بعد سبعة وثلاثين يوما من اندلاع الحرب في جنوبي لبنان، كيف يبدو الوضع المعيشيّ في القرى الحدودية، التي أصرّ أهلها على عدم مغادرتها؟ علما أنه منذ بداية هذه الحرب، عاشت هذه القرى في عزلة شبه تامة، وظلّ متنفسها من خلال تنظيم قوافل، سمحت بتنقل عدد من السكان، وبتأمين الحاجات الضرورية من غذاء وأدوية ومحروقات. غير أن هذا الشريان قُطع تماما في 28 من الشهر الفائت، مع إعادة الجيش اللبناني تموضعه وانسحابه من هذه القرى. وقد فشلت، إلى الآن، محاولات عديدة لإعادة إحيائه إلى قرى قضاء بنت جبيل التي تشمل، رميش ودبل وعين إبل.
وضع المياه
من أصعب ما تواجهه بلدات رميش وعين ابل ودبل هو توقف الآبار الإرتوازية التي تغذيها عن العمل، بسبب موقعها في خراج البلدات، فيصعب الوصول إليها لتشغيلها بسبب الأوضاع الأمنية.
نائب رئيس بلدية رميش موسى شوفاني قال لـ "كافيين دوت برس" ان "في رميش بئرين ارتوازيين رئيسيين، واحد منهما معطّل منذ ما قبل اندلاع المعارك، ولم يتسن لنا إصلاحه. والآخر لا يمكننا الوصول إليه لوقوعه في خراج البلدة، ولا نعرف إذا كان قد تضرر من جراء القصف الذي طاول محيطه، ونحن نرجّح ذلك. علمًا أن هذا البئر يتغذى من الطاقة الشمسية إضافة إلى المازوت. وقياسًا عليه الآبار في دبل وعين ابل.
والذي ساعد الأهالي على توفير المياه إلى الآن، هو أن نسبة عالية من المنازل تتوفر لها آبار خاصة تجمع فيها مياه الأمطار. كذلك يوجد بئر ارتوازي خاص لا يزال يعمل، غير أنه لا يكفي حاجة المقيمين لفترة طويلة، إضافة إلى التكلفة المرتفعة لاستخراج المياه منه والنقل بالصهاريج.
وضع الكهرباء أخف وطأة من وضع المياه، على الرغم من انقطاع كهرباء الدولة في شكل كامل منذ الأيام الأولى للحرب. والذي ساعد على ذلك هو انتشار انتاج الكهرباءالتي تعتمد على الطاقة الشمسية في شكل كبير. و اوضح أحد الإختصاصيين العاملين في هذا المجال المهندس موسى بادين لـ" كافيين دوت برس" أن نسبة المنازل التي تتغذى من الطاقة الشمسية ترتفع في رميش إلى حوالي ٧٠ في المئة، وفي دبل وعين ابل إلى حوالي النصف. كما أوضح أن المشاغل الموجودة في رميش تستطيع أن تزيد هذه النسبة وأن تؤمن الصيانة اللازمة لها. أما المنازل الباقية فهي تعتمد على الإشتراكات من مولدات خاصة.
وعن وضع هذه المولدات ، ذكر لموقعنا أحد أصحابها إيلي خليل، أنه من المقدر أن تستمر هذه المولدات بالعمل حتى نهاية هذا الشهر، وأنه إذا لم يتمّ تأمين مادة المازوت، فهي ستتوقف عندها عن العمل. وأضاف إيلي خليل أن المشكلة ليست فقط في تأمين مادة المازوت، بل في تأمين الصيانة وقطع الغيار للمولدات إذا طرأ عليها عطل ما.
تعاني بلدة دبل أكثر من غيرها بسبب موقعها والوضع الأمني المتفجر حولها. وقد لحقت بها خسائر بشرية إذ سقط جورج سعيد وابنه إيلي برصاص الجيش الإسرائيلي ، ودمّر ١١ منزلا ومزرعة تدميرًا كاملًا . كما خسرت مزارع دواجن وماعز تقع في خراجها. وقد أقفل الطريق _ الشريان الذي كان يصلها ببلدة رميش. وكان أهالي دبل على موعد أمس الثلاثاء ، مع زيارة للسفير البابوي المونسينيور باولو بورجيا، برفقة رئيس كاريتاس الأب سمير غاوي ، وهما ينقلان ثلاث شاحنات محملة بالمواد الغذائية الضرورية لأبناء البلدة . إلا أنه، وعلى مسافة بضعة كيلومترات منها، أجبرت على التوقف بسبب القصف الذي أحاط بها، وأدى إلى جرح جندي من الكتيبة الفرنسية المرافقة لها، ثم اضطرت إلى العودة إلى بيروت.
أحد الصامدين في دبل لوقا لوقا، رفع الصوت عبر موقعنا، كاشفًا أن الوضع في القرية ينحدر نحو الأسوأ والمجهول. فالمواد الغذائية والمياه والمازوت لا تكفي لأكثر من ثلاثة أيام ، وهناك مرضى في حاجة ماسة إلى الأدوية . " كنا نأمل بوصول المساعدة مع السفير البابوي ، ولكن للأسف تمّ إرجاعها إلى بيروت ، وقد خلق ذلك حالة من التوتر والإرباك لدى الأهالي. نطلب من كل المرجعيات العمل على فك الحصار عنّا".
وبلدة دبل التي يقطنها حوالي ١٧٠٠ شخصا ، تفتقر إلى المخازن التجارية الكبيرة ، ولا صيدلية واحدة فيها . كذلك تفتقر إلى وجود أطباء ومستوصف، إذ كانت تعتمد في ذلك على بلدة رميش المجاورة.