الجولة الثامنة في قبضة التصعيد والانتخابات الاسرائيليّة فهل تنقذها واشنطن؟

الجولة الثامنة في قبضة التصعيد والانتخابات الاسرائيليّة فهل تنقذها واشنطن؟

لقاء واشنطن

لا تبدو الجولة الثامنة من المفاوضات اللبنانيّة ـ الإسرائيليّة شبيهة بسابقتها، إذ تأتي في ظلّ متغيّرات ميدانيّة متسارعة، إلى جانب تحديات أكثر تعقيدًا قد تجعل مسارها محفوفًا بالعقبات، في وقت لم يُحسم حتى الساعة موعد انعقادها. ومع ذلك، فإنّ الثابت، بحسب المعطيات الأميركيّة، أنّ لبنان لن يغيب عن أي جولة مقبلة، إنّما سيبقى في قلب المشهد التفاوضي، بالتوازي مع تصاعد وتيرة الضربات الإسرائيلية، ورفض تل أبيب التجاوب مع الطرح اللبناني المتصل بتوسيع نطاق "المناطق التجريبيّة"، وهي المسألة التي كان الوفد الرسمي اللبناني قد أثارها خلال الجولة السابعة التي عُقدت في روما.

وترجّح مصادر أميركيّة في حديث مع "كافيين دوت برس" أنّ تواجه الجولة الثامنة استحقاقات دقيقة، وأنّ أي اختراق حقيقي في مسار المفاوضات سيبقى متعذرًا ما لم تُطرح خطة واضحة وقابلة للتنفيذ من أجل زيادة عدد المناطق التجريبية، بما ينسجم مع ما تمّ التفاهم عليه في "اتفاق الإطار". واعتبرت أنّ توسيع هذه المناطق بات عنصرًا أساسيًا في اختبار جديّة المسار التفاوضي وإمكان الانتقال به من مرحلة إدارة الخلاف إلى مرحلة تثبيت تفاهمات قابلة للاستمرار.
 وبحسب المصادر نفسها، فإنّ الوصول إلى تسوية لبنانيّة ـ إسرائيليّة لا يزال مرتبطًا في صورة مباشرة بحجم الانخراط الأميركي، إذ لا ترى أنّ تسوية العقد القائمة ممكنة من دون تدخّل أميركي مباشر وضاغط. كذلك تؤكد أنّ إدارة الرئيس دونالد ترامب تملك أدوات الضغط اللازمة لدفع الأطراف نحو تنفيذ ما جرى طلبه والتفاهم عليه، غير أنّ ممارسة هذا الضغط، وفق التقديرات الأميركيّة، لن تكون مرجّحة قبل السابع والعشرين من تشرين الأوّل أي قبل الانتخابات الإسرائيليّة.
 وفي المقابل، تركز واشنطن في المرحلة الراهنة، وفق المصادر، على منع توسّع دائرة المواجهة، وتحديدًا على تحييد بيروت والضاحية الجنوبيّة عن أي تصعيد محتمل يمكن أن ينعكس مباشرة على المسار التفاوضي. فالأولوية الأميركية، في هذه المرحلة، تبدو منصبّة على إبقاء قنوات التفاوض مفتوحة ومنع الوقائع الميدانية من فرض نفسها على الطاولة السياسية قبل نضوج الظروف المؤاتية لأي تسوية.
 وعليه، تقدّر المصادر بدرجة مرتفعة ألّا تنتهي الجولة المقبلة إلى اتفاق نهائي، في ظلّ استمرار عقدتين أساسيتين تعرقلان تقدّم مباحثات روما. الأولى تتمثل في الموقف الإسرائيلي الرافض لتوسيع نطاق المناطق التجريبية قبل إجراء الانتخابات، فيما تتصل الثانية بمسألة أكثر حساسية، وهي عدم التوصل حتى الآن إلى اتفاق حول هوية الدولة التي ستتولى مهمة التحقق من خلوّ تلك المناطق من سلاح "حزب الله".
 وفي هذا الإطار، يبرز اقتراح إسرائيلي بإسناد مهمة التحقق إلى أذربيجان، بالتوازي مع تداول أسماء دول أخرى، الأمر الذي قد يضيف بعدًا دوليًا جديدًا إلى ملف بات شديد التعقيد. فمسألة الجهة التي ستتولى التحقق لا تتصل فقط بآلية تنفيذ التفاهمات، إنّما ترتبط أيضًا بمستوى الثقة بين الأطراف وبمدى قبول كل طرف بالجهة التي ستضطلع بدور المراقبة والتحقق.
 وفي موازاة ذلك، تبقى تلة علي الطاهر واحدة من أبرز النقاط الحساسة في الحسابات الميدانيّة، نظرًا إلى موقعها الاستراتيجي وما تختزنه من اعتبارات إسرائيلية وأميركية. ولذلك، فإنّ تطورات الوضع في هذه المنطقة قد تكون عاملًا قادرًا على التأثير في اتجاه المرحلة المقبلة، سواء نحو مزيد من التصعيد أو باتجاه احتواء التوتر وفتح الطريق أمام التهدئة.
نتنياهو والانتخابات: التصعيد "لـشد عصب" الكتلة الناخبة؟
ما يجري في حسابات رئيس الوزراء الاسرائيلي بنيامين نتنياهو يبدو، وفق المصادر الأميركية نفسها، أكثر ارتباطًا بالاستحقاق الانتخابي المقبل. إذ تتوقع أن يقدم على تصعيد الضربات قبل السابع والعشرين من تشرين الأوّل، في ظلّ مؤشرات واستطلاعات إسرائيلية تتحدث عن تقدّم ائتلاف المعارضة على ائتلاف اليمين الذي يقوده نتنياهو.

