مسلّمات القرى الحدودية في غياب السلطة

مسلّمات القرى الحدودية في غياب السلطة

أمام منظر انسحاب الجيش اللبناني من قرى الحدود الأمامية، رميش وعين ابل ودبل، وقف أهالي هذه القرى منكسري الخواطر، وهم يشعرون بأن أهم رمز وطني ينسلخ عنهم، على الرغم من قناعتهم الداخلية أن هذا الإنسحاب له مبرراته اللوجستيّة والعمليّة لدى القيادة. 

مشاعر الأهالي هذه، مردّها إلى إحساسهم بفقدان الأمان وإدراكهم أنهم قد وضعوا في موقف حرج لا يُحسدون عليه. فهم قد أصبحوا ضمن أرض محتلّة، وعليهم أن يتعاملوا مع هذا الواقع الجديد، آخذين في الإعتبار حسابات كثيرة ودقيقة تُسجّل عليهم بحقّ، وفي أغلب الأحيان بغير حقّ. خاصة أن لهؤلاء الأهالي تجارب ماضية مريرة، وفي أصولها السابقة رواسب الحروب الداخليّة اللبنانيّة، وقد تحمّلوا وزرها نتيجة موقعهم الجغرافي الحسّاس. 

ونتيجة لهذه التجارب السابقة، تولّدت عندهم قناعة راسخة برفض كل ما هو خارج إطار الدولة ــــــــ السلطة المنبثقة عن الإنتخابات، حتى ولو كانت هذه القوى التي هي خارج إطار الدولة مسيحية. إذ اعتبروا أن ملاذهم الوحيد، وضمان وجودهم واستقرارهم هي السلطة الحاكمة وما يتبعها من مؤسسات رسمية وخاصة القوى الأمنيّة. 

من هنا، توحّد أهالي هذه القرى، من مختلف انتماءاتهم السياسية، في رفض التواجد المسلح لحزب الله داخل قراهم والقيام بعمليات عسكرية من داخلها مع بدء حرب إسناد غزة. لإدراكهم أن هذا الأمر سيؤدي إلى زعزعة وضعهم، وإلحاق الدمار بمنازلهم ومنشآتهم، وإلى إجبارهم على مغادرتها. 

وبناء على ما تقدم، فإن البعض يُفسّر خطأ أو عن سوء نية موقف الأهالي هذا من السلاح، على أنه موّجه ضد طائفة بكاملها محيطة بها. وهذا ذروة الجهل بالواقع، أو تجاهل له، وإلغاء لتاريخ طويل من العيش الواحد (وليس التعايش المكره عليه).وما يرد هنا ليس تبريرا أو تزيينا كلاميّا، بل توصيفًا للحقيقة. فمدن بنت جبيل وصور والنبطية، أصبحت سوقًا لهذه القرى، ومستشفاها ومدارسها وجامعاتها ومطاعمها ومنتزهاتها وملاعبها ونواديها، حتى كاد أن يتلاشى النمط الموروث من الحرب الداخلية، والتي كان يفرض أن يكون امتداد هذه القرى "المنطقة الشرقية" فقط. 

ولم يقتصر الأمر هنا، بل تعداه إلى علاقات اجتماعية قائمة على الإحترام والتعاون والتقدير. وإلى مساحة من العلاقات السياسية، وخير دليل على ذلك هو احتفاظ الأحزاب الشيعية لها موقعًا مقدّرًا في صناديق الإنتخابات النيابية في هذه القرى، وكان يمكن لهذه العلاقات السياسبة أن تتطور مستقبلًا لولا وقوع الحروب المتلاحقة، خاصة مع بروز بعض الوجوه المثقفة والمتفهمة والمتقبلة لوجهات النظر الأخرى. وبالفعل فإن مثل هذه الحوارات البناءة كانت قد سلكت طريقها في هذه المجتمعات، ويذكر منها مع النائب أشرف بيضون. 

وهكذا، من المنطق والواقعيّة الفصل بين مستويين من المفاهيم: القناعات السياسية والوطنية، والعلاقات المجتمعية المبنيّة على العيش الواحد. 

وأبناء هذه القرى مارسوا العيش الواحد ليس ظاهرًا فحسب، بل في تربية اعتبرت الإنسان اللبناني فقط كإنسان دون النظر في مذهبه أو انتمائه. ويظهر ذلك في تفاصيل يبدو ظاهرها بسيطًا، لكنها تحمل دلالات عميقة. كأن يتم انتخاب ابن عيترون الشيعي أو ابن عيناتا مسؤولًا عن صفه الذي يضم جميع تلاميذه من رميش وفي مدرسة الراهبات في رميش. وكأن ترى الفتية من قرى الجوار يقضون أسعد أوقاتهم مع رفاقهم في ساحات رميش وعين ابل وفي منازلهم. وكان الأمر متبادلًا بالطبع. 

وعلى كل حال، صمد أهالي هذه القرى. غير أنهم في وضع دقيق ويسعون إلى إفهام الجميع الظروف التي تحيط بهم وتحاصرهم. فهم في خضم حرب دموية ومدمّرة لم يعرف لبنان كقسوتها سابقا، ويحاولون إقامة الإتزان المطلوب للحفاظ على أنفسهم وقراهم، خاصة في غياب قسريّ للسلطة التي ينشدوها، والتي تبخل ( أو في غير مقدورها)، أن ترسم لهم طريقًا واضحًا وصريحًا ومعلنًا كي يسلكوها في ظل الإحتلال، أو تأخذ هي على عاتقها هذه المهمة، وتريح مواطنيها الحدوديين من هذا العبء ــــــ الهمّ. 

ومما لا شك فيه، ظهور بعض التشنجات أو التوترات أو التناقضات التي تظهر من حين إلى آخر في بعض التصريحات من بعض أبناء هذه القرى، وهذا أمر ناجم عن ظروفهم الإستثنائية مع غياب لمسؤولية من يمثل السلطة، ومع تعرضهم لضغوط من هنا أو هناك، غير أن لديهم مسلّمات لا يحيدون عنها وهي التشبث بأرضهم وأرزاقهم، وتعاضدهم وتماسكهم وولائهم المطلق لوطنهم لبنان. 

وبعد هذا كله، هل يُدرك موقف انكسار الخواطر عند أهالي بلدات رميش وعين ابل ودبل وهم يقفون مودعين أفراد الجيش اللبناني ينسحبون بآلياتهم من قراهم؟. 

 

اقرأ المزيد من كتابات بيار حبيب