اقتصاد لبنان على صفيح ساخن: أرقام حصرية عن الانهيار وتفاصيل المخزون

اقتصاد لبنان على صفيح ساخن:  أرقام حصرية عن الانهيار وتفاصيل المخزون

في ظل الحرب الدائرة على لبنان والتوترات الإقليمية المتصاعدة، تعيش الأسواق اللبنانية حالة من الترقب والقلق، إذ يجمع الواقع المعاش بين ارتفاع حادّ في أسعار المحروقات من جهة، وتراجع غير مسبوق في النشاط الاقتصادي من جهة أخرى. فيما تطمئن الجهات المعنية المواطنين إلى توافر المخزونات الأساسية من محروقات وأدوية ومواد غذائية لفترات تتراوح بين ثلاثة وثمانية أشهر.

 

أظهرت أرقام صادرة عن الهيئات الاقتصادية اللبنانية، بحسب البيان الذي اصدره رئيسها الوزير السابق محمد شقير، تراجعًا حادًا في النشاط الاقتصادي في مختلف القطاعات نتيجة الحرب، وسط تحذيرات من تداعيات خطيرة على الاقتصاد الوطني في حال استمرت الأزمة. وبحسب المعطيات، تراجع النشاط التجاري بنحو 50%، مع انخفاض مبيعات السلع غير الأساسية بين 60 و80%، فيما حافظ الطلب على السلع الأساسية على مستويات شبه طبيعية، في مؤشر واضح على تحول الأولويات الاستهلاكية للمواطنين نحو الضروريات فقط.

وانخفض أداء القطاع الصناعي بنحو 50% نتيجة توقف وحدات إنتاجية في الجنوب والضاحية وأجزاء من البقاع، إضافة إلى تعطل حركة التصدير إلى دول الخليج التي كانت تشكل سوقاً حيوياً للمنتجات اللبنانية. وسجل القطاع الزراعي تراجعاً بنحو 40% بسبب تعطل الإنتاج في مناطق واسعة من الجنوب والبقاع، وتوقف الصادرات الزراعية إلى الأسواق الخليجية.

 

أما القطاع السياحي فكان من الأكثر تضرراً، إذ تراوحت نسبة إشغال الفنادق بين 10 و15% فقط، في انهيار غير مسبوق لموسم سياحي كان يُعوَّل عليه لإنعاش الخزينة. وتراجعت حركة المطاعم بنحو 90%، وأصبح النشاط في أماكن السهر شبه معدوم، في حين انخفض نشاط مكاتب السياحة والسفر بنحو 80%. كما تراجع نشاط قطاع الخدمات بين 40 و50%، وانخفضت حركة تأجير السيارات بأكثر من 95%، فيما يشهد القطاع العقاري جموداً شبه كامل في حركة المبيعات.

 

المحروقات: ارتفاع قسري مع مخزون مطمئن

 

وفي قراءة تفصيلية لواقع قطاع المحروقات، كشف رئيس نقابة أصحاب محطات المحروقات جورج البراكس لـ"كافيين دوت برس" عن الأسباب الكامنة وراء موجة الغلاء الجديدة، مؤكداً أن "نشهد حاليًا ارتفاعًا في أسعار المحروقات، ويعود ذلك أساساً إلى ارتفاع أسعار النفط في الأسواق الدولية". وأوضح البراكس أن "التطورات الجارية في منطقة الخليج العربي، والحرب القائمة هناك، تؤثر بشكل مباشر على حركة الملاحة في مضيق هرمز، الذي يشهد أحيانًا إغلاقًا وفتحًا متكررًا نتيجة التوترات والاعتداءات التي طالت بعض الناقلات مؤخرًا".

 

وأشار إلى الأهمية الاستراتيجية لمضيق هرمز، كـ"ممر حيوي للطاقة على مستوى العالم، إذ يمر عبره نحو 20% من احتياجات الأسواق الدولية من النفط، أي ما يزيد على 21 مليون برميل يومياً". وأكد أن "أي اضطراب في حركة العبور عبر هذا المضيق يثير قلق المستثمرين ويؤدي إلى ارتفاع أسعار النفط"، مشيرًا إلى أن سعر برميل نفط برنت يتراوح حالياً بين 102 و103 دولارات، وهو ما ينعكس مباشرة على أسعار المحروقات في لبنان نظرًا الى اعتماد البلاد على الاستيراد من الخارج.

 

وفي تفسيره لانتقال هذا الارتفاع إلى السوق المحلية، قال "صحيح أن لبنان يستورد المحروقات من مصافي تقع في حوض البحر المتوسط وليس مباشرة من الخليج العربي، إلا أن هذه المصافي تعتمد في الأساس على النفط الخام الاتي من الخليج. كما أن أسعار المشتقات النفطية ترتبط دائماً بالأسعار العالمية في الأسواق والبورصات، ما يجعل أي ارتفاع عالمي ينعكس تلقائياً على الأسعار في لبنان".

