من الشريط الحدودي الى المنطقة الصفراء( 2\1)

من الشريط الحدودي الى المنطقة الصفراء( 2\1)

تعيد المنطقة الصفراء التي فرضتها إسرائيل داخل الأراضي اللبنانية، الذاكرة إلى الشريط الحدودي الذي كانت قد أقامته ما بين عامي ١٩٨٥ و ٢٠٠٠. 

ولا شك أن القاسم المشترك بينهما، هو غاية الدولة العبرية في حماية مستوطناتها الشمالية، من خلال إبعاد "عين" حزب الله أو أي قوة مسلحة عنها في شكل مباشر. لئلا تشكّل تهديدًا أمنيّا لها، إن من خلال تهديدها بالإجتياح، أو التحكم باستهدافها بالنيران. والحالة الأولى، وهي التهديد بالإجتياح، كانت قائمة بالفعل، وقريبة من التحقيق مع اندلاع حرب غزة، واجتياح عناصر حماس لمستوطنات غلاف غزة في تشرين من العام ٢٠٢٣. وقد غذّى هذه الإحتمالية تحدث قادة حزب الله عنها، وتهديدهم الدائم بشنّها.

من المنظور الإستراتيجي فإن اي نجاح لعملية اجتياح، وإن كانت موقتة، تعتبر تهديدًا وجوديًّا لإسرائيل، لأنها تحطّم مقولة أن الجيش الإسرائيلي لا يُقهر، وتعطي تجربة ميدانيّة واقعيّة في الإمكان البناء عليها في المستقبل. وكان يكفي اسرائيل الصدمة العنيفة التي تعرضت لها في غلاف غزة. ومن المنظور الأضيق، فإن لشمال اسرائيل ومستوطناتها أهمية اقتصادية بالغة، خاصة من الناحية الصناعية، حيث تحوي على صناعات حديثة ومتنوعة.

بناء على ما تقدم، تتوضح مزاعم اسرائيل في إقامة حزام أمنيّ يحمي شمالها، خاصة بعد فشل المساعي الديبلوماسبة المتلاحقة لتحقيق هذه الغاية حسب النظرة الإسرائيلية إليها. وهكذا، في فترتين تاريخيتين، أقامت اسرائيل حزامًا أمنيًّا، الأول ما بين عامي ١٩٨٥ و ٢٠٠٠، وإن كانت جذوره تعود إلى عام ١٩٧٦،وعُرف بالشريط الحدودي. والثاني في العام الحالي، وإن كانت جذوره تعود إلى العام ٢٠٢٤، وعرف بالمنطقة الصفراء.

غير أن ظروفًا مختلفة رافقت قيام هذين الحزامين. فقيام الشريط الحدودي ترافق مع الحرب الداخلية اللبنانية التي اندلعت عام ١٩٧٥. وكان لهذه  الحرب، إضافة إلى الرغبة الإسرائيلية، آثار في قيام الشريط. فمن نتائج الحرب الداخلية، أن انقسمت الأراضي اللبنانية إلى كيانات مختلفة، وإحدى هذه الكيانات، كانت المنطقة الحدودية التي تضم أقليّة مسيحيّة، واجهت خطر العمل الفلسطيني واليساري المسلّح. وضاقت بها السبل، فاتجهت إلى التعامل مع الإسرائيلي، خشية تفلّت الأوضاع الطائفية وخطر التنقل في لبنان من جهة، وبموافقة  وتنسيق مع القوى المسيحيّة الأساسيّة في بيروت الشرقية من جهة ثانية. فكان أن أعلن الرائد سعد حداد تأسيس جيش لبنان الحرّ  عام ١٩٧٦، ودولة لبنان الحرّ عام ١٩٧٩. وهكذا وجدت نواة الشريط الحدودي، الذي كرّسته اسرائيل عام ١٩٨٥ بعد انسحاباتها من العمق اللبناني بعد اجتياحها الذي وصل عام ١٩٨٢ الى بيروت. والشريط الحدودي الذي انتهى مع التحرير عام ٢٠٠٠، كان كيانًا مدنًّيا قائمًا. فجميع بلداته كانت عامرة، ويقطنها سكانها وإن بنسب أقلّ. وكان تحت سلطة جيش لبنان الجنوبي ( الذي كان قبل ١٩٨٠ جيش لبنان الحرّ )، الذي كان تحت إشراف وتواجد الجيش الإسرائيلي، وكان الجيش الجنوبيّ يضم عناصر من مختلف الطوائف. وكانت تتولى الشؤون المدنيّة إدارة عرفت باسم الإدارة المدنيّة، وتهتم بكافة الأمور الحياتية، من صحة ومياه وطرقات ونواد رياضية. كما كان الجيش الجنوبي يفرض رسومًا جمركيّة على البضائع التي تدخل المنطقة، وعلى المركبات، وقد أقام لبعض الوقت مراكز معاينة ميكانيكيّة. وكانت للمركبات لوحات لها أرقام خاصة بالمنطقة.

