المال العام بمعيارين: تقشّف يُفرض على الموظف وسخاء يُمنح للمسؤول
مجلس الوزراء
منذ أن انهارت الليرة وتهاوى معها راتب الموظف اللبناني في منتصف عام 2019، لم تتعامل الدولة مع الانهيار كأزمة أجور تستوجب سياسة عامة عادلة وشاملة، إنّما كأنها أمام سوق أسود مفتوح للمصالح والنفوذ لكل فئة سعرها، ولكل جهة نفوذها، ولكل من يملك مفتاحًا إلى مركز القرار طريقه الأقصر إلى "التصحيح". وهكذا، بدلًا من أن تعيد السلطة بناء نظام أجور تفكك مع انهيار الاقتصاد، اختارت أن تبني شيئاً آخر تماماً كهرم من الامتيازات، تتضخم فيه مخصصات من هم في الأعلى، فيما يُترك من هم في الأسفل لمواجهة الانهيار بالصبر والتضحية، وانتظار "تحسّن الماليّة العامة" الذي يبدو أنّه لا يأتي إلاّ حين يتعلق الأمر بحقوقهم.
المفارقة ليست في أنّ الدولة رفعت رواتب بعض الفئات، إنّما في أنّها فعلت ذلك بانتقائيّة فاضحة، وبسرعات متفاوتة، وبمعايير يصعب العثور فيها على صلة واضحة لا بحجم المسؤولية ولا بحجم الخسارة التي تكبّدها أصحاب الرواتب. ففي الوقت الذي تُقرّ مخصصات شهرية بآلاف الدولارات لرؤساء وأعضاء هيئات ناظمة ومجالس إدارة، وتُحسّن التقديمات الاجتماعية للنواب، لا يزال عشرات الآلاف من الموظفين والأساتذة والعسكريين والمتقاعدين يخوضون معركة للحصول على ستة رواتب إضافيّة فقط، زيادة لا تستعيد سوى جزء محدود من قيمة ما فقدوه. وحتى هذا الجزء يبدو أنّ السلطة مصمّمة على أن تدفعه لهم بالتقسيط، وكأن حقوقهم دين مستحق على دولة عاجزة ومنهارة لا امتيازات تُمنح لأصحاب النفوذ.
المشهد يقول شيئًا واحدًا بوضوح، في الدولة اللبنانيّة لم يعد الراتب حقًا تحكمه سياسة أجور، بقدر ما هناك امتياز تحكمه المسافة من مركز النفوذ، فكلّما اقتربت منه ارتفع نصيبك، وكلما ابتعدت عنه طال انتظارك.
أوّل الواصلين إلى سلم الرواتب المخمليّة
في 7 أيّار 2025، بدأ فصل جديد من السخاء الرسمي مع المرسوم الرقم 275، الذي عدّل التعويض الشهري المقطوع لرئيس الهيئة المنظمة للاتصالات وأعضائها. والنتيجة كانت 716 مليون ليرة شهريًا لرئيس الهيئة، أي نحو 8 آلاف دولار، و626.5 مليون ليرة للعضو، أي 7 آلاف دولار، على أساس سعر صرف 89,500 ليرة للدولار. ونُشر المرسوم في العدد 21 من الجريدة الرسمية في 15 أيار 2025، أي قبل تعيين أعضاء الهيئة الجديدة بنحو أربعة أشهر.
لكن الأمر لم يكن استثناءً منفردًا. ففي 16 حزيران 2025، وافق مجلس الوزراء على مشاريع مراسيم مماثلة لهيئات ومجالس أخرى. وفي 25 حزيران، صدر المرسوم الرقم 564، محددًا تعويض رئيس مجلس إدارة الهيئة العامة للطيران المدني بـ716 مليون ليرة شهريًا، والعضو بـ626.5 مليونًا. وبعد يومين فقط، صدر المرسوم الرقم 581 بالقيم نفسها لرئيس وأعضاء الهيئة الوطنية لتنظيم قطاع الكهرباء، وبالتالي نُشر المرسومان في العدد 29 من الجريدة الرسمية في 3 تموز.
