المقعد الكاثوليكي في بعلبك الهرمل : تمثيل يتجاوز الأرقام
يتجاوز المقعد الكاثوليكي في محافظة بعلبك الهرمل لغة الأرقام وحسابات الأطراف السياسية الفاعلة في المنطقة نحو رمزية الحضور في منطقة حساسة جغرافيا "وديموغرافيا".
في العام ١٩٧٢ وفي آخر إنتخابات نيابية جرت قبل الحرب الأهلية إنتُخِبَ النائب ألبير منصور نائبا" عن المقعد الكاثوليكي في بعلبك الهرمل وإستمر بشغل هذا الموقع حتى إنتخابات العام ١٩٩٢ التي فاز بها النائب سعود روفاييل في ظل مقاطعة مسيحية شاملة للانتخابات.
العام ١٩٩٦ قرر النظام السوري بالإتفاق مع حزب الله منح هذا المقعد للحزب السوري القومي الإجتماعي الذي رَشَّح له إبن بلدة القاع الدكتور مروان فارس وقد إنتخب لثلاث دورات متتالية من العام ١٩٩٦ حتى العام ٢٠٠٥. بقي المقعد محجوزًا للقومي ضمن الحسابات وإنحصرت المنافسة بين فارس ومنصور على إنتزاع إسم شاغل المقعد ضمن هذا السياق حتى العام ٢٠١٨ التي فاز بها منصور ممثلا" للقومي. في العام ٢٠٢٢ قرر حزب الله منح هذا المقعد لحليفه في التيار الوطني الحر الذي رشّح له الدكتور سامر التوم الذي فاز بهذا المقعد بعدما رفده الحزب بأكثر من ٧ آلاف صوت إنتخابي تفضيلي من ابناء الطائفة الشيعية في ما عرف آنذاك بقطاع حربتا وفق التقسيم الذي يعتمده الحزب لتوزيع أصواته.
بلغ عدد الناخبين في بعلبك الهرمل عام 2022 وفق الأرقام الرسمية المستندة إلى بيانات وزارة الداخلية 342000 ناخبًا وشَكّل الروم الكاثوليك ما نسبته 5.0 % منهم أي نحو 17،300 صوت، وهي نسبة قليلة تظهر مدى سيطرة الصوت الشيعي الذي يبلغ لوحده نحو ٧٣ % من إجمالي ناخبي هذه الدائرة.
ومن هنا تتجه الأنظار إلى المقعد الكاثوليكي في هذه الدائرة بصفته الأقل ظهورًا إعلاميًّا ولكنه يحمل دلالات سياسية رمزية في واحدة من أكثر دوائر لبنان طائفيًّا وتماسًّا سياسيًّا وهو ما إستدعى إشارة الامين العام الراحل لحزب الله السيد حسن نصرلله في إحدى إطلالاته الإعلامية الى الهوى السياسي لأبناء بلدة القاع الذين إقترعوا لخيار القوات اللبنانية في الإنتخابات البلدية. معتبرًا إياه دليلًا، على التنوع والغنى الذي تتميز به المنطقة. ولكن هذا الغنى والتودد يراه البعض واجهة كلامية وملطّفة للسيطرة على القرار السياسي لأبناء المنطقة المسيحيين، الذين ورغم حرصهم على العيش المشترك مع جيرانهم في القرى الشيعية، لا يستسيغون أن يأتي تكليف شرعي حزبي يؤدي إلى تجيير بلوك أصوات من هذه الطائفة لصالح مرشح مسيحي مما يؤدي إلى فوزه. وهم لا يرون فرقًا بين أيام الوصاية السورية التي فرضت منطق البوسطة والمحادل ضمن القوانين الإنتخابية المعلبة والجاهزة الأكثرية وبين هذه الطريقة التي يستعملها حزب الله اليوم. فيما ينتظر البعض أن تؤدي التطورات السياسية والعسكرية الأخيرة إلى قراءة إنتخابية جديدة لحزب الله.
