قراءة ميدانية هادئة لحرب صاخبة

قراءة ميدانية هادئة لحرب صاخبة

خريطة الحدود والخط الاصفر كما وزعها الجيش الاسرائيلي

منذ اندلاع الحرب المستجدة في الثاني من شهر آذار الفائت، ومع تدحرج معاركها وتحركاتها وتطوراتها، كثر الحديث عنها،  وتعددت الآراء حول مجرياتها وطبيعتها. في هذا المقال محاولة لاستبيان بعض الوقائع الميدانية التي اختبرناها على الأرض.  

في البداية يطرح السؤال، هل احتفظ حزب الله بسلاحه جنوبي نهر الليطاني بعد اتفاق تشرين الثاني ٢٠٢٤ ؟ 

هناك أمر بارز لا بد من الإشارة إليه، وهو أنه عندما بدأت حرب إسناد غزة في تشرين الاول ٢٠٢٣، قصف حزب الله المواقع الإسرائيلية المنتشرة على الحدود مع لبنان عشرات المرات بقذائف صاروخية ومدفعية  قصيرة ومتوسطة المدى. وكان منها قذائف صاروخية ضخمة شديدة التفجر تعرف "بالبركان"، وراجمات من صواريخ الغراد، وصواريخ الكورنيت، إضافة إلى القذائف المدفعية. وكانت تطلق بأعداد كبيرة، فبعض راجمات الغراد كانت تصل أعداد قذائفها إلى الثلاثين صاروخًا. ليس هذا فقط، إنما كانت لديها فرص لتحقيق إصابات في المواقع ومحيطها، وشكّلت خطرًا على التجمعات الإسرائيلية العسكرية وعلى المستوطنات.

أما في الحرب الحالية فقد غاب استعمال صواريخ البركان، كما تقلصت أعداد صواريخ الغراد كثيرًا، حتى تلاشت تقريبًا في الأيام الأخيرة، وقياسًا عليها القذائف المدفعية. وبقي استعمال صواريخ الكورنيت السهلة التحرك بها، وكذلك المسيّرات المتفجرة.

أمر آخر جدير بالملاحظة، وهو أنه في الأيام الأولى لنشوب الحرب الحالية، استقدم حزب الله إلى المنطقة الحدودية أعدادًا من المركبات المدنيّة تحمل عناصر وأسلحة وذخائر. وجرى هذا أمام أعين سكان القرى، وفي بعض الحالات حاول عناصر الجيش اللبناني مصادرة هذه المعدات.

ان ما ذكرناه يشير إلى أن حزب الله كان يفتقر إلى كميات الأسلحة والذخائر في المنطقة، مع احتمال احتفاظه ببعضها الخفيف في الأبنية أو في أقبية تحت الأرض. وقد اعتمد بشكل أساسي على نقل الأسلحة فور نشوب المعارك، وكان عناصره يطلقونها من أماكن مكشوفة ويتوارون عن الأنظار سريعًا خشية اكتشافهم للمسيّرات التي لم تفارق سماء الجنوب. وهذا ما يفسّر أيضا عدم تحقيق إصابات دقيقة في المواقع داخل الحدود الإسرائيلية وفي تجمعاته، وذلك لفقدان القدرة على التحكّم في الرمي.

غير أن حزب الله كانت لديه قدرة تهديد هجوميّة في محيط  القطاع الشرقي من المنطقة الحدودية، حيث يضيق عرض المسافة بين الحدود ومجرى الليطاني إلى حوالي ٥ كلم. وهذا ما يفسّر عنف الضربات الإسرائيلية في قرى قضاء النبطية، وفي شمالها في إقليم التفاح ، وخاصة أن تلك منطقة جبلية ومحصّنة.

تقدم برّي بطيء ومدمر .

أخذ الجيش الإسرائيلي في توغله في الأراضي اللبنانية عدة اعتبارات، وفي طليعتها تقليص خسائره البشريّة إلى الحد الأدنى، واستعمال آلته المدمرة بطاقتها القصوى، ورسم حدود توغله بما يتناسب مع قدرته اللوجيستية للحفاظ على هذا الشريط مستقبلًا دون اضطراره إلى دفع خسائر، وبما يتناسب أيضا مع إبعاد " العين " عن مستوطناته الشمالية.

وقد اعتمد الإسرائيليّ في ذلك سياسة النفس الطويل، فهو بميزان القوى الذي يميل لصالحه بشكل كبير، كان باستطاعته إنجاز ما قام به بخمسة وأربعين يوما، بأيام قليلة. غير أنه تجنّب اعتماد الإجتياحات التقليدية بالدفع بآلياته وجنوده بدفعات كبيرة ومباشرة كي يحدّ من خسائره البشرية، وأبدل ذلك باعتماد سياسة الأرض المحروقة والمدمّرة بشكل كامل،  كي يحرم عناصر حزب الله من أي تحصينات ومخابئ، وكي يلحق بهم خسائر فادحة، وأيضا لبثّ حرب نفسيّة ضدهم من خلال نشر رعب التدمير وأصوات القذائف المدوية، وإتلاف أعصابهم وهم في مخابئهم في الأنفاق، وإنهاكهم من تعب الإنتظار. وفي حربه التدميريّة هذه استعمل كثافة نارية متواصلة من مرابض مدفعبته ودباباته وطائراته، وبعد ذلك كان يتقدم بجرافاته الثقيلة لهدم المباني التي لا تزال قائمة والتي يعتبرها خطرًا عليه.

