دير جبولة لراهبات سيدة الخدمة الصالحة: مدرسة وميتم في خدمة كلّ البقاع الشرقي

دير جبولة لراهبات سيدة الخدمة الصالحة: مدرسة وميتم في خدمة كلّ البقاع الشرقي

في زمنٍ تتكاثر الأزمات وتضيق مساحات الأمل، ثمّة أيادٍ تعمل بصمت، لا تبحث عن أضواء ولا عن عناوين عريضة. خلف جدران متواضعة، وفي مدارس ودور رعاية بعيدة عن ضجيج السياسة، تقف مجموعة من الراهبات في مواجهة الفقر واليُتم والحرمان، حاملات رسالة تتجاوز التعليم إلى الاحتضان الإنساني الكامل. هؤلاء الراهبات، في البقاع الشرقي، لا يقدّمن الدروس فحسب، بل يزرعن الطمأنينة في قلوب التلاميذ، ويحوّلن دور الرعاية إلى بيوت بديلة، حيث يصبح الاهتمام اليومي، والحنان، والاستمرارية شكلاً من أشكال المقاومة الاجتماعية الهادئة. 

دير جبولة
الأم جوسلين جمعة، الرئيسة العامة لراهبات سيدة الخدمة الصالحة في لبنان ورئيسة دير جبولة في منطقة البقاع الشرقي، تعود في حديث لـ" كافيين دوت برس" إلى تاريخ تأسيس هذا الدير سنة ١٩٥٤ على يد  المطران يوسف المعلوف الذي وجد أن هذه المنطقة في حاجة الى مدرسة وميتم. قبل أن يؤسس الرهبنة كان يجمع الأولاد الفقراء الذين كانوا يعملون مع أهاليهم في الحقول ولا يذهبون إلى المدارس، كانت عائلة " آل سكر " من أكبر عائلات الفلاحين في هذه المنطقة، كان يجمعهم في مستودع هنا تابع للمطرانية ويقوم بتدريسهم ويهتم بهم. وجد المعلوف ان الحاجات كبيرة وهو مطران لديه رعايا كثيرة ولا يملك الوقت الكافي للتفرغ لهم ومن هنا بدأت فكرته بإنشاء رهبنة لخدمة هؤلاء الأولاد في هذه المنطقة من ضمن رسالته الكهنوتية. ومن هنا إنطلقت الرهبنة وأتى أول فوج من الصبايا في أيار من نفس العام بعد أن حصل على الموافقة من روما حتى وصلنا إلى هذا اليوم الذي يضم فيه الدير أكثر من مئة ولد في الميتم و٨٠٠ تلميذ في المدرسة من صفوف الحضانة حتى صف البروفيه.

الام جوسلين جمعة
تلفت الأم جوسلين إلى أن نسبة المسيحيين في هذه المؤسسات تضآلت كثيرًا بسبب الأحداث التي مرت على لبنان  والمنطقة، هاجر آل سكر بأغلبهم إلى أوستراليا، ولكن الدير إستمر برسالته التي تجسّد ما أطلقه البابا الراحل مار يوحنا بولس الثاني عن لبنان الوطن والرسالة. يتمسك أبناء القرى المجاورة من الطائفة الإسلامية بهذه الرسالة ويصفونها بالمنارة لهم. ويقتصر حضور الطلاب المسيحيين من حالات إجتماعية معينة وأيتام على مدرسة الدير الداخلي وهم يأتون من قرى بعيدة كدير الأحمر والقاع ورأس بعلبك. وتقوم الراهبات أيضًا بخدمة أطفال " لقطاء " وجدوا على قارعة الطرقات قبل ان تقرر فيها قاضية الأحداث إعطاءهم لعائلات محددة تتبناهم.

سهل الدير
وبسؤالنا عن الكلفة الكبيرة والأعباء التي ترتبها هذه المهمات ومصادر تأمينها تجيب الأم جوسلين"مطرانية بعلبك للروم الملكيين الكاثوليك قامت بتقديم مساحات كبيرة من الأراضي حول الدير للراهبات كي يقومن بإستثمارها في سبيل خدمتهن الصالحة، ونحن بدورنا أنشأنا مزرعة للأبقار ومعملًا للأجبان والألبان نعمل فيها  لتأمين أكل الدير الصحي للراهبات والتلاميذ وهو ما يغنينا عن شراء الطعام من الخارج. وقمنا أيضًا بفتح متجر صغير في منطقة كسارة زحلة حيث يوجد لنا دير الإبتداء لبيع منتوجات الدير من المونة البلدية إضافة لما يتم عرضه وبيعه هنا لمن يرغب من الزائرين. لا شك بأن هناك صعوبة كبيرة في الظروف تقابلها قوّة إلهية أكبر، نحن رهبنة مواردها قليلة جداً. منذ إستلامي في العام ٢٠١٧ تراكمت الأحداث الصعبة على لبنان، فتوسلت الى الله ان يساعدني ولم يتركني الرب وفتح لي دروب النعم والقوة للإستمرار".

