تهريبة تعديل المادة 66 من قانون الجامعة اللبنانية و"أمل" تبدو ضامنة للنتيجة

تهريبة تعديل المادة 66 من قانون الجامعة اللبنانية و"أمل" تبدو ضامنة للنتيجة

الجامعة اللبناينة

في كلّ مرّة يُطرح فيها تعديل قانوني في لبنان، يتجاوز النقاش حدوده التقنيّة سريعًا ليتحوّل إلى مرآة تعكس طريقة "تذاكي" الدولة نفسها. وها هو ملف الجامعة اللبنانيّة يعود إلى واجهة الجدل من خلال اقتراح تعديل القانون رقم 66 الصادر عام 2009، كعنوان جديد لسؤال أوسع يتعلّق بكيفيّة إنتاج القرار العام وحدود الاستثناء فيه.

فالجلسة التشريعيّة التي كانت متوقعة اليوم، والتي يُفترض أن تناقش 11 مشروع قانون و16 اقتراح قانون، حملت ضمن جدول أعمالها بندًا يطال ولاية رئيس الجامعة اللبنانية، عبر اقتراح يقضي بتعديل ولاية رئيس الجامعة اللبنانية المحددة في قانون  تنظيم المجالس الاكاديمية في الجامعة اللبنانية، بخمس سنوات، غير قابلة للتجديد، الا بعد انقضاء ولاية كاملة. ويقضي التعديل جعل الولاية قابلة للتجديد ليسمح للرئيس الحالي بتمديد ولايته التي تنتهي بعد اشهر قليلة.وتأتي محاولة تمرير التعديل اليوم، لتنسف، بعد انجاز عام 2009، روح التعديل الاساسي الذي جاء قبل 16 عامًا، لمنع تكريس المواقع واضعاف مبدأ التداول الديموقراطي للمسؤولية.

ومتابعةً لهذا الملف، علم "كافيين دوت برس" من مصادر داخل رابطة أساتذة الجامعة اللبنانيّة، أنّ اعتراض غالبيّة الأساتذة على تعديل القانون لا ينطلق من موقف شخصي تجاه رئيس الجامعة الدكتور بسّام بدران، بقدر ما يأتي من منطلق الحرص على انتظام العمل الأكاديمي، إضافةً إلى موقف مبدئي ومؤسساتي بحت لا يحمل أي خلفيّة سياسيّة.

وأشارت إلى أنّ "الرابطة" تتمسّك بقانون تنظيم الجامعة اللبنانية الصادر عام 2009، والذي ينصّ بوضوح على أنّ ولاية رئيس الجامعة تمتد لخمس سنوات غير قابلة للتجديد إلاّ بعد انقضاء ولاية كاملة، مشددةً على أنّ المشرّع لم يورد عبارة "بعد انقضاء ولاية كاملة" عبثًا أو صدفة، إنّما بهدف تكريس مبدأ تداول المسؤوليات الإدارية، ومنع التأبيد الوظيفي، وتجديد الرؤية الأكاديميّة، وصون استقلالية الجامعة الوطنيّة.

وأضافت "قانون تنظيم الجامعة يحدّد الولاية الزمنية لكل من رئيس الجامعة والعمداء والمديرين وفق المبدأ نفسه، وبالتالي لا يمكن، برأيها، اعتماد استنسابية تسمح لرئيس الجامعة بتولّي ولايتين متتاليتين فيما يُمنع الأمر ذاته على العمداء والمديرين، معتبرةً أنّ أي توجّه لتكريس هذا الواقع سيؤدي إلى اعتماد نهج "تسلّطي" داخل المؤسسة الأكاديميّة".

 

وأوضحت المصادر أنّ الوقائع التاريخيّة منذ تأسيس الجامعة اللبنانيّة تُؤكد التزام جميع رؤسائها بولاية مدتها خمس سنوات بعد اتفاق الطائف، مستشهدةً بأسماء رؤساء سابقين من بينهم زهير شكر، وإبراهيم قبيسي، وعدنان السيد حسين، وفؤاد أيوب. كما أعادت التذكير بأنّ المشرّع إدمون نعيم تولّى رئاسة الجامعة بين عامي 1970 و1976، أي قبل صدور قانون تنظيم الجامعة، ومع ذلك لم تتجاوز ولايته ست سنوات رغم ظروف الحرب الأهلية آنذاك، معتبرةً أنّه، على الرغم من مكانته وأهميّة دوره في تلك المرحلة، لم يطلب تجديد ولايته ولم يُمدّد له. وتساءلت المصادر: "هل يُعتبر بسّام بدران أهمّ من إدمون نعيم"؟.