حزب الله من جهته يرى أن اللعبة الإنتخابية مفتوحة وهو إن لم يحسم خياراته بعد إلا أنه واضح في إختيار حلفائه ممن يؤمنون بخط المقاومة ولا يرى في منحه الأصوات لبعض المرشحين المسيحيين أي عيب من ضمن اللعبة السياسية والإنتخابية المفتوحة، ألا تسعى بعض الأحزاب المسيحية لإنتزاع مقعد شيعي لإنتزاع شرعية التمثيل من الثنائي ؟ يسأل أحد المتابعين للشأن الإنتخابي في الحزب. ولكنه تجنّب التعليق على سؤال حول هل ما زال الحزب يمتلك فائضًا من الأصوات يُمَكِّنُه من منح آلاف الأصوات لمرشح كاثوليكي كما فعل مع النائب التوم!
إتخذ المقعد الكاثوليكي رمزية إضافية في محافظة بعلبك الهرمل ضمن إختبار لقدرة القوى المسيحية بالحفاظ على وجود مستقل في هذه الدائرة.
أظهرت التجارب السابقة ان الفوز بهذا المقعد يعتمد في شكل كبير على اللوائح والتحالفات وليس فقط على الأصوات الذاتية للطائفة. ومن هنا تمكّن التيار الوطني الحر عبر مشاركته في لائحة الثنائي من حصد هذا المقعد بفضل توزيع الأصوات وطريقة إحتساب الحاصل. والحفاظ على هذا المقعد من ضمن هذا التحالف ينتظر ما ستؤول إليه الإتصالات السياسية والإنتخابية بين الحزب والتيار على صعيد لبنان كله بحسب ما أفاد به مصدر مطلع على شؤون التيار لـ "كافيين دوت برس". وحول تأثير التباينات السياسية والنظرة إلى موضوع حرب الإسناد وحصرية السلاح على هذا التحالف الإنتخابي يجيب المصدر أن التباين في عدد من المواضيع السياسية لا يمنع من تلاقي ودّ المصلحة الانتخابية والأرقام، وهذا ما سبق ولمح اليه أحد نواب التيار أسعد ضرغام في مقابلة اعلامية منذ بضعة أسابيع إذا إرتأى الفريقان اللذان يجمعهما تاريخ طويل من التحالف والنقاط المشتركة أن من مصلحتهما ذلك. وعن الأسماء المطروحة لهذا المقعد من التيار وهل سيحافظ التوم على تمثيله يقول المصدر أن تسمية مرشحي التيار تخضع لآلية داخلية في التيار لم تبتّ بعد بالأسماء.
كلام المصدر هذا عن الآلية الداخلية تدحضه بعض الوقائع التي حصلت في الإنتخابات النيابية الأخيرة إذ أن المهندس العوني روني نصرلله من بلدة رأس بعلبك فاز في تلك الآلية الداخلية آنذاك وباشر بتفعيل مكنته الإنتخابية وإنتشرت له صور على طول الطريق من بيروت الى البقاع وإنتظر إعلان إسمه الذي لم يأت في إحتفال الفوروم دو بيروت. وتبين في ما بعد أن التيار والحزب أعادا النظر في الساعات الأخيرة بإسم مرشحهم في هذا الدائرة بعد ترشيح حزب القوات اللبنانية للدكتور إيلي البيطار وقد رأى فيه هؤلاء تهديدًا جديًّا للمقعد المسيحي الثاني بعد المقعد الماروني لحبشي.
