آلاف الكتب تحت الركام والرماد: إسرائيل تستهدف الذاكرة الثقافية
استهداف مكتبة فيلوسوفيا
من بين الركام المتناثر في الضاحية الجنوبية لبيروت، لا تبدو الخسائر مقتصرة على أبنية ومحال تجارية دمرتها الغارات الإسرائيلية الأخيرة، بل تمتد لتطال ما هو أبعد من الحجر، إلى الذاكرة والمعرفة والثقافة. فالمكتبات ودور النشر التي تحولت خلال السنوات الماضية إلى فضاءات للقراءة والنقاش وإنتاج المعرفة، وجدت نفسها هذه المرة في مواجهة حرب تستهدف أيضاً الكتاب، بما يحمله من تاريخ وأفكار وسرديات وهوية ثقافية.
في مكتبة "فيلوسوفيا"، لم يكن المشهد مختلفاً. فبحسب مدير المكتبة عباس فقيه في تصريح لـ"كافيين دوت برس"، تسببت الغارات بأضرار مادية كبيرة، كان أشدها في المستودع الذي يضم آلاف الكتب. ويقدّر فقيه خسائر الكتب وحدها بما لا يقل عن 200 ألف دولار، مشيراً إلى أن المكتبة فقدت مجموعات واسعة من الإصدارات الحديثة والكلاسيكية، بينها أعمال لعدد من أبرز الشعراء والروائيين العرب الذين شكّلوا جزءًا من الذاكرة الثقافية العربية المعاصرة.
ولا يقتصر الأمر على الخسارة المادية، إذ يرى فقيه أن ما جرى يمثل استهدافًا مباشرًا للثقافة والمعرفة. فالمكتبة، بالنسبة إليه، ليست مجرد مكان لبيع الكتب، بل مساحة للنقاش والندوات والأنشطة الثقافية وورش الأطفال، ومحاولة دائمة للحفاظ على علاقة الأجيال الجديدة بالكتاب الورقي في زمن تتزايد هيمنة العالم الرقمي ووسائل التواصل الاجتماعي.
ويؤكد فقيه أن هذه ليست المرة الأولى التي تتعرض فيها المكتبة لأضرار نتيجة القصف الإسرائيلي، إذ سبق أن تضررت مرتين خلال السنوات الأخيرة. وفي كل مرة كان العاملون فيها يعمدون إلى ترميم المكان وإعادة فتح أبوابه سريعًا. إلا أن الضربة الأخيرة كانت الأقسى، نظرًا الى حجم الدمار الذي أصاب المستودع ومحتوياته. ورغم ذلك، يشدد على أن العلاقة مع الكتاب تتجاوز الحسابات التجارية، معتبرًا أن الشغف بالثقافة والمعرفة هو ما يدفعهم إلى الاستمرار وإعادة البناء بعد كل استهداف.
وفي مكان آخر من الضاحية الجنوبية، كانت الخسارة أكبر حجماً. فقد كشفت دار "مؤمنون بلا حدود" لـ"كافيين دوت برس" أن مستودعاتها التي تمتد على مساحة تقارب ألف متر مربع تعرضت للقصف مرتين، ما أدى إلى انهيار المبنى بالكامل واحتراق محتوياته. وبحسب الدار، دُمّر نحو 400 ألف كتاب، تمثل حصيلة الإنتاج والنشر منذ تأسيسها عام 2016، في واحدة من أكبر الخسائر التي تطاول قطاع النشر اللبناني خلال السنوات الأخيرة.
ورغم ضخامة الخسارة، تؤكد الدار أنها ستواصل عملها وستعيد طباعة أبرز عناوينها، معتبرة أن التحدي الأساسي لا يقتصر على تعويض الخسارة المادية، بل يشمل أيضًا استعادة ما تصفه بالخسارة المعرفية التي خلّفها تدمير هذا الكّم الهائل من الكتب.
ويطرح استهداف المكتبات ودور النشر أسئلة تتجاوز البعد العسكري المباشر. فالكتب ليست مجرد بضائع قابلة للاستبدال، بل مستودعات للذاكرة الجماعية وحاملة للهوية الثقافية والفكرية. وعندما تُدمّر مكتبة أو يحترق مستودع كتب، لا تضيع أوراق وحبر فحسب، بل تتعرض مساحات من الإنتاج الفكري والتاريخي لخطر المحو والتغييب.
وفي التاريخ الحديث، ارتبط استهداف الكتب والمكتبات غالبًا بمحاولات السيطرة على السرديات الثقافية وإضعاف المجتمعات من خلال ضرب مؤسسات إنتاج المعرفة. فالحروب لا تُخاض بالسلاح وحده، بل تشمل أيضًا صراعاً على الذاكرة والوعي والرواية التاريخية. لذلك ينظر كثير من المثقفين إلى ما أصاب مكتبات ودور نشر في الضاحية الجنوبية باعتباره جزءاً من استهداف أوسع للبنية الثقافية، خصوصاً في ظل تدمير آلاف الكتب التي توثق تجارب فكرية وأدبية وتاريخية تراكمت على مدى سنوات.
ورغم المشهد القاتم، يتمسك أصحاب المكتبات ودور النشر بفكرة الاستمرار. فبين الأنقاض، لا يزال الكتاب بالنسبة إليهم رمزًا للمقاومة الثقافية وحفظ الذاكرة. ومن هنا، تبدو عملية إعادة فتح المكتبات وإعادة طباعة الكتب محاولةً للدفاع عن المعرفة في مواجهة الحرب، ورسالة بأن الثقافة قادرة على النهوض مجددًا بعد أكثر الضربات قسوة.