علي الطاهر: التلّة التي أشعلت الحسابات السياسية والعسكرية

علي الطاهر: التلّة التي أشعلت الحسابات السياسية والعسكرية

من الحرب الاسرائيلية على لبنان

في لبنان، لا تحتاج إسرائيل دائمًا إلى احتلال الأرض كي تغيّر قواعد اللعبة، يكفيها أن تحاصرها، وأن تستنزف من يدافع عنها، وأن تدفع الآخرين إلى التفاوض على مصيرها، وكأنّها قطعة شطرنج لا أرضًا لبنانيّة ذات سيادة. ومن هنا، تبدو معركة علي الطاهر بمثابة مشروع إسرائيلي أوسع، عنوانه انتزاع المواقع بالتدريج، وتحويل التفوق العسكري إلى وقائع سياسيّة، ثمّ تحويلها إلى تنازلات لبنانية. وما يجعل المشهد أكثر خطورة أنّ هذه التلة دخلت مباشرة في صلب الاتصالات الأميركيّة ـ اللبنانيّة، وفي الحسابات الإسرائيليّة، وفي مواجهة مفتوحة مع عناصر "حزب الله"، فيما يجد لبنان الرسمي نفسه أمام اختبار جديد لمدى قدرته على حماية أرض يُراد لها أن تكون ورقة تفاوضيّة في أيدي الآخرين. 

تؤكد مصادر مقرّبة من "حزب الله" لـ"كافيين دوت برس"، أنّ الأخير يتعامل مع تلة علي الطاهر باعتبارها موقعًا أساسيًا في منظومته الدفاعيّة، وأنّه ليس في وارد التخلي عنها تحت ضغط التهديد الإسرائيلي أو تحت عنوان تسليمها للجيش اللبناني. وتشير إلى أنّ "الحزب" ينظر بعين الريبة إلى أي صيغة تؤدي إلى إخلاء الموقع ثم تركه مكشوفًا أمام إسرائيل، ولا سيّما بعدما تحولت التلّة إلى محور أساسي في الحسابات العسكريّة والتفاوضيّة. وبحسب هذه المعطيات، فإنّ المشكلة ليست في الجيش اللبناني ولا في عناصره أو وطنيتهم، وإنما في غياب أي ضمانة تمنع إسرائيل من تحويل انتشار الجيش إلى مرحلة انتقاليّة تسبق محاولة السيطرة على الموقع. 
 وتعتبر أنّ ما يجري حول علي الطاهر لا يمكن فصله عن سياسة إسرائيلية تقوم على اختبار الميدان قبل اتخاذ قرار الذهاب إلى مواجهة أوسع. فتل أبيب، وفق هذه المعطيات، لا تتصرّف وكأنّها أمام معركة واحدة وحاسمة، وإنما تحاول انتزاع مكاسب متراكمة عبر الضغط والاستنزاف والضربات المحدودة، وصولًا إلى معرفة حدود رد "الحزب" وكلفة أي تصعيد محتمل. وهي سياسة تبدو أكثر دمارًا من الحرب المفتوحة، لأنّها تسمح لإسرائيل بتغيير الوقائع خطوة خطوة، ثمّ مطالبة الجميع بالتعامل معها باعتبارها أمرًا واقعًا. 
 ولا يُنظر إلى موقع علي الطاهر، وفق مصادر "الحزب"، باعتباره نقطة معزولة أو عشوائيّة، إذ يرتبط بشبكة جغرافيّة وعسكريّة تمتد في محيط النبطية وكفرمان وكفرتبنيت، وهو ما يجعل التعامل معه بوصفه موقعًا منفردًا قراءة ناقصة للمشهد. وبحسب هذه المصادر، فإنّ إسرائيل تحاول رصد طرق الإمداد والحركة حول الموقع، فيما يتعامل "الحزب" مع الواقع الميداني بمرونة، من خلال تبديل العناصر وإدارة وجوده داخل المنطقة وفق مقتضيات الوضع، مع إبقاء احتمال إخراج من يمكن إخراجه من دائرة الخطر قائمًا إذا تطلبت الظروف ذلك.
 لكن الأخطر، وفق المصادر نفسها، أن تل أبيب تعلم أن السيطرة على هذه التلة ليست عملية عسكرية بسيطة، وأن أي محاولة لاقتحامها بالقوة قد تستدعي عملية واسعة ذات كلفة مرتفعة. ولذلك، فإن الضغط المتدرج والحصار ومحاولة إنهاك الموقع تبدو، في هذه المرحلة، أكثر جاذبية من هجوم مباشر. وهذا ما يفسر، بحسب هذه القراءة، لماذا لم تتحول التلة حتى الآن إلى معركة مفتوحة، رغم ارتفاع مستوى التصعيد حولها.