وتشير هذه الاستطلاعات بحسب المصادر الأميركيّة إلى احتمال تقدّم رئيس الأركان الأسبق غادي آيزنكوت إلى موقع رئاسة الحكومة، ما لم يتمكن نتنياهو من قلب المعادلة الانتخابية وتحسين موقعه في استطلاعات الرأي خلال المرحلة الفاصلة عن الانتخابات.
 من هنا تقرأ المصادر هذا المسار من زاوية المخاوف التي تحيط بنتنياهو انتخابيًا، معتبرةً أنّ تراجع موقعه قد يدفعه إلى اعتماد خيارات أكثر حدّة في محاولة لتعزيز موقعه أمام قاعدته الانتخابيّة. وبالتالي تكتسب هذه النقطة أهميّة خاصة في ظلّ تمركز جزء أساسي من الكتلة الناخبة اليمينية الإسرائيلية في مستوطنات الضفة الغربيّة والمناطق الشماليّة المحاذية للحدود مع لبنان، وهي بيئة انتخابية شديدة الحساسية تجاه الملف الأمني.
 ومن هذا المنطلق، لا تستبعد المصادر أن يسعى نتنياهو إلى توظيف العامل الأمني والعسكري في معركته الانتخابية، عبر إظهار قدرته على التعامل مع التهديدات التي تعتبرها إسرائيل قائمة على حدودها الشمالية، بما يضمن الحفاظ على تماسك قاعدته اليمينية واستقطاب الناخبين المترددين.
آيزنكوت ونتنياهو: اختلاف في السياسة الداخليّة لا في ملف سلاح "حزب الله"
المفارقة، أنّ الانتخابات الإسرائيلية قد تحدد شكل المقاربة، وتؤثر في مستوى التصعيد وتوقيته، لكنها، وفق التقديرات الأميركية، لن تبدّل جوهر الهدف الإسرائيلي. فالاختلاف بين نتنياهو وغادي آيزنكوت قد يطال الأسلوب والأدوات والتوقيت، لكنّ الثابت في حساباتهما يبقى، بحسب المصادر، السعي إلى تعزيز أمن إسرائيل ومنع ما تعتبره تهديدًا استراتيجيًا على حدودها الشمالية، وفي مقدمته ملف سلاح "حزب الله".
 وتذهب المصادر إلى الكشف عن معطيات تقول إنّ عناصر تابعة للحرس الثوري الإيراني موجودة في منطقة تلة علي الطاهر وتشارك، بحسب المعلومات التي حصلت عليها، في العمليات العسكرية إلى جانب "الحزب"، وإذا صحّت هذه المعطيات، فإنّها تضيف بعدًا إقليميًا إلى الحسابات الإسرائيلية، وتزيد من حساسيّة الموقع ومن أهميته في أي قراءة مستقبلية لمسار المواجهة. 
 وعليه، تدخل الجولة الثامنة على وقع التباس بالغ في مآلاتها وحسابات شديدة التعقيد، فإمّا أن يتدخّل الرئيس ترامب يشخصه لحسم العقد ودفع إسرائيل نحو التزامات واضحة، وإمّا أن يفرض الميدان والحساب الانتخابي الإسرائيلي إيقاعهما على طاولة التفاوض، فتتحوّل الجولة المرتقبة من فرصة أخيرة لاختبار جديّة التسوية إلى محطة جديدة على طريق التصعيد.

اقرأ المزيد من كتابات كارين القسيس