الرهان على سقوط نتنياهو قد يكون فخًا: ماذا ينتظر لبنان بعد الانتخابات الإسرائيليّة؟
جلسة التفاوض
لا شكّ أنّ صناديق الاقتراع الإسرائيليّة في مطلع تشرين الأوّل ستكون على تماسّ مباشر مع مستقبل لبنان، وربّما في صورة أكثر وضوحًا من أي استحقاق انتخابيّ سابق. فالمسألة باتت مرتبطة في شكل مباشر بمسار عسكريّ وسياسيّ وتفاوضيّ تتداخل فيه ملفات مستقبل الجنوب اللبناني، والانسحاب الإسرائيلي، وانتشار الجيش اللبناني، وسلاح "حزب الله"، وعودة النازحين، وصولًا إلى إعادة الإعمار. وبالتالي، فإنّ القراءات اللبنانيّة التي تتعامل باطمئنان وتعوّل على خسارة رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو قد تكون متسرّعة، وربّما تغفل أنّ تغيير القيادة في تل أبيب لا يعني بالضرورة تغييرًا جوهريًا في المقاربة تجاه لبنان.
فبحسب مصادر أميركيّة لـ"كافيين دوت برس"، فإنّ المفاوضات اللبنانيّة - الإسرائيليّة ستُستكمل في روما خلال أيلول، في جلستها الثامنة، وسط رهان أميركي واضح على أن تشكّل مرحلة هذه المرحلة نقطة تحوّل في مسار التفاوض. فهل يصبح الانسحاب الإسرائيلي أقرب؟ وهل تتراجع الضغوط التي مورست على لبنان خلال المرحلة السابقة؟ أم أنّ الملفات الأكثر تعقيدًا، وفي مقدّمها سلاح حزب الله وإعادة الإعمار، ستبقى شروطًا ثابتة مهما تبدّل المشهد السياسي في تل أبيب؟
المؤكد أنّ التعنّت الإسرائيلي المرتفع السقف، والشروط التعجيزية التي استخدمها نتنياهو وفريقه في الضغط على لبنان، لا يمكن فصلها بالكامل عن الحسابات السياسيّة والانتخابيّة داخل إسرائيل. وما جرى يوم السبت من غارات واسعة على أنصار والزهراني وعلي الطاهر، يأتي في سياق تصعيد ميدانيّ لم يعد في الإمكان عزله عن الرسائل السياسية التي تريد إسرائيل إيصالها إلى الداخل والخارج في آن واحد. فنتنياهو، الذي يخوض معركة سياسيّة لا تقلّ صعوبة عن المعركة العسكرية، ليس في وارد تقديم صورة أمام الناخب الإسرائيلي توحي بأنّه يتراجع أو يقدّم تنازلات في ملف يعتبره الإسرائيليون مرتبطًا مباشرة بأمنهم القومي.
وهنا تحديدًا تكمن المفارقة. فما يُقدّم اليوم على أنّه موقف أمنيّ صلب قد يكون جزء منه مرتبطًا بالحاجة إلى رفع السقف التفاوضيّ وتحسين الموقع الانتخابي. وعندما تنتهي الانتخابات، يفترض أن تسقط بعض هذه الاعتبارات، أو على الأقل أن تفقد جزءًا من قدرتها على تقييد القرار السياسي الإسرائيلي. وهذا ما تتوقعه المصادر الأميركية، التي تشير إلى إمكان حصول تسريع في المفاوضات وخفض في السقوف الإسرائيليّة، بدعم أميركي واضح من البيت الأبيض لذا من الصعب قبل الانتخابات ان يحصل ضغط اميركي على تل أبيب.
