تطورات الوضع الميداني جنوبًا: المعركة الكبرى تلوح في الافق؟

تطورات الوضع الميداني جنوبًا: المعركة الكبرى تلوح في الافق؟

بعد مرور ما يزيد على العشرين يوما على الحرب المستحدثة، كيف يبدو الوضع الميداني على الحدود الجنوبية؟ .

من خلال مراقبة مجريات الأعمال العسكرية عن كثب، يتضح أن معارك ضارية يتردد صداها على وسائل الإعلام أكثر مما هي عليه في الواقع الميداني. وأن التوغلات التي تتوسع يوميا، أيضا في وسائل الإعلام، هي أضيق بكثير مما هي عليه على الأرض  

فبالنسبة الى المعارك، باستثناء ما يجري في الخيام، لم تجر طيلة هذه الفترة معارك محتدمة كما نعهدها في القاموس العسكري. فعلى طول الحدود البالغة حوالي ٧٠ كيلومترًا، جرت اشتباكات محدودة بين عناصر حزب الله والجيش الإسرائيلي. هذه الإشتباكات ـــــ المناوشات حصلت عندما تيسر لعناصر الحزب إطلاق بعض الصواريخ المحمولة على الكتف اتجاه مدرعات اسرائيلية، وجرى الردّ عليها. أو عندما رصدت المسيرّات مسلحي الحزب واستهدفتهم هي أو استهدفوا بقذائف مدفعية من مرابض داخل الحدود، وبقذائف الدبابات داخل الأراضي اللبنانية. وفي الأماكن التي تبتعد عن الحدود استعمل الإسرائيليون طائراتهم الحربية.

توغلات هي تكريس لما كان قائمًا

 

أما في ما خص البقعة الجغرافية للعمليات، فقد شهدت تبدلات طفيفة لا تتعدى المئات من الأمتار. وجاءت تكريسًا لواقع لم يتغيّر منذ إعلان وقف إطلاق النار في تشرين الثاني ٢٠٢٤.  فمنذ ذلك التاريخ لم يتوقف الجيش الإسرائيلي عن الدخول إلى القرى الحدودية المحاذية للخط الأزرق، وأجرى فيها عمليات تدمير أو خطف أو اغتيال. وإن كل ما جرى منذ تجدّد الحرب حاليًّا هو تكريس لهذه التوغلات، بزيادة العدة والعديد. وهذه التوغلات المحدودة تكون على شكل مناورات، يجري فيها تقدم وانسحابات. أو يتمّ تكريس مواقع جديدة تتحكم بجغرافية المنطقة. وحتى هذه المواقع المستحدثة، لا معالم واضحة لها، فمرة يذكر عددها اثنا عشر، حتى تصل في مرات أخرى إلى الأربعين، وكلها تقديرات تدل على اعتماد الإسرائيلي المناورات المتحركة لاستبعاد أن يكون هدفًا ثابتًا لصواريخ الحزب أو مسيّراته.

معركة الخيام  علامة فارقة 

معركة الخيام  علامة فارقة 

 

لا شك أن الموقع الجغرافي لمدينة الخيام هو موقع هامّ، إذ يطلّ على إصبع الجليل ومستوطناته. كما يعتبر معبرًا إلى منطقة حاصبيا فالبقاع الغربي. غير أن العديد من قرى وبلدات الخط الحدوديّ تشكّل مواقع مشرفة على شمال اسرائيل، وتعتبر معابر إلى الداخل اللبناني ، وخاصة إلى نهر الليطاني. فلم أخذت الخيام هذا البعد الميداني ؟ ربما لرمزبتها، كونها من أكبر المدن على الحدود. فحزب الله لم يرد أن يقدمها للجيش الإسرائيلي بسهولة. ومن الأرجح أنه كان فعل ذلك لو دخلت القوات الإسرائيلية إلى مدينة بنت جبيل، وهو بالتأكيد سيفعل أكثر من ذلك بكثير إذا حاولت القوات الإسرائيلية دخول مدينة النبطية.

وهكذا، فحزب الله أراد أن يسجل واقعة عسكرية لها صداها الرمزية إضافة إلى الميدانية. وهو بلا شك دفع ثمنها باهظًا في الأرواح ، إضافة إلى التدمير الشامل. وبالنسبة للجيش الإسرائيلي ، فهو قد استطاع في الأيام الأولى أن يحيّد التأثير الأمني للمدينة على مستوطنات الشمال ، وتعامل مع هذه المعركة على أنها " كمين مفتوح " ، يستنزف من خلالها قدرات هامة من الحزب، دون أن تشكّل خطرًا عليه. وفيما لو استمرت المدينة تشكّل هذا الخطر، لكان عمد إلى احتلالها في شكل كامل منذ البداية، حتى ولو دفع ثمنًا بالأرواح والآليات من أجل هذه الغاية. فإسرائيل توازن بين أهمية أهدافها الأمنية وخسائرها البشرية خاصة.

في كل حال فإن إسرائيل لا تزال تعمل في لبنان على التمهيد لمعركتها الكبرى، دون أن تغامر، حتى الآن، في معارك مفتوحة وتوغلات واسعة، مع حرصها على تقليص خسائرها البشرية إلى أدنى حدّ ممكن.  فهي لم تعلن حتى الآن إلا عن سقوط قتيلين لها في جنوب لبنان إضافة إلى عدد من الجرحى. ولكن ما إن  تقرر القيام بعمليات عسكرية كبيرة، فهي كعادتها ، ستقدّر عدد الإصابات التي من المحتمل أن تلحق بها . وإن عدّاد الإصابات هذا ، إضافة إلى الخسائر المادية، يرتفع أو يهبط قياسًا لأهداف حملتها العسكرية النهائية.

وهي تمهّد لذروة حربها بقطع الطرقات، وتدمير البنية التحتية، وإلحاق أكبر خسائر ممكنة بمقاتلي حزب الله وعتاده. وبموازاة ضغطها الميداني، فهي تمارس ضغطًا نفسيًّا ومعنويًّا ، من خلال إعلانها الدائم عن دخول فرق متخصصة إلى أرض المعركة، ومباشرتها العمل العسكري، ومنها فرق لم نسمع أنها عملت سابقا في لبنان.

اقرأ المزيد من كتابات بيار حبيب