجبار المكلفين على التصريح، بل في إقناع الرأي العام بأن هذا الإجراء الاستثنائي يخدم العدالة، وأنه سيكون مقدمة حقيقية لإصلاح ضريبي عادل وشامل، وليس مجرد فصل موقت في كتاب الأزمة الطويلة.