ولفتت إلى أنّ نعيم قاد المؤسسة الجامعيّة بنجاح ضمن ولاية محدّدة، من دون تحويل المنصب إلى موقع دائم، موضحةً أنّ التجارب التاريخيّة أثبتت مرارًا أنّ استمرارية الجامعة ترتبط باستمراريّة المؤسسة لا باستمرارية الأشخاص، إذ تعاقب على إدارتها عشرات الرؤساء وبقيت الجامعة قائمة.

أمّا في ما يتعلّق بتبرير تعديل القانون بالظروف الاستثنائيّة التي يمرّ بها لبنان، فرأت المصادر نفسها أنّ الجامعة اللبنانية واجهت منذ تأسيسها أزمات ماليّة واقتصاديّة وأمنيّة وسياسيّة متلاحقة، مستذكرةً محطات كبرى من بينها اغتيال الرئيس رفيق الحريري، وأحداث 14 و8 آذار، ومع ذلك كان كل رئيس ينهي ولايته ويسلّم المسؤوليّة لخلفه من دون أن يخطر في بال أي رئيس سابق اقتراح تعديل القانون أو السعي إلى البقاء في المنصب.

وأسهبت المصادر في شرح أنّ الحديث عن ضرورة تجديد ولاية بدران لاستكمال مشروعه يطرح تساؤلات عدة، أبرزها: هل قدّم منذ تعيينه مشروعًا واضحًا ومحددًا؟ وهل أعلن أصلًا عن مشروع لم يتمكن من استكماله؟، معتبرةً أنّ التطرّق لفكرة مفادها بأنّ خمس سنوات غير كافية لإنجاز مشروع رئاسة الجامعة يفتح الباب أمام منطق يمكن إسقاطه حتى على رئاسة الجمهورية، بحيث يُقال إنّ ست سنوات لا تكفي لتنفيذ مشروع الرئيس فيبقى في منصبه لعقود. وشدّدت على أنّ أي مشروع في الجامعة يجب أن يكون مؤسساتيًا لا شخصيًا، مشيرةً إلى أنّ كثيرين لا يزالون يجهلون ماهية المشروع الذي يتحدث عنه بدران.

 

ورأت أنّ الإصرار على تعديل القانون يعود إلى قدرة بدران على إقناع "الثنائي الشيعي" بأنّه الخيار الأفضل والأنسب، كاشفةً عن علاقة صداقة قويّة تجمعه بعضو كتلة "التنمية والتحرير"، النائب علي حسن خليل، لذلك بحسب المصادر يسعى بدران عبر هذه العلاقة إلى إيصال الفكرة إلى رئيس مجلس النواب نبيه بري.

 

وفي الإطار نفسه، أوضحت المصادر أنّ السماح لمرشحين آخرين بخوض المنافسة إلى جانب الرئيس الحالي لن يؤمّن تكافؤًا حقيقيًا للفرص، إذ إنّ ترشّح بدران لولاية ثانية يضعه في موقع متقدّم بحكم موقعه الحالي، مشددةً على أنّ مبدأ تكافوء الفرص في تولّي الوظائف العامة مكرّس دستوريًا في المادة 12 من الدستور اللّبناني.

وأضافت "رئيس الجامعة، بحكم موقعه، يشارك في آلية اختيار الأسماء المرشحة ويرفعها إلى وزيرة التربية ريما كرامي، ما يخلق تضارب مصالح، إذ يصبح في آن واحد مرشحًا وناخبًا، الأمر الذي قد يتيح له، بحسب المصادر، التأثير في آلية الترشيح وإبراز أسماء يراها أقل قدرة على منافسته، عندها تكون إعادة ترشيحه تشكّل عمليًا "تمديدًا مقنّعًا". وتساءلت المصادر عن أسباب قبول الأحزاب السياسيّة بهذا الأمر في الجامعة اللبنانية من خلال عدم رفع الصوت، فيما ترفض التمديد في سائر مؤسسات الدولة وأبرزنا ملف الاستحقاق النيابي. 

ولفتت إلى أنّ الجامعة اللبنانيّة هي بمثابة مصنع النخب، ولا يجوز حرمان الأساتذة من حقهم في الترشّح وخوض المنافسة الديمقراطيّة، مستندةً إلى أنّ عددًا من الأساتذة المحسوبين على حركة "أمل" قد يمتنعون عن الترشح انطلاقًا من اعتبارهم أنّ القرار محسوم من عين التينة والتزامًا بهذا التوجه.