ومما لا شك فيه أن الإسرائيليّ، سعى في إعطائه صلاحيات وامتيازات إلى أبناء الشريط إلى استمالتهم، ففتح لهم أبواب العمل في مصانعه ومزارعه ومرافقه الخدماتية. وكان العاملون في الداخل ينالون أجورًا مقبولة بالدولار، في حين أن الوضع الإقتصادي في لبنان كان سيئًا بعد أن بدأت الليرة اللبنانية تفقد قيمتها منذ مطلع الثمانينات.

غير أن النهج الإسرائيلي هذا، لم يستطع أن يرسّخ قناعة عند الجنوبيين وخاصة الشيعة منهم، بعد أن برزت احزابهم، حركة أمل، ثم حزب الله الذي رسّخ سيطرته في البيئة الشيعية من خلال أمرين أساسيين، الأول  نشر القناعة العقائدية الدينية التي تعتبر الأقوى والأفعل، والتي استمدت جوهرها من ولاية الفقيه في إيران. والأمر الثاني إبراز قوته الماليّة والخدماتية التي أرضت جمهوره، من خلال التمويل الإيرانيّ السنويّ الكبير، ومن مداخيل أخرى، ومنها استفادته من مؤسسات الدولة على كافة الصعد، وخاصة بعد أن ازدادت هيمنته على القرار الرسمي، وبعد اعتراف الحكومات المتعاقبة بشرعية مقاومته.

وهكذا انطلقت مقاومة حزب الله في العام ١٩٨٣، وتعمّقت عام ١٩٨٥، واستطاعت تنحية مقاومة الأحزاب اليسارية الضعيفة، والفلسطينية التي اندلعت اشتباكات عنيفة بينها وبين حركة أمل. واكتسب حزب الله قوة إضافية بمساندة النظام السوريّ له المتحالف مع إيران.

وفي هذا العام ١٩٨٥، أعلنت اسرائيل قيام الشريط الحدودي بعمق يتراوح بين ١٠ إلى ١٥ كلم، إضافة الى منطقة جزين،  بعدما كانت قد أقامت شبيهًا له بعد عملية الليطاني عام 1978. اندلعت بين حزب الله من جهة، والجيش الإسرائيلي وجيش لبنان الجنوبي من جهة ثانية، حرب استنزاف، استعمل فيها حزب الله الكمائن والألغام والهجمات المباشرة على الآليات والمواقع العسكرية المتقدمة. ونتيجة لحرب الإستنزاف هذه، انقسم الرأي داخل إسرائيل بين مؤيد للإحتفاظ بالشريط، وبين معارض له. وقد تزعم هذه المعارضة إيهودا باراك، الذي خاض انتخابات ١٩٩٩ ضد  رئيس الوزراء الحالي بنيامين نتانياهو، واعدًا بالإنسحاب منه في فترة سنة واحدة في حال فوزه بالإنتخابات.  وقد التزم بوعده فسحب جيشه في أيار عام ٢٠٠٠، منهيًا الشريط الحدودي. بعد أن كان الجيش الإسرائيلي قد مهّد لذلك بانسحابه من منطقة جزين قبل عام واحد.

اقرأ المزيد من كتابات بيار حبيب