تنازع ايراني اسرائيلي بعد اتفاق الإطار
ترامب يوقع الاتفاق مع ايران
لم يجفّ بعد حبر مذكرة التفاهم الاميركية الايرانية ،ولا اتفاق الاطار اللبناني الاسرائيلي في واشنطن، لتعاوَد الضربات الجوية المتبادلة بين الطرفين باستهداف ايران سفينة شحن في مضيق هرمز ،بينما العمل كان جاريًا على إجلاء عدد كبير من السفن وآلاف البحارة العالقين في منطقة الخليج منذ اندلاع الحرب. وقوبل هذا الخرق بردّ اميركي عالي النبرة.وفي لبنان نزل مناصرو حزب الله الى محيط السرايا الحكومي من جديد إحتجاجًا على اتفاق الاطار، في رابط واضح بين الحرَاكين. فإيران التي ذهبت الى توقيع مذكرة التفاهم تحت وطأة الضغط الذي مارسه الرئيس الاميركي بالتهديد والوعيد بضربات قواته الجوية، وتجاوز هذا الضغط الى التنفيذ عشية توقيع هذه المذكرة.
لم تتوقع ايران التوصل سريعًا الى توقيع اتفاق واشنطن، ولا ان يذهب مضمونه الى تحجيم دورها اكثر في لبنان، بعد نفوذ عسكري وسياسي بنته لاربعة عقود، ولا الى سحب يدها من هذه الورقة الاساسية بالنسبة اليها بلا ثمن يمكن ان يحفظه لها هذا الاتفاق، وابعد من الذي لحظه التفاهم المزدوج في عضويّتها في الخليّة الامنيّة لحفظ الامن في الجنوب او إبعاد وصايتها عن الملف. ولا ارضى هذا الاتفاق اسرائيل أيضًا ، وشكّل تقاطعًا مع ايران بعدم الرضى عنه. فمنذ الاعلان عن اتفاق الإطار اعرب نتنياهو تكرارًا عن نيته الإبقاء على قواته جنوب الليطاني، واستمر في استهدافاته البشرية جوًا وعلى الارض، موقعًا المزيد من الضحايا والدمار، وآخر هذه التجاذبات الميدانية تحدث الاعلام الاسرائيلي عن سقوط ضابط اسرائيلي في اشتباك مع مسلح من حزب الله جنوبًا، والطائرات المسيرة لا تلبث ان تعود. فضلًا عن ان حسابات نتنياهو الرافضة لهذا الاتفاق، تتجاوز الانتخابات التي ستقرر مصيره السياسي في اسرائيل، الى صورة الشرق الأوسط الجديد المرسوم وفق منظور الدولة العميقة التي يحكمها. وثمة خشية من ان ينعكس هذا التوتر والتصعيد العسكري على "المناطق التجريبية" الواقعة بين شاقوفَين، رغم انه بات من الصعب العودة الى الوراء في الاقليم والجنوب ، واللجوء الى التفلت العسكري الواسع، أقله في المدى المنظور ، والمضي فيه لن يجدي سوى المزيد من الخراب. ثمة تحولات في الواقع الجيوسياسي ، في ظل بوادر تحالفات اقليمية جديدة تأخذ طريقها، فيما ساحة الصراع تضيق أكثر امام الخيارات السياسية والامنية. وحتذاك لا بدّ ، في لغة التفاوض الايراني الاميركي، من محاذير امنية تستقطعه، لأن البديل، وهو الاخطر والمُستبعد، العودة الى الحرب في صورتها السابقة، بعدما افرزت خاسرًا ورابحًا سواء في الاقليم او في الداخل اللبناني، والرهان على استمرارها لن يُبدّل في النتيجة سوى مزيد من الضحايا والخراب والدمار ، ما جعل لبنان الرسمي يتمسك بخيار استعادة سيادة الدولة. هذه الدولة الفتية، التي اثبتت كل التجارب السابقة، ان لا بديلًا منها، رغم كل محاولات إضعافها، ففيما كانت في امس الحاجة الى من يمدّ يدّ العون لها ، بعد سياسة الإهدار المزمنة، والازمة المالية والاقتصادية،هبت لمساعدة النازحين في وتأمين ما يلزم، بما في ذلك الاستشفاء لابنائها. واليوم تبرز الحاجة اكثر الى وجود هذه الدولة ، وخصوصًا ان البلاد تجتاز مرحلة صعبة ودقيقة ومصيرية، ما عادت تنفع معها الشعارات والرهانات التي تطلق وباتت تكرارًا لحروب ما قبل الطائف، وسقطت بحلوله. ولا طائل من التخويف من عودة الحرب الداخلية لغياب مبرراتها، وما اظهره اللبنانيون من وعي في احتضان النازحين في الحرب الثانية خلال عامين، اسقط هذا الرهان الى غير رجعة ، فاللبنانيون ملّوا الحروب وانواع النفوذ الذي تفرضه، وتعلموا من تجارب الماضي ان من يحميهم دولة مؤسسات قوية فاعلة مبنية على اسس متينة، بعيدًا من المصالح الزبائنية والفساد.