الصوت السنيّ في بعلبك الهرمل بين ان يعود لاعبًا أو يبقى رقمًا
في دائرة بعلبك الهرمل لا يُقاس الحضور السنيّ بالعدد فقط، بل بقدرته على التأثير داخل معادلة إنتخابية تميل تقليديًّا لمصلحة الثنائي الشيعي المتمثل بتحالف حزب الله ــــ حركة أمل . قبيل الإنتخابات النيابية المقبلة يبدو الشارع السنيّ أمام لحظة مفصلية، إما إعادة تنظيم صفوفه وإستعادة زمام المبادرة أو البقاء في موقع المُتَلِقي لتحالفات تُرسَم خارج بيئته .
تُقَدَّر نسبة السُنَّة في دائرة بعلبك الهرمل بما يتراوح بين 20 و 22 % من مجموع الناخبين المسجلين وفقا" لدورة عام 2022 ، أي ما يقارب الـ ٧٠ ألف ناخب من أصل أكثر من ٣٠٠ ألف ، ويتمركز الثقل السني في مدينة بعلبك وبلدة عرسال في شكل كبير وبعض قرى القضاء الغربي والحدودي بنسبة أقل . ورغم أن الدائرة تضم ١٠ مقاعد موزعة طائفيًا بين ٦ شيعة و٢ سنّة و١ مارونيّ و١ كاثوليكيّ إلا أن الصوت السنيّ يبقى متأثرًا بالتحالفات الكبرى. في الدورة الماضية حاول حزب القوات اللبنانية التحالف مع سميح عز الدين من بلدة عرسال وهو أكاديمي وناشط إجتماعي وذو حيثية شعبيّة تؤهله للمنافسة أظهرتها بعض البوانتاجات آنذاك. إلا أن عز الدين تم سحبه من قبل العاملين على الحالة السنيّة في الضفة السياديّة والذي كان يقودهم بشكل أساسي رئيس الحكومة السابق فؤاد السنيورة لصالح مرشح آخر من آل الحجيري أكبر عائلات بلدة عرسال بحجة أن الحزب قد رَشَّح أحد ابناء هذه العائلة على لائحته، في النهاية ربح مرشحو الحزب السنّة وخسر الآخرون. اليوم يقود حزب القوات مباشرة عملية الإتصال ببعض الشخصيات السنيّة. وتفيد بعض المعطيات أن القوات تسعى الى ان تلاقي شخصيات هذا الخط السياديّ في مواجهة لائحة الثنائي الشيعي في ظل مراهنة على العامل السعودي ودخوله مباشرة على خط التأثير في الكتلة السنيّة الناخبة.
خلال سنوات سابقة شَكَّل تيار المستقبل المظلة السياسيّة الأساسيّة للسنّة في بعلبك ـــــ الهرمل وكان حضوره يتعزّز عبر شبكة خدمات وعلاقات عائلية. إلا أن تعليق العمل السياسي للتيار قبل سنوات أحدث فراغًا كبيرًا لم يتمكن أحد من تعبئته. واليوم مع عودة الحديث عن إنخراط سعد الحريري مجددًا في الحياة السياسية تترقب القاعدة السنية إن كان ذلك سَيُتَرجَم دعمًا مباشرًا في هذه الدائرة تحديدًا.
ويقول أحد الناشطين السنّة من بلدة الفاكهة البقاعية أن المزاج السنيّ زاد إحباطًا بسبب إنعدام الرؤية الواحدة وليس فقط بغياب المرجعية المتمثلة بالرئيس سعد الحريري او اغتيال القائد الأكثر شعبية في تاريخ السنّة الرئيس رفيق الحريري الذي لم يستطع احد سدّ الفراغ من بعده. ويضيف ان الكتلة الرافضة للأحزاب والذي يفتخر بأنه أحد اكبر الناشطين فيها تزداد يومًا بعد يوم في بعلبك الهرمل في الاتجاه الرافض للهيمنة المستمرة على القرار السنيّ. ولكن هناك تأثيرات جانبية لا تزال موجودة بفعل بعض الضغوط المتشابكة والمصالح الشخصية والمنافع. وفي سؤاله عن توقعاته من عودة تيار المستقبل يقول ان "الشيخ سعد في إنتظار الضوء السعودي وهو في حال قرر المشاركة فلا حلّ امامه الا بالتحالف مع القوات اللبنانية لما لها من حضور قوي وشعبي في المناطق المسيحية والسنّية. وبخلاف ذلك سيستفيد حزب الله من تشتت الأصوات السنيّة في الدائرة. لذا فالإنتظار لقرار الشيخ سعد سيّد الموقف في الحالة السنية الآن. الا ان الاتجاه العام هو للتحالف مع المعارضين لسياسة الهيمنة في منطقتنا".
