لبنان على حافة التحوّل الكبير: مفاوضات الجمعة تفتح رسميًا ملف نزع سلاح "حزب الله"
عاش اللبنانيون يومين يُمكن وصفهما بأنّهما من أكثر الأيام حساسيةً وخطورةً منذ بدء التصعيد الأخير، وسط ترقّب مشوب بالخوف والقلق لمعرفة إلى أيّ اتجاه تمضي البلاد، وما إذا كانت المفاوضات الجارية تحمل فعلاً فرصة لإنقاذ لبنان أو أنّه يتجه نحو مرحلة أكثر اشتعالًا وتعقيدًا. وبالتالي بين الصمت السياسي والتوتر الأمني والتكتّم الديبلوماسي، كشفت مصادر أميركيّة لـ"كافيين دوت برس" أنّ لقاء أمس الجمعة هو بمثابة تحوّل بالغ الخطورة في مسار المفاوضات، عنوانه الأساسي: "الانتقال من البحث في وقف إطلاق النار إلى وضع خريطة طريق واضحة لنزع سلاح "حزب الله" بالكامل"، باعتباره، وفق المصادر نفسها، المدخل الوحيد لإعادة رسم المشهد اللبناني أمنيًاوسياسيًا.
وبحسب المصادر الأميركيّة نفسها، فإنّ الواقع اللبناني سيبقى معلّقًا ومفتوحًا على الاحتمالات كافةً إلى حين نزع سلاح "حزب الله" كاملًا من جميع الأراضي اللبنانية، وليس فقط من جنوب الليطاني أو شماله، معتبرةً أنّ المجتمع الدولي بات يتعامل مع هذا الملف بوصفه أولوية مطلقة لا يمكن تجاوزها أو الالتفاف عليها.
وكشفت المصادر أنّ تصريح رئيس مجلس النواب نبيه بري قبيل انطلاق الاجتماعات، والذي قال فيه إنّ "حزب الله" مستعد لوقف إطلاق النار شرط التزام إسرائيل بوقف اعتداءاتها على لبنان، لم يكن بريئًا أو عفويًا، إنّما جاء بحسب توصيفها، في إطار محاولة استباقية لتعطيل المسار الديبلوماسي وعرقلة التفاهمات قبل ولادتها، خصوصًا أنّ جلسة الخميس أظهرت بوضوح أنّ إسرائيل لن تمنح "الحزب" أي فرصة لإعادة ترميم بنيته العسكرية أو استعادة قدراته الميدانية تحت غطاء هدنة مؤقتة.
وأذ لفتت الى تمديد الهدنة لمدة 45 يوماً إضافية بين لبنان وإسرائيل، شددت على أنّ الاتفاق يُعقد بين الدولتين لا بين إسرائيل و"حزب الله"، في رسالة سياسيّة واضحة تعكس إصرار تل أبيب وواشنطن على تكريس الدولة اللبنانية كطرف رسمي وحيد في ترتيبات الهدنة وعدم استهداف المطار أو ما شابه، مع إبقاء حرية التحرّك العسكري الإسرائيلي قائمة ضد أي نشاط تعتبره تهديدًا مباشرًا لأمنها.
ولفتت المصادر الأميركيّة إلى أنّ ما جرى خلال الجلسة الثالثة، أي اليومين الماضيين يُعدّ تطورًا غير مسبوق مقارنةً بكل الجولات السابقة، إذ انتقلت المفاوضات من إطارها التقليدي المرتبط بالتهدئة وضبط الحدود، إلى مسار سياسي ـــــ أمني واسع يقود في شكل مباشر إلى ملف نزع سلاح "حزب الله". كذلك أوضحت أنّ الصمت الإعلامي وغياب التصريحات من مختلف الوفود المشاركة لم يكن أمرًا عاديًا، بقدر ما جاء نتيجة تفاهم ضمني لتجنّب الإحراج السياسي، في ظل وجود تقاطع واضح بين الموقفين الأميركي والإسرائيلي من جهة، والموقف اللبناني الرسمي من جهة أخرى، حول ضرورة حصر السلاح بيد الدولة اللبنانيّة وإعادة تثبيت مفهوم "الشرعية".
وأضافت المصادر أنّ أبرز ما أفرزته الاجتماعات الأخيرة يتمثل في الاقتناع الإسرائيلي ـــــ الأميركي بأنّ الدولة اللبنانية باتت شريكة فعلية في هذا المسار، بعدما وصلت إلى مرحلة لم يعد لديها فيها هامش واسع للمناورة أو خيارات بديلة في مواجهة الضغوط الداخليّة والخارجيّة.
وفي هذا الإطار، شددت المصادر على الأهميّة الاستثنائيّة للاجتماع الأمني المرتقب في البنتاغون بتاريخ 29 أيّار، بمشاركة وفود عسكرية من لبنان وإسرائيل، حيث سيتم البحث في شكل مباشر في الآليات التنفيذية لنزع سلاح "الحزب"، وكيفية تطبيق هذه الخطة ميدانيًا بالتنسيق مع الدولة اللبنانية، في خطوة تعكس انتقال الملف من مرحلة النقاش السياسي إلى مرحلة الإعداد العملي والتنفيذي.
ورأت أنّ الإدارة الأميركيّة تنظر إلى ما يجري على أنّه مسار مشترك تتحرك ضمنه واشنطن وتل أبيب وبيروت، ولو بأساليب مختلفة، نحو هدف واحد يتمثل في "إنقاذ لبنان" ومنع تحوّله مجددًا إلى ساحة تهديد لإسرائيل من قبل "حزب الله"، مع الإقرار في الوقت نفسه بأنّ الخلافات لا تزال قائمة حول تفاصيل التنفيذ وآلياته.
وختمت المصادر الأميركيّة حديثها برسالة شديدة الوضوح، معتبرةً أنّ هذه المرّة الأولى منذ انطلاق الاجتماعات التي تخرج فيها الوفود بإجماع فعلي على استكمال المفاوضات حتى الوصول إلى تسوية نهائية تنتهي بنزع سلاح "الحزب". لكنها حذّرت في المقابل من أنّ أي تراجع لبناني قبل موعد الجولة الرابعة من المفاوضات في الثاني والثالث من حزيران، سيعني عمليًا انهيار المسار الديبلوماسي بالكامل، وعندها، بحسب تعبيرها، ستكون إسرائيل قد حصلت على ضوء أخضر مباشر من البيت الأبيض لتنفيذ ما عجزت الدولة اللبنانيّة عن القيام به بنفسها.