وتلفت المصادر إلى أن إسرائيل لا تريد علي الطاهر لرمزية الموقع وحدها، بل لقيمته العسكرية وما يمكن أن يتيحه من تغيير في ميزان السيطرة. فالتلة تقع ضمن منظومة دفاعية شمال الليطاني، والسيطرة عليها، بحسب هذه القراءة، يمكن أن تفتح أمام إسرائيل مجالًا أوسع للضغط في اتجاه إقليم التفاح والبقاع الغربي، بما يهدد بعزل الجنوب عن عمقه الجغرافي والعسكري. ولذلك، فإن المسألة، في الحسابات الإسرائيلية، تتجاوز احتلال مرتفع إلى محاولة تفكيك منظومة كاملة عبر ضرب حلقاتها واحدة تلو الأخرى.

علي الطاهر ورقة انتخابية إسرائيلية

تقول المصادر إنّ الحسابات الإسرائيليّة الداخليّة لا يمكن فصلها عن هذا الأداء، إذ إنّ رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو يخوض حساباته السياسيّة على أساس إظهار قدرته على فرض الأمن في الشمال، وهو ما يجعل علي الطاهر ورقة ذات قيمة انتخابيّة، إلى جانب قيمتها العسكرية. لكن المفارقة أنّ نتنياهو نفسه لا يستطيع تجاهل كلفة الانزلاق إلى حرب واسعة قد تعيد الجبهة الشمالية إلى مستوى لا يخدم صورته السياسيّة، لذلك يبدو اللعب على حافة الحرب أكثر فائدة له في هذه المرحلة من إشعالها دفعة واحدة. 

وفي المقابل، لا يتعامل "حزب الله"، وفق المصادر القريبة منه، مع احتمال التصعيد الواسع باعتباره احتمالًا نظريًا بعيدًا. فهو يدرك أن إسرائيل تملك تفوقًا كبيرًا في العتاد والقوة النارية، لكنه يرى في الوقت نفسه أن محاولة فرض السيطرة على علي الطاهر بالقوة لن تكون بلا ثمن، وأن المعركة، إذا وقعت، قد تتجاوز حدود التلة نفسها. ومن هنا يأتي تمسكه بالموقع باعتباره محاولة لمنع إسرائيل من تثبيت سابقة جديدة في الميدان، لا مجرد تشبث بجغرافيا محددة.

فإذا نجحت إسرائيل في السيطرة عليها، فلن تكون قد استولت على تلة فحسب، بل ستكون قد أثبتت أن سياسة انتزاع المواقع بالتقسيط قادرة على إنتاج نتائج استراتيجية من دون الحاجة إلى إعلان حرب شاملة. وإذا نجح "حزب الله" في منعها، فسيكون قد أوقف، ولو موقتًا، محاولة تحويل التلة إلى أول حلقة في سلسلة من الوقائع الإسرائيلية الجديدة. أما إذا دخل الجيش اللبناني إليها في تسوية لا تترافق مع ضمانات حقيقية، فقد يجد نفسه أمام أخطر اختبار أن يصبح حارسًا لموقع تتصارع عليه قوة إسرائيلية متفوقة و"الحزب" الرافض للتخلي عنه.

لهذا، فإن علي الطاهر ليست سوى مرآة تكشف مأزق لبنان كله. إسرائيل تريد أن ترسم حدود أمنها بالنار، و"الحزب" يريد منعها من تحويل تفوقها العسكري خريطة سياسية، والولايات المتحدة تحاول دفع لبنان نحو صيغة تنزع فتيل المواجهة، بينما تحاول الدولة اللبنانية أن تجد لنفسها دورًا في معادلة سبقتها إليها القوى المسلحة والجيوش الأجنبية والوسطاء الدوليون.

 

وفي نهاية المطاف ، قد تكون المفارقة الأكبر أن الجميع يتحدث عن حماية لبنان، بينما يجري التفاوض على أرضه وكأنها ملكية متنازع عليها بين الآخرين. وهذه هي المأساة التي تختصرها علي الطاهر بأقسى صورة.

 

إنها، باختصار، معركة على من يملك حق كتابة الفصل المقبل من الجنوب. وإذا كانت إسرائيل تراهن على القضم، و"حزب الله" على المنع، فإن لبنان لا يملك رفاهية الانتظار طويلًا، لأنّ كلّ يوم يمر من دون حسم سياسي حقيقي قد يجعل الوقائع الميدانية أكثر صعوبة في التراجع عنها، وأكثر كلفة على دولة اعتادت أن تصل إلى طاولة المفاوضات بعد أن يكون الآخرون قد فرغوا من تغيير الأرض.

اقرأ المزيد من كتابات كارين القسيس