ولا يبدو نتنياهو، قبل الانتخابات الاسرائيليّة، مستعدًا لتقديم تنازلات حقيقيّة أو اتخاذ خطوات كبيرة يمكن أن تُستخدم ضده داخليًا، وخصوصًا في ما يتعلق بالانسحاب من مناطق في جنوب لبنان. فالانسحاب، بالنسبة إليه، هو بمثابة قرار يمكن أن يتحول مادة انتخابيّة بامتياز وورقة ضغط. وإذا اتخذ خطوة في اتجاه الانسحاب ثمّ وجد نفسه أمام خصوم يتهمونه بالتراجع أمام "حزب الله"، فقد يدفع ثمنها سياسيًا. ولذلك، فإنّ حساباته الحالية تبدو بحسب المصادر الأميركيّة محكومة بقاعدة واضحة: "لا مجازفة كبيرة قبل أن تُحسم صناديق الاقتراع".
وسواء بقي نتنياهو في الحكم أو خرج منه، فإنّ المقاربة يفترض أن تصبح أكثر واقعيّة وأقل خضوعًا للضغط الانتخابي. وعندها يبدأ البحث الحقيقي والجدّي في الملفات التي يجب أن تشكّل أساس أي تسوية طويلة الأمد بين لبنان وإسرائيل، إلاّ أنّ المصادر الأميركيّة ترى في الوقت نفسه أنّ تغيير رئيس الوزراء الاسرائيلي لا يعني تغييرًا جذريًا في النظرة إلى سلاح "الحزب". فالمسألة، بحسب هذه المصادر، باتت بالنسبة إلى إسرائيل أوسع من شخص نتنياهو، وترتبط مباشرة بما تعتبره تل أبيب تهديدًا لأمنها.
ومن هنا، فإنّ نزع سلاح "حزب الله" سيبقى، وفق المقاربة الإسرائيليّة التي تنقلها المصادر الأميركية، أحد الشروط الأساسيّة لأي تسوية، كما أنّ إعادة الإعمار لن تكون، وفق هذه الرؤية، منفصلة عن هذا الملف. أي أنّ لبنان قد يجد نفسه أمام انسحاب إسرائيلي من جهة، مقابل ترتيبات أمنيّة وضمانات تتصل بسلاح "الحزب" من جهة أخرى، ثم فتح الطريق أمام عودة النازحين وإعادة الإعمار.
مرحلة ما بعد الانتخابات أخطر من الانتخابات نفسها
قد تنهي الحسابات الانتخابيّة، لكنّها لن تلغي الحسابات الأمنيّة الإسرائيليّة. وإذا كان من الممكن أن يسقط بعض السقف الذي فرضه نتنياهو خلال حملته، فإنّ جوهر الموقف الإسرائيلي من سلاح "حزب الله" لن يختفي لمجرّد تغيّر اسم رئيس الحكومة. ولذلك، فإنّ أي قراءة تفترض أنّ خسارة نتنياهو ستعني تلقائيًا انسحابًا إسرائيليًا بلا شروط ستكون قراءة متسرّعة. وفي المقابل، فإنّ بقاء نتنياهو لا يعني بالضرورة أنّ باب التسوية سيبقى مغلقًا إلى ما لا نهاية، خصوصًا إذا خرج من الانتخابات وهو يملك هامشًا سياسيًا أوسع يسمح له باتخاذ قرارات كان يخشى كلفتها التشريعيّة.
وفي هذا الاطار، تكتسب مفاوضات روما في جولتها الثامنة أهميّة استثنائيّة، لأنّها لم تعد تدور فقط حول مبدأ التفاوض، إنّما حول كيفيّة ترجمة أي تفاهم إلى خطوات عمليّة في الميدان. فالمسار بات يبحث في آليات الانسحاب، وانتشار الجيش اللبناني، والمناطق التي يمكن أن تشكّل اختبارًا أوليًا لتنفيذ التفاهمات، وآليات التحقق من الالتزامات الأمنيّة، وهي ملفات شديدة الحساسيّة لأنّها تنقل التفاوض من مستوى الشعارات السياسية إلى مستوى التفاصيل التنفيذيّة.