 

لكن البراكس سارع إلى طمأنة اللبنانيين بشأن توافر المحروقات، مؤكداً أن "الوضع الحالي لن يؤدي إلى تعطل توافر المحروقات أو إلى حدوث أزمة في هذا القطاع". وأوضح أن "لبنان يستورد المحروقات من مصافي موجودة في حوض البحر المتوسط، ولا سيما من إيطاليا وتركيا واليونان، وخط النقل البحري من هذه الدول ما زال مفتوحًا، بخلاف ما يحدث في منطقة الخليج التي تشهد توترات عسكرية. كما أن الموانئ اللبنانية لا تزال تعمل بصورة طبيعية، ما يسمح للبواخر بالوصول وتأمين الإمدادات اللازمة للسوق المحلي".

 

وكشف عن وجود "أكثر من مستوى من المخزون في لبنان، فهناك أولاً المخزون الموجود في مستودعات الشركات المستوردة، وهو مخزون كان متوافرًا قبل الحرب وقد جرى تعزيزه بكميات إضافية كإجراء احتياطي. وهناك أيضًا مخزون لدى محطات الوقود التي رفعت بدورها مستوى الاحتياطي لديها مقارنة بما كان عليه الوضع سابقًا".

 

وفي سياق لافت، أشار البراكس إلى "مخزون غير مباشر موجود في سيارات المواطنين أنفسهم، فبسبب القلق من احتمال حدوث أزمة، يعمد كثير من المواطنين إلى إبقاء خزانات سياراتهم ممتلئة بالوقود". وكشف أن "عدد السيارات في لبنان يبلغ نحو مليون وثمانمئة ألف سيارة، وإذا افترضنا أن متوسط الكمية الموجودة في كل سيارة لا يقل عن 25 ليتراً، فإن ذلك يعادل نحو 45 مليون ليتر من البنزين، أي ما يوازي حمولة باخرة ونصف تقريبًا، وهذا يشكل بدوره احتياطياً إضافياً داخل السوق".

 

وأضاف: "اجتماع هذه العوامل، أي المخزون لدى الشركات المستوردة، والمخزون في محطات الوقود، والكمية الموجودة في سيارات المواطنين، إضافة إلى استمرار وصول البواخر عبر الخط البحري المفتوح، يجعل الوضع مطمئناً في الوقت الراهن. فإذا استمرت الظروف كما هي، فلا يُتوقع حدوث انقطاع في المحروقات أو أزمة في هذا المجال".

 

وفي ما يتعلق بمدة كفاية المخزون، أوضح البراكس أن "من الصعب تحديدها بدقة في ظل استمرار الاستيراد، لأن الكميات الموجودة في المستودعات لا تُعد مخزونًا ثابتًا، بل يجري تعويضها باستمرار عبر الشحنات الجديدة. لكن في حال توقف الخط البحري وتوقفت البواخر عن الوصول، عندها فقط يمكن تقدير المدة التي يكفي فيها المخزون المتبقي". وكشف أن "الاستهلاك اليومي في لبنان يبلغ نحو 8 ملايين ليتر من البنزين، وحوالي 10 ملايين ليتر من المازوت يومياً".

 

وعن مستقبل الأسعار، قال البراكس: "في حال حدوث انفراج ووقف الحرب، فمن الطبيعي أن ينخفض سعر برميل النفط في الأسواق العالمية، إلا أن توقيت ذلك وحجمه يبقيان غير واضحين، لأن مسار انتهاء الحرب وطبيعة التسوية التي قد تنهيها لا تزال غير معروفة. لكن بشكل عام، إذا توقفت الحرب وانخفضت أسعار النفط عالمياً، فإن هذا الانخفاض سينعكس إيجاباً على أسعار المحروقات في لبنان، نظراً لارتباطها المباشر بالأسعار العالمية، وبالتالي من المتوقع أن تتراجع الأسعار في السوق المحلية من جديد".

 

قطاع الدواء: لا أزمة والأسعار ثابتة

 

من جهته، طمأن نقيب الصيادلة في لبنان عبد الرحمن مرقباوي اللبنانيين بشأن أوضاع قطاع الدواء، نافياً أي احتمال لحدوث أزمة في المدى المنظور. وقال مرقباوي  "بالنسبة إلى ما يُتداول حول احتمال حدوث أزمة أدوية قريباً، لا يُتوقع حصول أي أزمة إن شاء الله. فطالما أن المرفأ والمطار لا يزالان يعملان بشكل طبيعي، فإن عملية استيراد الأدوية مستمرة ولا توجد أي مشكلة في توفرها".