ثمّ جاء المرسوم الرقم 577، الصادر في 27 حزيران، ليضيف مجلس الإنماء والإعمار إلى لائحة المستفيدين من هذا السخاء: 805.5 ملايين ليرة شهريًا لرئيس مجلس الإدارة، أي 9 آلاف دولار، و626.5 مليونًا للعضو المتفرغ، أي 7 آلاف دولار، و134.25 مليونًا للعضو غير المتفرغ، أي 1500 دولار. والأهم أنّ هذه المخصصات لم تأت منفصلة عن سلسلة الزيادات الأخرى، إذ نصّ المرسوم على أنها تشمل الإضافات الناتجة من المرسومين المتعلقين بتعديل تعويضات جلسات مجالس إدارة المؤسسات العامة.
لكن جذور هذا المسار أقدم من 2025. ففي 10 تموز 2024، صدر المرسوم الرقم 13633، ونُشر في العدد 29 من الجريدة الرسميّة في 18 تموز، معدلًا تعويضات حضور جلسات رؤساء وأعضاء مجالس إدارة المؤسسات العامة، وبعدها صدر المرسوم الرقم 14352 في 5 كانون الأول من العام نفسه، ونُشر في العدد 50 في 12 كانون الأول، لتوضيح المادة الأولى من المرسوم السابق. ما يعني أنّ أرقام 2025 جاءت امتدادًا لمسار بدأ قبلها، وتدرّج في رفع سقف التعويضات وتوسيع نطاق المستفيدين منها.
أي بطريقة أوضح أنّ السلطة لم تكن أمام قرار مفاجئ أو ظرف طارئ، إنّما أمام مسار واضح ومتدرّج ومقصود لرفع مخصصات مواقع محددة، من الهيئات الناظمة ومجالس الإدارة وصولًا إلى مجلس الإنماء والإعمار. والتبرير الرسمي المعلّب جاهز دائمًا وهو استقطاب الكفاءات وضمان استقلالية الجهات التي ستنظم قطاعات حساسة وتشرف على العقود والمال العام.
لكن هذا التبرير يفتح بابًا أكثر إحراجًا من أن يغلقه. فإذا كانت الكفاءة تحتاج إلى 8 آلاف دولار شهريًا كي تبقى مستقلّة، فما الذي يُفترض أن يفعله موظف الإدارة العامة الذي فقد راتبه معظم قيمته؟ وإذا كانت حماية الجهات الرقابية من الإغراءات تستوجب هذه المخصصات، فلماذا لا تستحق الفئات التي تدير الوزارات والمؤسسات والمدارس والإدارات الحماية نفسها من الانهيار المعيشي؟
والأكثر دلالة على ذلك أنّ من يُراقب الإدارة بات يتقاضى أضعاف من يديرها. إذ إنّ رئيس الهيئة الناظمة يحصل على 716 مليون ليرة شهريًا، فيما يبقى المدير العام، رأس الجهاز التنفيذي في الوزارة والمسؤول عن تشغيل المرفق العام يوميًا، بعيدًا كل البعد عن هذه الأرقام وكأن الدولة باتت تسعّر مَن يراقبها أعلى من مَن يديرها.
ثمّ جاءت مخصصات النواب لتضيف طبقة أخرى من المفارقة. فبحسب معلومات نيابيّة لـ"كافيين دوت برس" طالب عدد من النواب بزيادة مخصصاتهم بعدما أصبحت أدنى من تعويضات رؤساء وأعضاء الهيئات الناظمة والرقابيّة وبالتالي بدلًا من تعديل مباشر لمخصصات النواب، اختير مخرج أكثر نعومة عبر تحويل جزء من موازنة مجلس النواب إلى صندوق التعويضات.
وهكذا، قرّرت هيئة مكتب المجلس النيابي زيادة التقديمات الاجتماعية للنواب، بالاستناد إلى اعتماد موجود في موازنة المجلس، من دون اعتماد إضافي أو مرسوم من مجلس الوزراء. يمكن وضع الزيادة تحت عنوان "المساعدة الاجتماعيّة"، لكن تغيير التسمية لا يغيّر طبيعة المال إذا كان يُدفع شهرياً وبانتظام. ووفق تقديرات نيابيّة، رفعت هذه التقديمات مجموع ما يحصل عليه النائب إلى نحو 5 آلاف دولار شهريًا.
رواتب تتضخم وحقوق تتقسط
في 16 شباط 2026، أقرّ مجلس الوزراء ستة رواتب إضافيّة للعاملين في القطاع العام، ثمّ فتح اعتمادًا بقيمة 56,500 مليار ليرة لتمويلها بمفعول رجعي من 1 آذار، لكن هذه الزيادة لم تكن تصحيحًا للأجر، لم تُدمج في أساس الراتب، ولم تدخل في احتساب تعويض نهاية الخدمة، ولم تعالج أصل المشكلة الكامنة في انهيار سلسلة الرتب والرواتب.