مزرعة ابقار
تعترف الأم جوسلين بقلّة الدعوات التي تأتي إلى الرهبنة وتُرجِع ذلك إلى نمط الحياة الذي تغير وتُعطي مثالا" على ذلك من خلال عائلتها الضيقة فتقول " نحن سبعة أبناء لم تكن أمي تقبل أن ننام دون أن نصلّي المسبحة والزياح للعذراء " كان للأهل دور كبير في إشاعة هذه الأجواء الإيمانية التي كانت تبدأ من المنزل وتمتد إلى الأديرة بعكس السائد حاليًا. اذ أن الإقبال على الزواج خَفَّ كثيرًا. ولم يعد هناك شغف للإلتزام والإنجاب وهذا كله يؤثر على موضوع إقبال الشباب والإناث للإلتحاق بالدعوات الكهنوتية. وفي نفس الوقت لا تخاف الأم جوسلين من قلّة الدعوات لأنهن يعتبرن أنفسهن كرم الرب وإذا اراد لهن الإستمرار فسيستمررن.

vvfre.jpg 345.37 KB
من مفرق بلدة العين نزولا" يصل الزائر إلى دير جبولة، سهول خضراء وبرك مياه صغيرة تحيط به، مبنى قديم رئيسي للدير يضم الميتم وغرف الراهبات الذي يبلغ عددهن الآن ثمانية عشر راهبة وفي مقابله بناء جديد للمدرسة المتوسطة. تحيط بالدير قرى النبي عثمان واللبوة وكلها قرى ذات أغلبية مسلمة. يشيد الكثير من سكان هذه القرى برسالة دير الراهبات ودوره الكبير في إعلاء المستوى التعليمي لأبناءهم عدا عن رسالته الإنسانية المتمثلة بإيواء الأيتام والأولاد الذين يعانون من الآفات الإجتماعية.

onad.jpg 241.78 KB
تأمل الأم جوسلين جمعة من العهد والحكومة الجديدة دعما" لجهود الرهبنة ومثيلاتها في خدمة المجتمع، مع إعترافها بالواقع المهترئ للدولة وبالتالي للوزارات التي هي على تماس معها وفي مقدمها وزارتي الصحة والشؤون الإجتماعية.

ولكنها بالأساس تتكل على المساعدات التي تأتيها من الأمانة العامة للمدارس الكاثوليكية وفي شكل رئيسي من السفارة الفرنسية، التي لا تزال تنظر الى المؤسسات التعليمية المسيحية كقيمة يجب الحفاظ عليها، ومن مؤسسات كنسية إغترابية يهمها الوجود المسيحي في لبنان وتشيد جمعة بالدور الكبير لمنظمةL'Oeuvre D'orient  التابعة للمجمع الشرقي في الكنيسة والدعم الذي تقدمه في هذا الإطار وفي شكل خاص في مناطق الأطراف. 

 

يبلغ عدد راهبات الخدمة الصالحة في لبنان ٣٨ راهبة منهن ثمانية عشر راهبة في دير جبلة،وكل من يشتري من منتوجات هذا الدير يقوم بطريقة غير مباشرة بدعم رسالتهن لتعليم الأولاد والإهتمام بالأيتام.

mlvf.jpg 149.29 KB
تربط الأم جوسلين بين حديثها عن الإستمرارية في رسالة مدرسة الدير وبين أهداف المؤسس الأول المطران يوسف معلوف الذي أنشأ هذه المدرسة لأنه لم يكن يريد أن يتم إستغلال هؤلاء الأطفال من الأغنياء والآغات الذي كانوا موجودين. وفي البدء أرادها مدرسة زراعية كي يتعلم أبناء المنطقة زراعة أرضهم وعدم هجرتها. ونحن لا نزال نربي تلامذتنا على حبّ الارض، ونحّثهم على الزراعة، ولو كانت خفيفة كزراعة الثوم والبصل في بيوتهم. وفي العام الماضي كان لدينا مشروع للنحل، وتابع التلاميذ كيفية تربية النحل وإستخراج العسل. كل هذا الحب للأرض الذي توارثناه عن أجدادنا ونحاول الإبقاء على بركته قدر المستطاع في هذه السهول المباركة.

كان للدير دور كبير في استقبال النازحين خلال الحرب الاسرائيلية الأخيرة. وتلفت الأم جوسلين الى الساعات الاولى من هذه الحرب بعدما توافد المئات من أبناء الجوار مُلتجئين للدير وفتحنا لهم مستودع الدير الأساسي للأغذية في ظل تخوّف ساد بعض إخواتي من نفاذ المخزون وتأثيره على طلابنا الداخليين. ولكنني كنت مؤمنة بأن الله معنا وهذا ما جرى ، اذ لم نعد نعرف من اين تهبط علينا المساعدات. والحمد لله وصل عدد من ساعدناهم في تلك المرحلة أكثر من ألف شخص. 

وتضيف" نحن نعلّم أبناءنا على إحترام الآخر والإختلاف بجميع أشكاله السياسية والدينية ونربّيهم على مفاهيم الإخوة الإنسانية. ورغم ذلك لا يخلو الجوار من بعض الحرتقات على قلّتها، ممن لا يريدون تعميم رسالة الإنفتاح وثقافة تقبل الآخر".

وتتأثر الأم جوسلين وهي تتحدث عن خريجي الدير الأوفياء وخصوصا" من أبناء الميتم الذين يعودون  لزيارته في شكل مستمر ويقولون لنا لقد تعلمنا في هذا الدير عكس ما نراه في هذه الحياة ممن يريد تخويفنا من المسيحي. لذلك نعود الى هنا ونأخذ ذخيرة لنموذج لبنان الذي نريد أن نصنعه ورسمنا صورته على مقاعد مدرستنا هنا. 

 

 وتشير الى انه في الصيف نستمر بالدورات الصيفية ونقيم الإحتفالات والنشاطات الترفيهية والكرمس، وتستمر العيادة النقالة  لمنظمة مالطا بزياراتها الدورية والفحص الروتيني للتلاميذ. 

دير جبولة يجسد هذه الرسالة التربوية والإنسانية والكنسية التي تحتاج دعم ورعاية الدولة بدرجة أولى وخصوصًا في الأطراف، فأين سيذهب حوالي الألف طالب إذا أقفلنا نحن أبوابنا بوجههم يا ترى؟ تختم الأم جوسلين جمعة حديثها.

اقرأ المزيد من كتابات بشير ي. مطر