القرعون تحت النار: خريطة حصرية تكشف استهداف منشآت حساسة وتحذير من كارثة

القرعون تحت النار: خريطة حصرية تكشف استهداف منشآت حساسة وتحذير من كارثة

أثار استهداف إسرائيل مناطق محيطة ببحيرة وسدّ القرعون في البقاع الغربي مخاوف متزايدة من تداعيات قد تتجاوز الأضرار العسكرية المباشرة لتطال الأمن المائي والغذائي والطاقوي في لبنان. ويُعدّ سدّ القرعون أكبر سدّ في البلاد وأحد أبرز المنشآت الحيوية المرتبطة بإدارة الموارد المائية وإنتاج الطاقة الكهرومائية، ما يجعل أي تهديد يطاله مصدر قلق واسع لدى الجهات المعنية والخبراء. 

وفي هذا السياق، كشف المدير العام للمصلحة الوطنية لنهر الليطاني سامي علوية لـ"كافيين دوت برس"، أن الغارات الأخيرة استهدفت للمرة الأولى منشآت تقع في الجهة الخلفية للسدّ، بما في ذلك أحد مداخل الأنفاق التابعة له، إضافة إلى أجزاء من منظومة الطاقة الكهربائية والمباني المرتبطة بتشغيله. 

وحصل "كافيين دوت برس" على خريطة ودراسة متخصصة أعدّتها المصلحة الوطنية لنهر الليطاني تحاكي سيناريو انهيار سدّ القرعون وما قد ينتج عنه من موجة فيضانية ضخمة تمتد على طول مجرى نهر الليطاني حتى مصبه في جنوب لبنان. وتُظهر الدراسة أن التأثير لن يقتصر على محيط السد، بل سيمتد إلى عشرات الكيلومترات جنوبًا مرورًا بعدد من البلدات والقرى الواقعة على ضفتي النهر. 

Picture2.jpg 362.7 KB
 

ووفق الخرائط، تُعدّ بلدة سحمر من أولى المناطق التي ستتأثر في حال حدوث انهيار، إذ تقع مباشرة أسفل السدّ، فيما تشير النماذج إلى أن موجة المياه ستتابع طريقها باتجاه يحمر ثم دير ميماس والقليعة، قبل أن تعبر مناطق أخرى وصولاً إلى برج الملوك والسهل الساحلي. كما تُظهر الدراسة أن حجم الأضرار المحتملة يختلف بين منطقة وأخرى تبعاً لطبيعة التضاريس، إذ تبقى المياه محصورة نسبيًا داخل الوادي في بعض المقاطع الضيقة، بينما تتوسع بشكل كبير في المناطق المنبسطة، ما يزيد من المساحات المعرّضة للغمر ويضاعف المخاطر على التجمعات السكنية والأراضي الزراعية والبنى التحتية. 

 

 

وتُبرز الخرائط أيضاً أن المناطق المصنّفة باللون الأحمر تمثل المواقع الأكثر عرضة لارتفاع منسوب المياه وقوة اندفاعها، في حين تشير الألوان البرتقالية والصفراء إلى مستويات خطر أقل نسبياً. وتكشف هذه النماذج حجم التداعيات التي قد تنجم عن أي ضرر جسيم يطال السدّ، سواء على مستوى السكان أو المنشآت الحيوية أو الأراضي الزراعية الممتدة على طول الحوض الأدنى لنهر الليطاني، وهو ما يفسّر التحذيرات المتكررة من التعامل مع سدّ القرعون باعتباره منشأة استراتيجية تمسّ الأمن المائي والغذائي والاقتصادي للبنان بأكمله. 

وأوضح علوية أن المعاينات الأولية لم تُظهر حتى الآن أي ضرر إنشائي مباشر في جسم السدّ، إلا أن خطورة الاستهداف تكمن في اقترابه من منشآت حساسة تستوجب إجراء قياسات دقيقة ومراقبة مستمرة لمعدلات التسرب داخل الأنفاق خلال الأشهر المقبلة. 