أحد الفاعليات العائلية ( فضل عدم ذكر إسمه ) من آل الصلح كبرى العائلات السنيّة في مدينة بعلبك يرى " أن المشكلة الأكبر في تشتت الرأي السنيّ وليس في العدد. فلو إجتمع الصوت السنيّ بلائحة وبرنامج واحد يستطيع أن يفرض نفسه في المعادلة ".
أما مسعود الحجيري إبن أكبر العائلات السنيّة في عرسال فيرى أن الناس يريدون فرص عمل وأمنًا إجتماعيًّا وغذائيًّا، والخطاب الطائفي لم يعد كافيًا لتحفيز الناس. في المقابل يعتبر هلال الأحمر من مدينة بعلبك أن المزاج السنيّ يعيش حالة ترقب، وهناك نسبة لا بأس بها قد تعزف عن الإقتراع اذا لم تشعر بجديّة الطرح السياسي.
ولا يغيب عن بال الناشطين والمتابعين للحالة السنيّة التطورات السورية التي أعادت للسنّة موقعهم القياديّ داخل النظام. إلا أن مراهنة البعض على إنعكاس ذلك في الإنتخابات النيابية المقبلة، تبقى ضعيفة خصوصًا في ظل الأخبار المتداولة عن رفض تلك القيادة والرئيس السوري احمد الشرع بالأخص إستقبال بعض الشخصيات ومحاولتها لإلتقاط صورة معه لتقريشها في صناديق الإقتراع ظنًا، منها أن ذلك سيمنحها غطاءًا سنيًّا ذي بُعد خارجي. وبحسب بعض المعلومات تريد القيادة السورية الجديدة تكريس النظرة الى انها لا تريد التدخل في الشؤون اللبنانية الداخلية في مقابل رفضها التام للتدخل السلبي في شؤونها من قبل أفرقاء داخليين كتهريب السلاح والمخدرات من قبل حزب الله او جماعات محسوبة عليه.
على ضفة الثنائي هناك مراهنة مستمرة على حيثية سنيّة عمل عليها الحزب طويلًا في غياب المرجعية السنيّة القويّة بالمنطقة وأصبح لديه حلفاء وأصدقاء من عائلات كبيرة تمثّلت في لوائحه تاريخيا" كآل الصح وآل الحجيري ويقول مصدر مطلع من داخل الثنائي الشيعي في المنطقة لـ"كافيين دوت برس" أن الإتصالات على قدم وساق مع هذه الفاعليات ويشدد على ترجمة التهدئة التي حملها خطاب الحريري تجاه الحزب وزيارته للرئيس بري في الإنتخابات المقبلة ليس بالضرورة عبر تحالف معلن بين الفريقين بل على مشاركة سنية فاعلة في الإنتخابات بصفته مكون إسلامي وطني نحرص على وجوده والتعاون معه.
في ظل الكلام المتزايد عن التأرجح بين إحتمال إجراء الإنتخابات في موعدها أو تأجيلها بفعل مصلحة بعض الأفرقاء السياسيين الداخليين بذلك أو نتيحة تطورات إقليمية متوقعة كالحرب على إيران، يبقى الصوت السنيّ مؤثرًا، في شكل كبير إذا توّحد بنسبة إقتراع تتجاوز الـ 50 % وتحالف مع قوى معارضة شيعية وسياديّة مسيحيّة تُمَكِّنهُ من كسر هيمنة الثنائي وتحسين شروط المواجهة على المقعدين المخصصين للطائفة السنية في ظل تأثير القانون النسبيّ الذي يجعل الحاصل الإنتخابي عتبة صعبة أمام اللوائح غير المتحالفة بقوة.