ومتوسط ما سيحصل عليه الموظف من مستحقاته المتراكمة لا يتجاوز نحو 1200 دولار، ومع ذلك سيُقسّط المبلغ على 12 شهرًا، أي نحو 100 دولار شهريًا.
وللمفارقة مئة دولار للموظف تحتاج إلى معركة، أمّا 8 آلاف دولار لرئيس هيئة، و7 آلاف لعضو، و9 آلاف لرئيس مجلس إدارة، فتبدو مسألة مختلفة تماماً.فهنا لا يعود السؤال عن قدرة الدولة على الدفع، إنّما معيارها في الدفع: "لماذا تكون الدولة سخية مع أصحاب المواقع العليا، ثمّ تتذكر فجأة أنّ الخزينة لا تحتمل عندما يصل الدور إلى الموظف"؟
ومنذ إقرار سلسلة الرتب والرواتب عام 2017، لم تبن الدولة سلّمًا موحدًا للأجور، إذ إنّها كرّست عمليًا سوقًا للامتيازات: "من يضغط يحصل، ومن يفاوض يأخذ، ومن يصل إلى مراكز القرار يحصل أسرع، فيما يبقى من لا يملك سوى راتبه في آخر الطابور".
وبدلاً من ربط الأجر بالمسؤولية والخبرة والكفاءة، نشأت سلالم متوازية داخل الدولة. واحد لمن يملك النفوذ، وآخر لمن يملك أدوات الضغط، وثالث لمن لا يملك سوى راتبه.
والأخطر أن هذا التفاوت يأتي بالتزامن مع إعداد الهيئات الناظمة لدور محوري في إعادة هيكلة قطاعات أساسية، ولا سيما الكهرباء والاتصالات، وفتحها أمام الشركات الخاصة، فهي الجهات التي ستضع القواعد، وتمنح التراخيص، وتراقب العقود والتعرفات والمشغلين.في المقابل، تُترك إدارات ومؤسسات عامة تضم موظفين راكموا الخبرة لعقود أمام رواتب متآكلة وهجرة للكفاءات واستقالات متزايدة، فيما تُرفع أجور الجهات التي ستواكب المرحلة المقبلة.
والأرقام أكثر فصاحة من أي تبرير. فبحسب مشروع مجلس الخدمة المدنية لتعديل رواتب موظفي القطاع العام، سيتراوح راتب موظف الفئة الأولى، وبينهم المديرون العامون والقضاة، بعد مضاعفته 46 مرة، بين 207 ملايين و417.9 مليون ليرة شهريًا عام 2030، أي بين 2313 و4669 دولاراً. في المقابل، يتقاضى رئيس الهيئة الناظمة اليوم 716 مليون ليرة، أي 8 آلاف دولار.أي أنّ رئيس الهيئة قد يتقاضى ما يعادل 1.7 إلى 3.5 راتب لقاضٍ أو مدير عام، حتى بعد اكتمال التصحيح المقترح.
وهنا تسقط حجة "الكفاءة" وحدها. فالمدير العام هو رأس الجهاز التنفيذي في الوزارة، يدير الموظفين ويتابع الملفات وينفذ السياسات ويضمن استمرار المرفق العام، بينما يتركز دور رئيس الهيئة في التنظيم والرقابة. ومع ذلك، يمكن أن يصل راتبه إلى ثلاثة أضعاف ونصف راتب المدير العام.
وإذا كان هذا "الاصلاح" فهو يعيد تعريف الدولة بوضوح عبر تعويضات مرتفعة لمن يفترض أن يراقب، ورواتب منهكة لمن يفترض أن يعمل، ومخارج مالية سريعة لأصحاب المواقع العليا، وانتظار وتقسيط لمن يحملون الدولة على أكتافهم.المشكلة ليست أنّ الدولة لا تملك المال، بل أنها تملك المال بمعايير مختلفة. فهي تعرف كيف تجد التمويل، وكيف تفتح الاعتمادات، وكيف تمرّر الزيادات عندما يكون المستفيد من أصحاب المواقع العليا، لكنّها عندما يصل الدور إلى الموظف، تتذكّر فجأة عجز الخزينة. والحقيقة المرّة أنّ الدولة لا تعاني من نقص المال بقدر ما تعاني من فائض في المعايير المزدوجة.
