الصامدون في قراهم الحدودية : هواجس وصعوبات مع تعلّق بالأرض

الصامدون في قراهم الحدودية : هواجس وصعوبات  مع تعلّق بالأرض

دائما تعود الذاكرة بأهالي القرى الحدودية إلى أحداث أمنية كبيرة ومفصلية. في السنوات الأخيرة ، عام ٢٠٠٠ و ٢٠٠٦ ، و ٢٠٢٣ ، ثم في أيامنا الحالية. وتكرار هذه الحروب أكسبتهم تجارب، وأعطتهم خبرة واسعة في كيفية مواجهتها والتعامل معها، في ما يتعلق بالمعيشة اليومية، وتسيير شؤون الحياة بما أمكن. غير أنه يبقى القلق الذي يسيطر على النفوس، وهواجس التبعات الأمنية، وهذه أمور لا يستطيع الأهالي التحكم بها إلا بالحد الأدنى، من خلال تعاضدهم وإيمانهم، وتشبثهم بأرضهم وبالمؤسسات الوطنية وعلى رأسها الجيش وكافة الأجهزة الأمنية.

من داخل مكتب رئيس بلدية رميش
استنفار البلديات ومؤسسات المجتمع المدني 

 ولإلقاء الضوء على الواقع الذي تعيشه بعض القرى الحدودية، التي سلمت من النزوح، قصد "كافيين دوت برس" بلديتي رميش وعين ابل، اللتين تحولتا، إسوة بباقي البلديات إلى خليّة أزمة، لمعالجة شؤون الأهالي. 

رئيس بلدية رميش حنا العميل، لم يخف تخوّف المقيمين من الوضع المتفجر الغامض وغير المحدود الأفق. ولكن المقيمين متشبّثون بالبقاء في أرضهم. 

وحول الإجراءات التي تقوم بها البلدية لمواجهة الوضع المستجد، قال العميل " كنا نتوقع حصول الأزمة، لهذا بدأنا بأخذ إجراءات وقائية منذ ثلاثة أشهر. ونحن في تواصل دائم مع كافة أجهزة الدولة الرسمية لتأمين مقومات الصمود، إضافة إلى تواصل مع مؤسسات وجمعيات دولية ومحلية، والقوات الدولية. فقد كان لدينا ١٠ طن من الطحين، تمّ توزيعها على الأفران، واستطعنا تأمين ألف ربطة خبز بالتعاون مع الجيش، وعملنا على تأمين صهريجين من البنزين والمازوت سيصلان بمعية الجيش واليونيفل. كذلك عملنا على تأمين ٢٠ طنًأ من الطحين ، منها ١٥ طنًا مخصصة للأفران المحلية بسعر منخفض، وخمسة أطنان سنحتفظ بها على سبيل الإحتياط، وهي مقدمة مجانًا من مطاحن التاج مشكورة. 

وعن عدد المقيمين في بلدة رميش، ذكر رئيس البلدية أن عددهم يتجاوز ستة آلاف شخص، خاصة أنه لم ينزح منهم أحد الى بيروت. يضاف إليهم ما بين ٨٠٠ إلى ١٠٠٠ شخص من التابعية السورية. وحوالي ٧٠ شخص من قرية القوزح، وبعض القرى المجاورة.

بدوره ، رئيس بلدية عين إبل أيوب خريش ذكر لنا أن البلدية حرصت على تأمين المستلزمات الضرورية من دواء وطعام ومحروقات  " فالبلدية تملك داتا المرضى في عين ابل، الذين يحتاجون إلى أدوية مزمنة. وقد استطاعت تأمينها من مؤسسة مالطا، والصليب الأحمر ومن أبناء عين ابل في بيروت. أما على صعيد المواد التموينية فنحن نقدّر أن تكفي مخزونات المحلات التجارية حوالي أسبوعين ". 

هذا، ويقيم في عين إبل ٢٢٠٠ شخص، بحسب تقدير خريش.