 

وفي ما يخص الأسعار، أكد مرقباوي لـ"كافيين دوت برس" أن "لا يُفترض أن يحدث أي ارتفاع، لأن أسعار الأدوية محددة من قبل وزارة الصحة". وأضاف: "تطبيق وزارة الصحة متوافر على الهواتف الذكية، ويمكن للمواطنين من خلاله الاطلاع على الأسعار الرسمية لجميع الأدوية. ويحرص الصيادلة بدورهم على الالتزام بهذه الأسعار كما هي محددة من الوزارة".

 

وكشف نقيب الصيادلة عن وجود مخزون استراتيجي يكفي لفترات طويلة، قائلاً: "بالنسبة إلى المخزون، فطالما أن المرفأ يعمل بصورة طبيعية فلا يوجد أي نقص. وحتى في حال توقف المرفأ أو المطار – لا سمح الله – فإن مخزون الأدوية المستوردة يكفي لمدة ثلاثة أشهر، في حين يكفي مخزون الأدوية المصنعة محلياً في لبنان لمدة تصل إلى ثمانية أشهر".

 

ونفى مرقباوي بشكل قاطع ما يُثار حول وجود احتكار في سوق الدواء، مؤكداً أن "ما يُقال عن وجود احتكار غير صحيح إطلاقًا، ولا يوجد أي احتكار في سوق الدواء حالياً. والحمد لله، لا توجد أي مشكلة في هذا المجال".

 

الخبز والطحين: استقرار الأسعار مع احتمال خفض الوزن

 

أما في قطاع الخبز والأفران، فقد أكد اتحاد نقابات الأفران في لبنان لـ"كافيين دوت برس"، أن "توافر الطحين والقمح في البلاد يستمر لأكثر من ثلاثة أشهر، سواء في المطاحن أو الأفران أو الشحنات الموجودة في البحر".

 

وحول مسألة ارتفاع سعر الخبز، شدد اتحاد الأفران على أن "أي زيادة يجب أن تكون موضوعية وتراعي أوضاع المواطنين في هذه المرحلة الصعبة، وألا تؤدي إلى مزيد من الضغط عليهم". وكشف الاتحاد أن "سعر ربطة الخبز سيبقى على حاله، أي 70 ألف ليرة، بعد زيادة خمسة آلاف ليرة منذ أيام"، لكنه توقع "أن يتم خفض وزن الربطة، لا زيادة سعرها، يوم الاثنين المقبل، في حال استمر ارتفاع سعر المازوت".

 

في السياق نفسه، أكدت نقابة مستوردي المواد الغذائية أن "العين على مرفأ بيروت، وطالما هو مفتوح فلا مشكلة بالمواد الغذائية، وهي موجودة وبوفرة في الأسواق والمستودعات". وأشارت النقابة لـ"كافيين دوت برس" إلى أن "لبنان كان في مرحلة تحضير لشهر رمضان وعيد الفصح، وبالتالي مخزون البضائع كبير، وعلى المواطنين التبضّع لفترة وجيزة، ولدينا خطة بديلة في حال حصول أي تطوّر".

وشددت النقابة على أن "الاحتكار ممنوع، وكل تاجر يرفع أسعاره هو مجرم، ووزارة الاقتصاد بالمرصاد".

 

رقابة مشددة في الأسواق

 

وفي إطار مواجهة أي ممارسات احتكارية أو استغلالية، أفاد مصدر من وزارة الاقتصاد لـ"كافيين دوت برس" بأن "الفرق الرقابية في مديرية حماية المستهلك نفذت عشرات الجولات الميدانية في مختلف المناطق اللبنانية، بتوجيهات من وزير الاقتصاد والتجارة عامر البساط".

وكشف المصدر أن هذه الجولات "أسفرت عن تنظيم عدد من محاضر الضبط بحق مخالفين شملت مخالفات احتكار قوارير الغاز، ومخالفة السعر الرسمي للغاز والمولدات، والتلاعب بالأسعار في أسواق الخضار، وعدم إعلان الأسعار، إضافة إلى ضبط حالات غش في أوزان السلع الغذائية والخضار واللحوم الفاسدة".

 

هكذا، يبدو المشهد اللبناني معقداً ومتداخلاً، إذ تعيش البلاد حالة من الشلل الاقتصادي شبه الكامل في معظم القطاعات، مع ارتفاع جنوني في أسعار المحروقات، لكن مع تطمينات رسمية ونقابية بتوافر المخزونات الأساسية من سلع وخدمات حيوية، وسط رقابة مشددة لضبط الأسواق ومنع الاحتكار، في انتظار ما ستسفر عنه تطورات الحرب من انفراجة تعيد الحياة إلى اقتصاد منهك ومواطن أنهكته الأزمات.

اقرأ المزيد من كتابات ربيع يونس