وأشار إلى أن الفرق الفنية لم تتمكن حتى الآن من تنفيذ عمليات الكشف اللازمة بسبب وقوع المنطقة ضمن نطاق عسكري مغلق، ما يحول دون الوصول إلى بعض المواقع الحساسة المرتبطة بالسد وإجراء الفحوص التقنية المطلوبة لتقييم حجم المخاطر المحتملة. 

وأكد علوية أن أي تضرّر جسيم قد يطال سدّ القرعون لن يقتصر على الجانب الهندسي فحسب، بل ستكون له تداعيات واسعة على مختلف القطاعات الحيوية في البلاد. فالسدّ يشكل جزءًا أساسيًا من منظومة إنتاج الطاقة الكهرومائية في لبنان، وأي تعطيل له قد يؤدي إلى توقف أربعة معامل لإنتاج الكهرباء وخسارة قدرات إنتاجية مهمة للشبكة الوطنية، فضلاً عن تعطيل مشاريع الري ومياه الشرب المرتبطة بمنشآت الليطاني. 

ولفت إلى أن السيناريو الأسوأ يتمثل في احتمال حدوث أضرار كبيرة تؤدي إلى انجراف كميات ضخمة من المياه والرواسب والطميّ على امتداد مجرى نهر الليطاني، ما قد يهدد آلاف الوحدات السكنية والممتلكات والبنى التحتية الواقعة على ضفتي النهر وصولاً إلى المصب. وحذّر من أن الرواسب الملوثة المتراكمة في بحيرة القرعون قد تنتقل إلى الحوض الأدنى للنهر، ما يفاقم الأزمة البيئية القائمة أصلاً ويزيد المخاطر على الصحة العامة والقطاع الزراعي. 

 

ورأى علوية أن الحديث عن احتمال تضرر السد يتجاوز توصيف "الكارثة الإنسانية"، معتبراً أن التداعيات المحتملة قد تشمل أبعادًا اجتماعية واقتصادية وأمنية وديموغرافية واسعة، إذ قد تصبح مناطق كاملة غير صالحة للسكن، فضلاً عن التأثيرات المباشرة على الأمن الغذائي والأمن المائي والأمن الطاقوي في لبنان. 

 

وفي مواجهة هذه المخاطر، أوضح أن المصلحة الوطنية لنهر الليطاني وضعت، بالتعاون مع جهات دولية ومتخصصة، خطط طوارئ وإنذار مبكر تشمل آليات إبلاغ البلديات والأجهزة الأمنية والوزارات والجهات الإغاثية بأي مخاطر محتملة، إضافة إلى تحديد مسارات الموجات المائية المتوقعة وإجراءات الاستجابة اللازمة في حالات الطوارئ. 

ودعا علوية إلى تشديد الإجراءات الأمنية حول سدّ القرعون وجميع منشآته وتجهيزاته الفنية، مطالباً بإعلان المنطقة المحيطة به منطقة عسكرية مغلقة في شكل دائم ومنع الدخول إليها إلا بإذن وتنسيق مسبق مع الجهات المختصة. وشدّد على ضرورة تحييد السدّ والمنشآت المائية عن أي استهداف، عبر تحرك رسمي ودولي يضمن حماية هذه المنشآت الحيوية التي تشكل ركائز أساسية لاستمرار الحياة والخدمات في لبنان. 

ويأتي هذا التحذير في وقت تتزايد المخاوف من أن يؤدي استهداف البنى التحتية الحيوية إلى تداعيات تتجاوز ساحات المواجهة العسكرية، لتطال مباشرة حياة اللبنانيين الذين يعتمدون على موارد الليطاني في مجالات المياه. 

 

·    للاطلاع على ملف الخرائط الخاص بـ" كافيين دوت برس" اضغط هنا. 

https://drive.google.com/file/d/1gjKPiiuMk8lCkma2YAegemIqrSt3xMLA/view?usp=sharing

اقرأ المزيد من كتابات ربيع يونس