ثلاثة أشهر خطيرة على لبنان: عون تلقّى الرسالة وغدًا يوم آخر

ثلاثة أشهر خطيرة على لبنان: عون تلقّى الرسالة وغدًا يوم آخر

عند الساعة السادسة مساء أمس، بتوقيت بيروت، انعقد اللقاء المرتقب بين الرئيس الأميركي دونالد ترامب ونظيره اللبناني جوزف عون، في محطة سياسيّة بارزة اكتسبت أهميّة خاصة داخل أروقة البيت الأبيض، ولا سيّما أنّها تأتي بعد عام ونصف من التأخير والمماطلة الرسميّة اللبنانيّة في تنفيذ القرارات المرتبطة بملف حصر سلاح "حزب الله" وبسط سلطة الدولة. 
ويأتي هذا اللقاء في لحظة إقليميّة بالغة الحساسيّة، أعادت فيها التطورات صياغة العديد من التوازنات والتحالفات في العراق وسوريا، بعدما انتقل لبنان إلى صدارة دائرة الاهتمام الأميركي، في ظل إدارة يقودها رئيس يبدو مصممًا على إعادة رسم ملامح المعادلات الإقليمية وترتيب أولوياتها. وقد أدى ذلك إلى تقاطع واضح بين المصالح الأميركية وتطلعات شريحة واسعة من اللبنانيين الساعين إلى ترسيخ سيادة الدولة، وتعزيز سلطتها، واستعادة قرارها الوطني الكامل. 
هذا التقاطع بين الاهتمام الأميركي والمصلحة اللبنانية ليس جديدًا، إذ تشكل تجربة عام 2005 نموذجًا واضحًا على قدرة التقاء إرادة البيت الأبيض مع القرار اللبناني على إحداث تحولات تاريخية. ففي ذلك العام، وجّه الرئيس الأميركي الأسبق جورج بوش الابن رسالة حاسمة إلى سوريا للخروج من لبنان خلال مهلة زمنية محددة، وهي ستة أشهر، الأمر الذي أدى إلى انسحاب آخر جندي سوري من الأراضي اللبنانية في 25 نيسان من العام نفسه، من دون أي تدخل عسكري أميركي مباشر، بالتوازي مع ضغط دولي واسع وحراك شعبي لبناني تمثل بثورة 14 آذار، إضافة إلى الدور الوطني الكبير الذي لعبه البطريرك الماروني الراحل مار نصر الله بطرس صفير. 
وبالتالي، أثبتت التجربة أنّ التقاء الإرادة الدوليّة مع القرار اللبناني قادر على تحويل الفرص السياسيّة إلى مسارات تغيير حقيقية، شرط وجود دولة قادرة على استثمار هذا الزخم وترجمته إلى خطوات عملية واضحة. واليوم، وبحسب مصادر أميركية مواكبة لزيارة عون إلى واشنطن، فإنّ لبنان وجد نفسه أمام لحظة مشابهة من حيث الأهمية، إذ بات يشكّل أولويّة في الحسابات الأميركية، كذلك تقاطعت هذه الحسابات مع المصالح الإسرائيليّة، إلاّ أنّ هذه الفرصة تبقى مرتبطة بعامل أساسي، وهو طبيعة الإدارة الأميركية وتوجهاتها التي قد تتغير أولويّاتها في أي وقت، ما يجعل عامل الوقت عنصرًا حاسمًا أمام لبنان.
وأوضحت المصادر نفسها أنّ اتصالات البيت الأبيض أظهرت حسن نية تجاه لبنان قبل لقاء عون بالرئيس ترامب، وذلك من خلال الانسحاب الإسرائيلي الذي حصل صباح أمس من بلدة زوطر الغربية، معتبرةً أن هذه الخطوة جاءت دعمًا لرغبة ترامب في إنجاح اللقاء وإعطائه زخمًا إيجابيًا، إذ كان من الممكن أن يتم الانسحاب يوم الاثنين أو في موعد لاحق، غير أنّ توقيته حمل رسالة سياسية واضحة. 
ولفتت إلى أن هذا الانسحاب لن يكون الأخير، وأن المسار سيشمل مناطق أخرى لاحقًا، لكن الانتقال إلى مراحل جديدة يتطلب تنفيذًا جديًا ومسؤولًا من قبل الجيش اللبناني، لأنّ أي ترتيبات مستقبليّة لن تكون قابلة للاستمرار من دون وجود مؤسسة عسكرية لبنانية قادرة على فرض سلطة الدولة وترجمة القرارات على الأرض. 
وأكدت المصادر أنّ تفاهمًا حصل بين الرئيسين حول ضرورة إنهاء حالة سلاح "حزب الله" وبسط سلطة الدولة اللبنانية على كامل الأراضي، مقابل التزام أميركي بدعم الجيش اللبناني بالتمويل والعتاد والتجهيزات التي يحتاج إليها للقيام بمهماته، مشيرةً إلى أن المشهد الذي جمع الرئيس ترامب بنظيره اللبناني كشف بوضوح ثمن المماطلة التي استمرت نحو عام ونصف من قبل الدولة اللبنانية، والتي أدت إلى وصول عون إلى واشنطن من دون أوراق قوة كافية يمكن استخدامها خلال اللقاء.