اليوم عاد إسم المهندس نصرلله كمرشح عوني مطروح في هذه الدائرة ويقول المصدر المتابع أن إنقسامًا كبيرًا، حول أداء التيار وخياراته ضمن صفوف التيار العوني في المنطقة أدى إلى عدد من الإستقالات الحزبية كان أبرزها المرشح السابق المحامي ميشال ضاهر وإستبدال او ازاحة مسؤولين محليين كما حصل في بلدة القاع مع مسؤول البلدة. ناهيك عن الخلاف الذي خرج إلى العلن بين أحد أكبر الداعمين السابقين للتيار في هذه الدائرة رجل الأعمال حسان البشراوي الذي هاجم التوم بعنف على وسائل التواصل الإجتماعي بعد إنتقاده للرئيس جوزف عون مطالبًا إياه بردّ أموال طائلة قدمها له في سياق حملته الإنتخابية. إستطاع بشراوي إستمالة عدد من محازبي التيار متباهيًا بذلك، مما أثار إمتعاض النائب الحالي حيث خرجت بعض من هذه الخلافات على مواقع التواصل، مما أثار الخشية من إنقسام داخلي كبير على أبواب الإستحقاق المقبل، الذي تطرح فيه إلى جانب التوم ونصرلله عدد من الأسماء من أبرزها المسؤول العوني عمار أنطون.
وفي ظل هذه الإشكاليات من جهة والكلام عن إحتمال عدم التحالف بين التيار الوطني الحر والحزب من جهة أخرى يدور حديث حول إحتمال دعم الحزب لترشيح عامر منصور إبن اللواء الراحل إدوارد منصور شقيق الوزير والنائب السابق البير منصور أو أحد الوجوه القومية السورية التي قد يُزَكّيها حزب الله، في محاولة للتعويض عن خسارة الظهير السوري لهذا المحور المتمثل بالنظام السابق.
منذ دخول القانون النسبيّ عام ٢٠١٨ شهدت المقاعد المسيحية تحركًا إنتخابيًّا بعيدًا عن القوالب التقليدية للعبة في بعلبك الهرمل ، إستطاعت القوات اللبنانية الظفر بالمقعد الماروني لصالح الدكتور أنطوان حبشي وأمّنت لها حاصلًا انتخابيًّا صافيًّا جعلها الرقم الأول مسيحيًّا، في الدائرة بفارق كبير عن منافسها التيار الوطني. تحالفت القوات لدورتين متتاليتين مع كل من العميد سليم الكلاس في انتخابات الـ ٢٠١٨ والدكتور ايلي البيطار في انتخابات العام ٢٠٢٢.
جذبت القوات أصوات غالبية ناخبي المقعدين الماروني والكاثوليكي وسعت للتحالف مع مكونات سنيّة وشيعيّة لها حضورها السياسي والاجتماعي في الدائرة لكسر احتكار الثنائي الشيعي السياسي لها. عن الإتجاهات المستقبلية للمقعد الكاثوليكي يوضح قيادي قواتي بقاعي لـ"كافيين دوت برس" ان هناك مروحة كبيرة من الخيارات وطاقات جامعية واقتصادية وطبية وشبابية إن كانت حزبية او صديقة يمكن ترشيح إحداها على هذا المقعد في ظل الإتجاه شبه الأكيد لإعادة ترشيح الدكتور حبشي عن المقعد الماروني وتجيير الأصوات التفضيلية له. لن تخاطر القوات بحسب المصدر إياه بتقسيم اصواتها فهي لا تملك ترف الفائض في منطقة يغلب عليها الحضور الشيعي بنسبة كبيرة. وإن كانت أثبتت من خلال انتخابات الـ ٢٠١٨ والـ ٢٠٢٢ أنها تمثّل العصب المسيحيّ السياديّ من خلال حصول مرشحيها الماروني والكاثوليكي على النسبة الأكبر من الأصوات المسيحية. إلا أنها تراهن في الوقت عينه على مروحة من التحالفات مع الشريك السنيّ والشيعيّ ورفع نسبة التصويت الكاثوليكي إلى ما فوق الـ ٥٥ % للمنافسة على هذا المقعد. ويترك القيادي القواتي الباب مفتوحًا، لعدد من الإتصالات مع الأصدقاء والحلفاء قبل الدخول في بورصة الأسماء التي تستطيع المنافسة وتقديم إضافة على حجم الخط السيادي في بعلبك الهرمل الذي تتقدمه القوات اللبنانية للفوز بالمقاعد المسيحية ومساعدة الحلفاء على الفوز بباقي المقاعد.