من الشريط الحدودي الى المنطقة الصفراء( 2\2)
أراد يهودا باراك الذي ينتمي إلى حزب العمل المعتدل، أن يجنّب الجيش الإسرائيلي مزيدًا من الخسائر البشرية، وبعد أن أدرك أن الغالبية الشيعية الساحقة، حتى في الشريط الحدوديّ، أصبحت موالية لحزب الله أو لحركة أمل، وبعدما كان على قناعة بأن حزب الله قادر على تأمين الإستقرار الأمنيّ على طول الحدود لأن في ذلك، حسب ظنه، مصلحة للسكان الشيعة في المنطقة، ولأن حزب الله كان يعلن دائما أن مبررات مقاومته المسلّحة هي تواجد الإحتلال في الأرض اللبنانية. لذا، تولّدت عند باراك ومؤيديه قناعة أن الحدود اللبنانية الإسرائيلية يمكن أن تشهد استقرارًا على غرار الحدود مع جميع الدول العربية المتاخمة لإسرائيل، من مصر إلى الأردن فسوريا.
وبالفعل، شهدت الحدود بعد العام ٢٠٠٠ استقرارًا أمنيّا قلّما شهدته منذ ستينات القرن الماضي، خرقته حرب تموز ٢٠٠٦، إثر مهاجمة حزب الله دورية إسرائيلية قرب بلدة عيتا الشعب، مما أدى إلى مقتل ثلاثة وأسر عنصرين من أفراد الدورية، بهدف مبادلتهم بأسرى لبنانيين في السجون الإسرائيلية، وعلى رأسهم سمير القنطار. وقد دامت هذه الحرب ٣٣ يوما انتهت باتفاق على أساس القرار الصادر عن مجلس الأمن ١٧٠١.
وبالرغم من شدّة حرب تموز وخسائرها الفادحة، إلا أنها كانت مرحلية ومؤقتة، والجميع اعتبر نفسه رابحًا لها. فالإسرائيلي ربح القرار الدولي الذي يمنع الوحود المسلّح حتى خط الليطاني، وربح اعتراف الامين العام لحزب الله السيد حسن نصرالله أنه لم يكن ليقدم على قتل وأسر الجنود الإسرائيليين لو كان يعلم نتائجها. وهذا اعتراف علنيّ على اختلال توازن القوى بين الفريقين . أما حزب الله فاعتبر نفسه منتصرًا بمجرد صموده أمام الآلة العسكرية الإسرائيلية، وتصديه لها في معارك متميّزة مثل وادي الحجير وبنت جبيل. وفي كل الأحوال، فإن اسرائيل عدلت عن التفكير بمنطقة عازلة جديدة، وعادت إلى قناعتها أن الوضع الحدودي سيستقرّ من جديد، ولهذا مصلحة للجميع. وفي الحقيقة استتبت الأوضاع في شكل كامل طيلة ١٧ عاما متواصلًا، شهدت خلاله القرى الجنوبية فورة عمرانية، وازدهارًا اقتصاديًّا، ونموًا سكانيًّا هو الأول من نوعه في تاريخها، حتى ليصحّ القول أن القرى تحولت إلى مدن.
غير أن اعتبارات حزب الله، المستمدة من عقيدة دينية صلبة، والمستندة إلى الراعية والمرشدة إيران، هذه الإعتبارات تجاوزت النهضة العمرانية والإزدهار الإقتصادي السريعين اللذين عرفتهما قرى جبل عامل. فما إن اندلعت حرب غزة، حتى سارع حزب الله إلى تحريك الجبهة اللبنانية المساندة. فلحقت به وبلبنان عامة خسائر فادحة، خاصة مع بلوغ العمليّات العسكرية ذروتها في أيلول ٢٠٢٤، وما أعقبها من اغتيالات للقادة وغزو للأراضي اللبنانية المحاذية، بما يشبه الشريط العازل، حتى تم الإتفاق على وقف إطلاق النار في ٢٧ تشرين الثاني من العام نفسه.وانسحبت اسرائيل إلا من نقاط خمس. ثم راوحت الأمور مكانها دون تقدم إيجابي. فحزب الله اعتبر أن الإتفاق لا ينصّ على تسليم سلاحه إلا جنوب الليطاني، واسرائيل استمرت بعمليّاتها، وخاصة الإغتيال ، على اعتبار أن الإتفاق (أو ملحق له)، يتيح لها استمرار عملية المراقبة والتعامل مع كل ما يهدد أمنها.
وجاء التفجر الأكبر مع دخول حزب الله حرب إسناد إيران في ٢ آذار الفائت، فكان أن عادت اسرائيل الى غزو جنوبي لبنان وإقامة حزام أمني، أطلقت عليه تسمية المنطقة الصفراء.