ومن الملاحظ أن الإسرائيلي كان يتحرك على الأرض بسلوك طرقات غير متوقعة، وهذا يمكّنه من تأمين عنصر المفاجأة من جهة، ومن جهة ثانية يصعّب على عناصر حزب الله إمكانيّة رصده وتعريضه لنيرانهم. فالجيش الإسرائيلي تجنب سلوك الطرقات المعبدة المعروفة قدر الإمكان، فعلى سبيل المثال، فهو قد وصل إلى بلدة البباضة ذات الموقع الإستراتيجي، من طرقات برية وعرة من الناقورة وعلما الشعب، بدل أن يسلك الطريق المعبّدة من بلدة يارين الى الجبين فطيرحرفا، ثم شمع فالبياضة. وفي حصاره لمدينة بنت جبيل احتلّ تلال عيناتا بحركة مفاجئة أيضًا قبل أن يتوغل في المدينة. وتحركت الدبابات حول بلدة رميش دون أن تسلك طرقاتها، ولم يتمكن أهالي البلدة من رؤيتها، فهم كانوا يلمحون غبارها على الطرقات الترابية، أو يسمعون أصوات تحركاتها.

شريط حدودي : إحياء لشريط ماقبل الألفين بظروف مختلفة

خلال خمسة وأربعين يومًا، عملت اسرائيل على إقامة المنطقة العازلة بعمق ٨ إلى ١٠ كلم، على طول الحدود الجنوبية وتضم ٥٥ بلدة لبنانية، وأطلقت عليها تسمية المنطقة الصفراء. ولها من إقامة هذه المنطقة ثلاثة أهداف : إبعاد أي خطر لاجتياح الجليل، وإبعاد خطر الصواريخ المباشرة عن مستوطنات الشمال، كما إبعاد مراقبة التحركات في هذه المستوطنات وفي غيرها من المنشآت المدنية والعسكرية.

يظل هناك خطر استهداف هذه المستوطنات وغيرها بصواريخ بعيدة المدى، غير أن الفارق هنا هو أن اعتراضات القبة الحديدية لهذه الصواريخ البعيدة، هو أسهل وأنجع من اعتراضها للصواريخ القريبة. كما أن إبعاد مراقبة الشمال يحدّ من فعالية هذه الصواريخ.

غير أن هناك تحدّ تواجهه إسرائيل في إقامة هذا الشريط، وكانت قد تعرضت له في شريط ما قبل الألفين، وهو التعرض لهجمات حزب الله من المنطقة المحاذية له. وهي هجمات على أنواع مختلفة، من إطلاق الصواريخ المضادة للدروع، إلى نصب الكمائن، إلى زرع الألغام ، فإلى اطلاق المسيّرات المفخخة التي لم تكن موجودة سابقًا.

أمام هذا الواقع ، فإن القوات الإسرائيلية عمدت إلى عدة إجراءات. فهي أخلت المنطقة من سكانها وتمنعهم من العودة إلى قراهم، ثم تعمد إلى تدمير كافة بيوتها منعًا لاختباء مسلحين بها، وتراقب كل التحركات بواسطة مسيّراتها، وراداراتها المنصوبة على دباباتها التي تعتبر الأكثر تطورًا تقنيًّا، وبواسطة التقنيّات المتطورة في الذكاء الإصطناعي والتجسس .

وهي عمدت إلى استحداث مواقع يسهل الوصول إليها، والتعامل معها لوجستيًّا، تجنبًا قدر الإمكان لأماكن جغرافية يسهل لعناصر حزب الله الإختباء والإنطلاق منها في عمليّات ضد قواته. وهذا ما يفسّر مثلًا عدم تقدم القوات الإسرائيلية إلى بيت ياحون وبرعشيت وياطر وغيرها من المواقع التي كانت متواجدة فيها قبل العام ٢٠٠٠ .

وعلى الرغم من الإحتياطات الإحترازيّة التي تقوم بها القوات الإسرائيلية، فقد تعرضت لخسائر نتيجة الهجمات بالصواريخ المضادة للآليات والمسيرات المفخخة والألغام . خاصة بعد أن اضطرت إلى الثبات في مواقع محددة بعد احتلالها المنطقة، مما أتاح لحزب الله استثمار قدراته ضدها، فغالبية الذين قتلوا من الإسرائيليين والذين بلغ عددهم حتى الآن ١٥ عنصرًا، وغالبية الذين جرحوا وقد زادوا عن ٦٠٠ جندي منهم حوالي ٤٠ أصيبوا بجروح بالغة، قد أصيبوا بالصواريخ والمسيرات والألغام.

هذا الأمر يجعل الإسرائيليين أكثر تشددًا وعنفًا، فهم يتمادون في التدمير وفرض رقابة مشددة على كل تحرك في المنطقة العازلة وإن كان مدنيًّا. وسيزيد الأمر تشددًا بعد حادثتي تفجير عبوتين في اليومين الأخيرين، في  الجبين التي تبعد ٣ كلم فقط عن الحدود، وفي كفركلا التي تبعد أيضا  أمتارا قليلة عن الحدود،  مما أدى إلى مقتل جنديين وجرح ما يزيد عن ١٢ آخرين.

وإن التشدّد هذا لن يقتصر على الشريط الأصفر، بل يتعداه إلى مختلف القرى المحاذية له بحجة تحصّن مقاتلي حزب الله بها. ولهذا من المتعذر عودة النازحين من أهلها إليها. ولهذا أيضًا من المتوقع أن تعزل قرى رميش ودبل وعين ابل بشكل كامل نظرًا لموقعها الجغرافي في أقصى الزاوية الحدودية الجنوبية، وهي منقطعة تماما عن أي نوع من المواصلات منذ ٢٨ من شهر آذار الفائت.   

وفي كل حال، لا أحد يستطيع التوّقع متى وكيف ينتهي هذا الوضع المستجد، مع قناعة بأنه سيطول في كل الأحوال.

اقرأ المزيد من كتابات بيار حبيب