اتهامات غلاء التأمين بين الشركات والمستشفيات والمواطن يدفع الثمن
في وطن يعاني من انهيار اقتصادي غير مسبوق، اذ تتهاوى القدرة الشرائية وتتبخر مدخرات الأجيال، تطفو على السطح أزمةٌ تبدو كسلسلة من الحلقات المفقودة: أزمة غلاء أقساط التأمين. ليست مجرد أرقام ترتفع على فواتير التأمين الطبي وتأمين السيارات، بل هي قصة معقدة تشبه لعبة "الكراسي الموسيقية" في السوق اللبناني، حيث يبحث كل طرف عن كرسي النجاة بينما تُسحب الكراسي واحدة تلو الأخرى تحت وطأة الأزمة. المواطن الذي كان يعتبر التأمين شريان حياة في زمن المخاطر، يجد نفسه اليوم أمام مفارقة قاسية: إما التخلي عن هذه الحماية الحيوية، أو تحمل أعباء مالية تفوق قدرته على الاحتمال.
الرقابة في مواجهة العاصف

لكن حداد لا يتجاهل تعقيد المشهد "التحدي ناتج عن تداخل عدة عوامل"، مشيرا إلى ضغوط حقيقية على الشركات من ارتفاع كلفة الاستشفاء وإعادة التأمين، مقابل ممارسات خاطئة من بعض المؤمن لهم ومقدمي الخدمات. ويعترف بأن الرقابة في الفروع الإلزامية، كتأمين السيارات الإلزامي، تكون أكثر دقة بسبب تأثيرها المباشر على الطبقات الاجتماعية والقدرة الشرائية.
اللافت في حديث حداد هو تأكيده التعاون مع نقابة وسطاء التأمين كـ"حلقة وصل أساسية"، معلناً عن تحضير مدونة سلوكيّات خاصة بوسطاء الضمان بالتعاون مع النقابة، هذه الخطوة تبدو محاولة لتحويل الوسطاء من مجرد قنوات بيع إلى شركاء في الثقافة الرقابية.
الوسطاء: رسل الأخبار السيئة في زمن الغلاء

لكن الأنسي يكشف عن إشكالية جوهرية "الزيادات تُبلَّغ إلينا في شكل مفاجئ ومن دون أي نقاش مسبق". هذه المفاجأة تضع الوسيط في موقع حرج وتخلق حالة عدم استقرار في السوق التأميني، ويطالب بضرورة أن تستند أي زيادة إلى معايير واضحة ومعلنة، وأن تكون مسبوقة بنقاش مهني وتقني جدي.
يقدم الأنسي تشخيصاً دقيقاً للمشكلة "التضخم الطبي يفوق بكثير معدلات التضخم العام"، مشيراً إلى غياب ضوابط موحدة لتعرفة الخدمات الطبية، ويرى أن سوء استخدام بعض التغطيات وتقلص قاعدة تجميع المخاطر نتيجة خروج شرائح واسعة من السوق، يساهمان في تفاقم الأزمة.
من داخل الشركات: قرار جماعي تحت الضغط
من قلب إحدى شركات التأمين، يُطلّ مصدر من شركة "SNA" ليقدم رواية مختلفة، مؤكدا أن الزيادة كانت بحدود 200 دولار تقريباً لكل شخص، معتبراً أنها واضحة وليست بسيطة، لكنه يوجه الاتهام بشكل مباشر: ليست الشركة من تصدر القرار، بل المستشفيات هي من ترفع أسعارها.
يكشف المصدر عن آلية القرار "تتخذ شركات التأمين جميعها في لبنان قراراً موحداً برفع الأسعار". ويقدم أمثلة على تفاوت الزيادات بين الشركات، بعضها يرفع 100، وأخرى 200، وحتى 400 دولار، مشيراً إلى أن شركة Alliance رفعت الأسعار إلى 400 دولار وما فوق.
المستشفيات: نحن الضحية أيضًا

ثم يطرح يارد المفارقة الصادمة " شركات التأمين تعيد فرض تسعيرة مشابهة أو حتى أعلى من تلك التي كانت تُطبق في عام 2019، بينما تدفع للمستشفيات فقط 60 في المئة من تلك التعرفة".
ويخلص إلى نتيجة مريبة "أي أنها تزيد أرباحها على حساب المواطن والمستشفى"، لافتا إلى ظاهرة جديدة "تراجع عدد المنتسبين لشركات التأمين، ولجوء الكثيرين إلى صناديق التعاضد التي تقدم أسعاراً أقل.
ويكشف يارد، عن آلية التدقيق المعمول بها "شركات التأمين سلّمت إدارة هذا الملف إلى شركات TPA"" التي تمتلك مدققين متخصصين".
تبدو أزمة غلاء أقساط التأمين في لبنان كمرآة تعكس تعقيدات الأزمة الاقتصادية الشاملة، حيث تتشابك العوامل الداخلية والخارجية، ويتحول كل طرف من أطراف المعادلة إلى ضحية وجلاد في الوقت نفسه.
بين رقابة رسمية تحاول فرض ضوابط في بيئة متغيرة، وشركات تأمين تواجه ارتفاعاً غير مسبوق في التكاليف، ومستشفيات تكافح للبقاء في ظل ظروف تشغيلية قاسية، ووسطاء يحاولون التوفيق بين مصالح متعارضة، يبقى المواطن اللبناني هو من يدفع الثمن الأكبر في هذه المعادلة المعقدة.
الحل الأمثل يكمن في اعتماد مقاربة شاملة تعيد الثقة بين جميع الأطراف، وتعزز الشفافية في آليّة تحديد الأسعار، وتضمن توازنًا عادلًا بين مصلحة الشركات في الاستمرارية ومصلحة المواطن في الحصول على تغطية تأمينية بأسعار معقولة. وهذا يتطلب حواراً وطنياً جاداً بين جميع المعنيين، وتطوير آليات رقابية أكثر فاعلية، واعتماد سياسات تسعيرية عادلة وشفافة، في إطار رؤية شاملة تضع المواطن في صلب الأولويات.