رئيس بلدية عين ابل أيوب خريش
المحلات التجارية تشارف على انتهاء مخزونها

 يتوفر في بلدات رميش وعين ابل ودبل محلات تجارية كبيرة، وقد استطاعت تلبية حاجة المواطنين الذين تهافتوا على شراء المواد بكميات كبيرة، خشية من إطالة الحصار الذي فرض واقعًا عليها . 

أحد أصحاب هذه المتاجر  أدمون عون قال لموقعنا " المخزون قد فرغ، وبقيت السلع التي على الرفوف. تهافت الناس على المتاجر واشتروا بأقصى قدراتهم المالية. نحن لا نستطيع أن نقدّر المدة الزمنية للأزمة، فمع إقفال الطرقات علينا، نطالب أجهزة الدولة الإسراع في العمل على تأمين نقل السلع الضرورية في فرصة قريبة ".

 

أدمون عون من داخل متجره
بدوره ، وافق أحد أصحاب المتاجر في عين إبل  جورج حصروني، على الإقبال الكثيف على التسوّق. وذكر لنا أن السلع تكفي لمدة تزيد عن أسبوعين، وأن لا مشكلة في بعض المواد التي تنتج محليًّا، مثل الألبان والأجبان والبيض، فهي تؤمن السوق لفترة أطول. غير أن النقص الفوري يكمن في الخضراوات .

جورج حصروني من داخل متجره في عين إبل
المحروقات ، تنتظر حلولا 

 يمكن اعتبار المحروقات، خاصة مادة البنزين، أولى السلع التي نفدت من السوق. أحد العاملين في محطة في رميش، شربل عبود قال لنا  " هناك وعود بالعمل على تأمين المحروقات في الأيام المقبلة، لكن المشكلة أن أصحاب الشركة التي تؤمن لنا المادة، قد نزحوا من مدينتهم النبطية . ولا نعلم كيف سيستطيعون تأمينها لنا ".

ويقدّر عبود أن المحروقات التي خزّنها المستهلكون، تصمد لاسبوعين تقريبا.

شربل عبود
الأدوية " طارت " عن الرفوف 

 والأدوية هي أكثر سلعة مطلوبة، نظرا الى اهميتها للمرضى، لهذا فقدت أنواع عديدة منها . وهذا ما أكدته لنا صاحبة إحدى الصيدليات هبة خوري، التي خصّت بالذكر ، إضافة إلى أدوية هامة فُقدت ، حليب الأطفال ، الذي هو من أهم هذه المواد.

هبة خوري داخل صيدليتها في رميش
غير أنّ ما يشفع في ما خصّ الأدوية ، هو وجود مستوصفات خيرية تلبي قسمًا كبيرًا من حاجة المرضى . ومنها تابع لفرسان مالطا، ولكاريتاس، والصليب الأحمر وغيرها.

 

فرن محلي يلبي حاجة السوق 

 من الأمور الهامة التي تساعد على سدّ احتياجات المقيمين، هو أنه أُسس حديثًا في رميش فرن يعمل حاليا على تأمين الخبز لجميع أبناء المنطقة المقيمين.صاحب هذا الفرن ، شربل خيامي ، طمأن إلى أنه سيصل الفرن في اليومين المقبلين ١٥ طنًا من الطحين ، وهي كمية كافية لسدّ الإحتياج لمدة تتراوح بين ٢٠ يوما إلى شهر .

 

الأهم من كل شيء هو " ريحة الدولة " 

 عند أهالي القرى الحدودية الثابتين في أرضهم ، الأهم من تأمين سبل العيش، تأمين وجود الدولة بمؤسساتها وأجهزتها كافة، وتاجها الجيش الوطني. فوجودها وحده يبدّد هواجسهم ويقضي على قلقهم. 

ظاهرة جديرة بالإهتمام، وهي حالة الحزن العميق، والأسف المقرون بنوع من الغضب " الأخوي "، عند أهالي هذه القرى وهم يرون عناصر الجيش اللبناني ينسحبون من مواقعهم الأمامية في بلدة رميش لإعادة التموضع. غير أن وجود عناصر متفرقين في داخل القرى، يبعث على بعض الراحة عندهم.

اقرأ المزيد من كتابات بيار حبيب