وشدّدت على أنّ ملف الانسحاب الإسرائيليّ لم يكن حاضرًا على طاولة البحث، إنّما ركز اللقاء على ضرورة وقف حالة العداء مع إسرائيل، والاستماع إلى رؤية ترامب حول كيفية إنهاء المرحلة المدمّرة التي مر بها لبنان. كذلكأصرّت على أن العودة إلى الوراء لم تعد خيارًا مطروحًا، وأنّ أي خطوة خاطئة في المرحلة المقبلة ستكون كلفتها باهظة جدًا على لبنان، سياسيًا وأمنيًا واقتصاديًا. 
واعتبرت أن ترامب أحرج عون عندما طرح إمكانية تدخل الرئيس السوري أحمد الشرع في لبنان، موضحةً أن هذا الطرح حمل رسالة واضحة إلى الرئاسة اللبنانية وإلى الداخل اللبناني، مفادها بأنّ عدم قدرة الجيش اللبناني على القيام بدوره قد يفتح الباب أمام سيناريوهات أخرى. كذلك أكّدت أن الرسالة الأساسية كانت أن مسؤوليّة معالجة ملف السلاح تقع على عاتق الدولة اللبنانية، وأنّالمطلوب إثبات قدرة المؤسسات اللبنانية على فرض سلطتها قبل الوصول إلى خيارات أخرى. 
وأشارت المصادر الأميركيّة نفسها إلى أن ترامب طلب من معاونه للشؤون العربية والأفريقية مسعد بولس العودة من القاهرة إلى واشنطن، واللقاء بعون قبل اجتماع المكتب البيضاوي، بهدف إعطاء إشارة واضحة إلى أن ملف لبنان يحظى باهتمام شخصي ومباشر من الإدارة الأميركية، وأنّ الأخيرة تريد للبنان أن يكون جزءًا أساسيًا من مشروع الشرق الأوسط الجديد، بل ذهبت إلى حدّ الحديث عن إمكانية أن يكون لبنان ضمن الاتفاق الإبراهيمي المقبل خلال الأشهر المقبلة. 
وكشفت أن أمام لبنان ثلاثة أشهر ستكون من أصعب المراحل وأكثرها حساسية، وهي فترة ستحدد موقع لبنان في الخريطة الإقليمية الجديدة، لافتةً إلى أنّ الكرة باتت في ملعب عون، وأنّ الاختبار الحقيقي يكمن في تنفيذ الوعود التي قدمها للرئيس ترامب وتحويلها إلى خطوات سياسية وأمنية واضحة.
فإذا نجحت الدولة اللبنانية في استثمار هذه الفرصة التاريخية وترجمة نتائج اللقاء إلى إجراءات عمليّة، وبسط سلطتها على كامل الأراضي اللبنانية، فإن ذلك سيشكّل تحولًا استراتيجيًا ينقل لبنان من مرحلة النفوذ الخارجي إلى مرحلة استعادة القرار الوطني والسيادي. أما إذا بقيت التعهدات مجرد وعود من دون تنفيذ، فإن لبنان قد يكون أمام موجة حرب جديدة ستكون من أشد المراحل خطورة، لأن واشنطن لن تنتظر لبنان إلى ما لا نهاية في ظل شرق أوسط جديد يتم تشكيله بسرعة. 
وبحسب المصادر، فإن الخيار أصبح واضحًا أمام لبنان، إمّا أن يكون جزءًا من المسار الإقليمي الجديد، أو أن يسبقه هذا المسار ويجد نفسه خارج دائرة التحولات الكبرى التي تشهدها المنطقة. 
وأشارت المصادر الأميركية إلى أنّ عون ساهم في تجنيب رئيس مجلس النواب نبيه بري عقوبات أميركية كانت قيد البحث، بعدما ذكر اسمه خلال اللقاء مؤكدًا أن بري يؤيد خيار السلام. وأوضحت أن هذا الأمر أتى نتيجة تنسيق مسبق بين عون وبري بهدف الفصل بين "حزب الله" و"حركة أمل"، والتأكيد على أن الطائفة الشيعية لا تختزل فقط بحزب الله، إنّما تضم مكونات سياسيّة ووطنيّة متعددة.

وأفادت المصادر نفسها بأنّ ترامب سيبدأ دعم لبنان من خلال خطوة أساسية لم تحصل منذ نحو أربعين عامًا، وهي السماح لشركات الطيران الأميركية بتسيير رحلات مباشرة إلى لبنان، بما يسمح للأميركيين بزيارة بيروت بسهولة أكبر، إضافة إلى مطالبة دول أخرى باتخاذ خطوات مماثلة لتعزيز الانفتاح على لبنان.

وأنهت المصادر الاميركيّة حديثها بالاشارة إلى أنّ لبنان يقف أمام لحظة سياسية استثنائيّة قد تحدد مستقبله لسنوات طويلة، إذ إنّ الفرصة الدوليّة موجودة، والدعم الأميركي حاضر، لكن الحسم يبقى مرتبطًا بقدرة لبنان الرسمي على تحويل هذه اللحظة إلى واقع ملموس، عبر استعادة القرار السياديّ وبسط سلطته الكاملة على أراضيه، لأنّ المرحلة المقبلة ستُقاس بالأفعال والقدرة على اتخاذ القرار وتنفيذه.



اقرأ المزيد من كتابات كارين القسيس