وما يميّز هذا الحزام الجديد، هو التعامل الإسرائيليّ معه بقسوة بالغة، من خلال التدمير الممنهج للأبنية والمنشآت الذي طال جميع البلدات المحاذية للحدود، والتي تعتبر حاضنة لحزب الله. ومن خلال تهجير جميع سكانها إلى أجل غير معروف. هكذا أعادت اسرائيل رسم شريط جديد يختلف عن شريط ما قبل الألفين في عدة نواح. في ظروف إنشائهما، فإنشاء الشريط القديم، تلاقت فيه تأثيرات الحرب الداخلية اللبنانية مع الرغبة الإسرائيلية. ولهذا كان يشرف على المنطقة، جيش لبنان الجنوبي إضافة إلى الجيش الإسرائيلي. أما حاليًّا، فلا مشاركة من أية جهة لبنانية، ولا استعداد أو قبول بهذه المشاركة. وقرى الشريط القديم كانت عامرة، يقطنها نسبة كبيرة من أهلها، وتدير شؤونها إدارة مدنية مختلطة بين اسرائيلية ولبنانية. أما المنطقة الصفراء الحالية فهي منطقة قاحلة مدمّرة لا نوع من الحياة فيها. والشريط الحدودي كان أكثر اتساعًا ويضمّ منطقة جزين، أما في إنشاء المنطقة الصفراء، فإن الإسرائيليّ أخذ في حساباته اعتبارات لوجستية وأمنية فقط استخلصها من تجاربه السابقة. فقد سعى إلى الحدّ من انتشار قواته في الداخل اللبناني، فسيطر على مواقع يسهل عليه فيها تأمين قواته من هجمات حزب الله، وفي الوقت نفسه تؤمن حماية شماله.فهو قد تراجع مثلا عن مواقع ياطر وبيت ياحون وبرعشيت وغيرها. كما أنه لم يدخل قواته إلى مرجعيون والقليعة ومنطقتي حاصبيا والعرقوب، على اعتبار أنها مناطق غير حاضنة لحزب الله.
غير أن المشكلة لا تكمن فقط في المنطقة الصفراء التي تضم حوالي ٥٠ بلدة، بل في المنطقة الظلّ لها في أقضية صور وبنت جبيل ومرجعيون وحاصبيا والنبطية، إذ إن مدنها وقراها أصبحت ساحة مستباحة أمام مدفعية الجيش الإسرائيلي وطائراته، مما نتج وينتج عنه دمارًا واسعًا ونزوحًا شاملًا لسكانها. ويمتد هذا الظل إلى الأقضية الأبعد في صيدا والزهراني وجزين والبقاع الغربي .
والسؤال الذي يطرح نفسه هنا، لم عمدت اسرائيل إلى سياسة التدمير الممنهج لبلدات المنطقة الصفراء؟ لا شك أن لديها أهدافًا في اتجاهات مختلفة، عسكرية إذ هي تريد أن تحرم عناصر حزب الله من أي ملاذ لهم في حال لا يزالون في مواقعهم، أو في حال نجاحهم في التسلل إلى داخل هذه القرى لشنّ عمليات على القوات المحتلة، خاصة في حال مكوثها لفترة طويلة داخل هذه المنطقة. وأيضا لسدّ فتحات الأنفاق والملاجئ المنشأة تحت المنازل.
وعقابية وهي عرقلة عودة الأهالي إلى قراهم أطول فترة ممكنة، في حال تمّ التوصل إلى أي اتفاق جديد يسمح لهم بالعودة. وهذه احتمالية قائمة، إذ على الرغم من الأصوات المتطرفة، فإن أصواتًا إسرائيلية أخرى تعلن عدم نية إسرائيل في البقاء بالأراضي اللبنانية، كما صرح أكثر من مرة وزير خارجيتها جدعون ساعر.
ولكن يبقى الأهم، وهو إلحاق أكبر أذى بالأهالي و بالسلطة اللبنانية على السواء لكي، وفي المستقبل، يمتنعوا عن تأييد أية قوى مسلحة تناوئها على حدودها.
إلى متى؟
وهذا التساؤل يؤرق الجنوبيين الذين" أيديهم في النار"، وهم يتذكّرون أن شريط ما قبل الألفين عاش ٢٤ عاما. وهم يسمعون تصريحات بعض المسؤولين الإسرائيليين، ومنهم أخيرا وزير المالية، يطالبون فيها بالبقاء الدائم. وكانوا سمعوا أيضا مشاريع لمنطقتهم، كاقتراح الرئيس الأميركي دونالد ترامب الإقتصادي والذي حمل اسمه.
في كل الأحوال تبقى السلطة الحاكمة في لبنان هي الملاذ والأمل، من خلال تحركاتها واتصالاتها وضغوطها الدبلوماسية، ومن خلال إقرار إيران بواقع جديد. واعتراف حزب الله بهذا الواقع، وتسليم سلاحه الى الدولة اللبنانية، لمساعدتها على دفع اسرائيل الى الإنسحاب من خلال مفاوضات تضع ترتيبات دائمة للعلاقة الحدودية.
المنطقة الصفراء جرح عميق في جسد الوطن، وطعنة موجعة للجنوبيين. إن نجاح التئام هذا الجرح يكون سريعا كلما عولج باكرا، وإلا فإنه سيشكل ندبًا عميقا في خارطة الوطن.