الوضع المعيشي في القرى الحدودية المحاصرة : قدرة تتلاشى

الوضع المعيشي في القرى الحدودية المحاصرة : قدرة تتلاشى

بسام غناطيوس تاجر خضار وخلفه الرفوف فارغة

يضيق الخناق المعيشي يومًا بعد يوم في القرى الحدودية التي صمد أهلها في منازلهم. هذا الوضع ليس ناتجًا عن نقص في مواد غذائية أساسية، وإن فرغت رفوف المحال التجارية منها، بل هو نتاج فقدان المداخيل من أعمال كثيرة توقفت كليًّا، ومن تآكل المدخرات السابقة التي هي جنى سنوات من العمل المتواصل. وجاء ارتفاع الأسعار بنسب مرتفعة جدًا، وصل في هذه القرى في بعض الحالات إلى الضعف، ليشلّ قدرة كثير من العائلات على تأمين ما تحتاجه.

سلع تختفي عن الرفوف 

 

منذ اندلاع القتال في أوائل الشهر الفائت ، توقفت الحركة من القرى الحدودية وإليها ، إلا من مواكب منظمة. ولكن هذه المواكب توقفت تماما منذ ٢٨ الشهر الماضي، ولم تصل إلا شاحنات قليلة تحمل مساعدات من بعض الجمعيّات. وحاليًا تنتظر أعداد من الشاحنات الإذن بالدخول إلى المنطقة، ويعتبر وصولها آنيّا مهمًا جدًا، اذ وصل مخزون بعض المواد فيها إلى شفير الإنتهاء، بينما تكفي مواد أخرى لمدة شهر تقريبا من الآن. علمًا أن جميع أنواع الفواكه والخضروات قد نفذت تمامًا منذ ما يزيد على الأسبوعين، كذلك مادتي البنزين والمازوت. 

ومما زاد الوضع سوءًا، أن قرانا التي هي قرى زراعية، لم يحن فيها بعد إنتاج الخضراوات والفواكه، التي لا يحين إنتاجها قبل حوالي خمسين يوما من الآن. ناهيك عن أن هذه المزروعات تواجه حاليًّا عراقيل مهمة، منها عدم توفر الشتول بسبب انقطاع الطرقات، وعدم قدرة السكان على استثمار ما يزيد على ٦٠ إلى ٧٠ بالمئة من أراضيهم الزراعية لضرورات أمنية.

خسارة تكاليف زراعية باهظة 

 

وكأن الأهالي لم يكفهم العيش في توتر الحرب وقلق المعيشة، بل تكبّدوا خسائر طائلة في مزروعاتهم. وهي خسائر مباشرة، إذ أعدّوا مئات الدونمات لزراعة التبغ، فحرثوها مرات عدة، ونثروا فيها السماد المرتفع الثمن. إلا أنهم لم يستطيعوا زراعتها بسبب الأوضاع الأمنية لوقوعها خارج الإطار السكني. كذلك تلقّوا خسائر في الأراضي التي استطاعوا زراعتها، فبسبب التقلب المناخي الإستثنائي هذه السنة، اضطروا إلى قلبها وزرعها من جديد، مما ضاعف من تكاليف الحراثة واليد العاملة، وكذلك اضطروا إلى رشّ المبيدات بسبب ظهور أمراض فطرية مبكرة على شتول التبغ .

هذا دون ذكر الخسائر الكبيرة في باقي المزروعات في الأشجار المثمرة  التي أتلفت منذ حرب تشرين الأول٢٠٢٣ .

المشكلة في القدرة الشرائية 

 

غير أن المشكلة عند أهالي القرى الحدودية الصامدين، ليست فقط في تأمين بعض المواد الغذائية والأدوية والمحروقات، بل في القدرة الشرائية الضعيفة. فأساسًا، إن غالبية سكان هذه القرى هم من أصحاب المداخيل المحدودة، الذين يعتمدون على الوظائف الرسمية، وقليلًا على الوظائف الخاصة، وعلى الإنتاج الزراعي، والمهن الحرّة التي ترتبط بأكثريتها على قطاع البناء . كما نشطت في السنوات الأخيرة قطاعات خدماتية سياحية كالمنتجعات والفنادق والمطاعم.

ومع اندلاع الحرب في تشرين الأول ٢٠٢٣، التي جاءت بعد الأزمة الماليّة، وجائحة كورونا، فقد العديد من الأشخاص أعمالهم. فالقطاع الزراعي في حالة انهيار تام، وقطاع البناء أصيب بشلل كليّ، وتبعته جميع المهن التي كان ينشطّها. والوظائف الخاصة تقلصت إلى الحدود الدنيا، ومنها موظفو اليونيفيل والمصارف والمدارس الخاصة. كما أن الخدمات السياحية توقف عملها وأقفلت أبوابها.

ومع تمدد الأزمات المتلاحقة منذ العام ٢٠١٩، بدأت مدخرات العائلات بالتراجع، حتى تلاشت اليوم، خاصة مع الإرتفاع الجنوني بالأسعار، إن كان للمواد الغذائية أو المحروقات أو الخدمات الطبية. وأكثر العائلات المتضررة هي التي لديها أطفال، أو الكبار في السنّ الذين ليس لديهم أي نوع من المدخول الثابت. وكثيرًا ما نسمع اليوم بعض أرباب العائلات يقولون : وما حاجتنا إلى الخضار والفواكه، أو إلى البنزين والمازوت ، أو إلى أية سلعة؟ سيّان حضرت أم لم تحضر، فليس بمقدورنا أن نحصل عليها بعد.

وضع المدارس الخاصة المأزوم 

 

وأمام مواجهة التحديات المعيشية، يقف كثير من الأهالي عاجزين عن دفع ما يترتب عليهم من أقساط مدرسية. مع العلم أن أقساط المدارس الخاصة في المنطقة الحدودية، هي أقساط معتدلة وتعتبر من الأدنى في لبنان . وهكذا تجد إدارات المدارس نفسها في وضع ماديّ حرج ، وخاصة في التزاماتها تجاه معلميها ومستخدميها. وفي مراحل سابقة حسمت جزءًا من رواتبهم ، ولم تفهم كافة حقوقهم. والخشية أن تتمدد الأزمة، فيؤثر هذا الوضع على حوالي ٢٠٠ معلم ومستخدم في مدارس رميش وعين ابل ودبل وحدها. وهذا يعني فقدان ٢٠٠ عائلة لمداخيلها ، مما يرتب أوضاعا اجتماعية مزرية  .

لا شك أن هذه المدارس كانت تتلقى دعمًا من مؤسسات عدة، وبغالبيتها على شكل دعم لأقساط التلاميذ. فالمطلوب اليوم زيادة دعم هذه الأقساط لرفع عبء عن الأهالي وعن إدارات المدارس وعن المعلمين. وينظر الأهالي بأمل إلى المؤسسات الكنسية، وإلى مشاريع كانت قد طرحت سابقا، كإجراء توأمة بين مدارس المنطقة ومدارس كاثوليكية كبيرة في بيروت وجبل لبنان.

 

اقرأ المزيد من كتابات بيار حبيب