 

وتمنّت المصادر أن تُعيد الكتل النيابيّة النظر في مواقفها، كاشفةً أنّ موقف "التيار الوطني الحرّ" لا يزال ملتبسًا وقد يذهب في نهاية المطاف إلى تأييد تعديل القانون، فيما لا تزال كتلتا "القوّات" و"الكتائب" ترفضان التعديل بجميع أشكاله.

وختمت حديثها متسائلةً "رغم الحرب الدائرة في الجنوب، ورغم أنّ غالبية أساتذة الجامعة اللبنانية هم من الطائفة الشيعية، ألاّ يوجد بين أبناء هذه الطائفة من يستطيع تولّي هذا المنصب غير الدكتور بدران؟"، معتبرةً أنّ هذا الطرح يشكّل إساءة للطائفة وتقليلًا من قدرات بقية الأساتذة". أمّا إذا كان الهدف هو الاقتداء بالنموذج المعتمد في الجامعات الأوروبية، فمن الأجدر البدء بتطوير المناهج التعليمية واعتماد آليات المحاسبة الأكاديمية والإدارية المعمول بها في تلك الجامعات، لا الاكتفاء باستنساخ ما يناسب بعض الجهات فقط.

 القوى المسيحية غائبة عن السمع

ومتابعة لهذا الملف حاول " كافيين دوت برس" التواصل مع اعضاء لجنة  التربية الذين ينتمون الى القوى المسيحية لاستطلاع موقفهم، بعدما وافقوا على التعديل في اللجنة، لكنهم امتنعوا عن التعليق. 

 

لجنة التربية تُشيد بكفاءة بدران

 

 وتواصل "كافيين دوت برس" مع مصادر تربويّة في حركة "أمل"، متابعة للملف اذ أكدت أنّ هناك حفنةً من الأسباب التي تبرّر تعديل القانون، موضحةً أنّ ما سيُطرح في الجلسة لا يُعدّ تمديدًا، إنّما تعديل لقانون يسمح لرئيس الجامعة بالترشح لولاية ثانية.

وبيّنت المصادر أنّ التعديل سيطال المادة 66 التي تنظّم شؤون الجامعة، والتي تنصّ حاليًا على أنّ ولاية رئيس الجامعة تمتد لخمس سنوات غير قابلة للتجديد إلا بعد انقضاء ولاية كاملة، مشيرةً إلى أنّ هذا التعديل سيُطبّق أيضًا على المديرين والعمداء، بحيث يتولّى الآن كل منهم ولاية واحدة ثم يترك المنصب قبل أن يتمكن من الترشح مجددًا.

وكشفت المصادر أنّ أعضاء لجنة التربية النيابيّة وافقوا بالإجماع، وبحضور الدكتور بدران، على التعديل الذي يسمح له بالترشح مجددًا، موضحةً أنّ اقتراح التعديل تقدّم به رئيس لجنة التربية النيابية النائب حسن مراد، وأنّ اللجنة تضم ممثلين عن مختلف الكتل النيابية، من دون تسجيل أي اعتراض أو ملاحظة، بل على العكس تمامًا، أثنى الجميع على كفاءة بدران.

 واعتبرت أنّ المداورة في الوظائف أمر إيجابي، إلاّ أنّ النظام البيروقراطي يجعل من خمس سنوات مدّة غير كافية لإنجاز المشاريع الكبرى، إذ قد تستغرق المناقصات والتحضيرات الإدارية سنوات طويلة قبل التنفيذ، ما يؤدي إلى أن يحصد الرئيس اللاحق نتائج الجهود التي بذلها سلفه.

وأشارت إلى أنّ  بدران تسلّم رئاسة الجامعة في ظروف بالغة الصعوبة، ترافقت مع جائحة كورونا والأزمة الاقتصادية والإضرابات التي شملت مختلف القطاعات، مؤكدةً أنّه بذل جهودًا كبيرة أسهمت في تحسين العديد من الملفات، قبل أن تندلع حرب 2023–2024 وتتواصل التوترات الأمنية الحالية، ما يجعل من المنطقي، بحسب رأيها، منحه فرصة ثانية لاستكمال مسيرته.

وختمت مصادر "أمل" حديثها بالقول إنّها تؤيد مبدأ المداورة، وأنّ هذه العمليّة لم تُلغَ أساسًا، لكن الفكرة تكمن في منح بدران فرصة إضافية لولاية ثانية، ومعتبرةً أنّ مشروع القانون سيُمرّر بسلاسة ومن دون عراقيل تُذكر، وأنّه سيتولّى ولاية ثانية حكمًا، إذ إنّه من غير المنطقي تعديل القانون ومنحه فرصة الترشح ثم عدم انتخابه، إلا إذا طرأ حدث استثنائي كبير.

اقرأ المزيد من كتابات كارين القسيس