واشارت المصادر الأميركيّة نفسها الى أنّ الدول التي ستتولّى مراقبة تنفيذ اتفاق الإطار هي إيطاليا وكندا وبريطانيا وسويسرا وأذربيجان، فيما يدور حديث عن إدخال ألمانيا إلى هذا المسار، بعد إصرارها على المشاركة، مع ترجيحات بإضافة دولة أخرى، قد تكون المغرب أو تونس.
هذه التفاصيل قد تكون أكثر أهميّة من البيانات السياسيّة التي تصدر عن الأطراف، لأنّ أي اتفاق يمكن أن ينهار إذا لم تكن آليات تنفيذه واضحة ومحدّدة. وفي المقابل، فإنّ الربط الإسرائيلي بين الانسحاب ونزع سلاح "الحزب" يضع المفاوضات أمام عقدة حقيقيّة. فإسرائيل تريد ضمانات أمنية قبل الانسحاب، فيما يبقى موقف "الحزب" قائمًا على رفض البحث في نزع سلاحه قبل إنهاء الاحتلال والانسحاب الإسرائيلي. وبين الموقفين تقف الدولة اللبنانية أمام مهمة شديدة الصعوبة: "كيف تضمن الانسحاب الإسرائيلي وتفرض في الوقت نفسه حضور الدولة وسلطة الجيش، من دون أن يتحول ملف السلاح إلى شرارة مواجهة داخليّة"؟
وهنا تحديدًا سيكون الدور الأميركي حاسمًا. فواشنطن لا تبدو معنية بأن تبقى المفاوضات مجرّد جلسات متكررة في روما من دون نتائج ملموسة. المطلوب أميركيًا هو تحويل المسار التفاوضي إلى خريطة طريق قابلة للتنفيذ، تبدأ بخطوات أمنية واضحة، وتنتقل تدريجيًا إلى نزع سلاح "الحزب" والانسحاب الإسرائيلي وانتشار للجيش اللبناني، ثم إلى معالجة الملفات الإنسانيّة والاقتصاديّة التي ترتبت على الحرب.
وبحسب المصادر الأميركيّة، فإنّ مرحلة ما بعد الانتخابات قد تحمل هذا الاتجاه، أي الانتقال من إدارة المواجهة إلى البحث في تسوية أكثر شمولًا، لكن هذا السيناريو، رغم أهميته، لا يعني أنّ الطريق إليه سيكون سهلًا. فإعادة الإعمار نفسها قد تتحول إلى إحدى أكثر أوراق الضغط حساسيّة. وإذا أصبحت المساعدات الدوليّة مرتبطة بتنفيذ ترتيبات أمنيّة وسياسيّة محددة، فإنّ لبنان لن يواجه فقط معركة في الميدان أو على طاولة المفاوضات، بل سيواجه أيضًا معركة على طاولة الجهات المانحة.
ومن هنا، فإنّ مرحلة ما بعد الانتخابات قد تشكّل نقطة تحوّل فعليّة إذا نجحت واشنطن في دفع الأطراف إلى الانتقال من منطق الشروط القصوى إلى منطق المقايضة المرحليّة. أمّا إذا بقيت إسرائيل متمسكة بمعادلة "لا انسحاب من دون نزع السلاح" وهذا ما يُرجّح أن تفعله وبقي الجانب اللبناني رافضًا لأي بحث في السلاح قبل الانسحاب، فإنّ المفاوضات ستظل تدور في الحلقة نفسها، وسيبقى الميدان الورقة البديلة كلما تعثّرت السياسة، إلى أن لا يبقى شيء من الجنوب.
وهنا تحديدًا سيكون الاختبار الحقيقي لما بعد الانتخابات، فإذا فاز نتنياهو، فسيكون أمامه سؤال واحد لا يستطيع الهروب منه: "هل سيستخدم ما يعتبره تفويضًا انتخابيًا لفتح الطريق أمام تسوية مع لبنان، أم سيبقى أسير السقف الذي رفعه خلال المعركة الانتخابيّة"؟
وإذا خسر، فسيكون أمام خلفه سؤال أكثر صعوبة: هل يستطيع أن يقدّم تنازلات لم يكن نتنياهو قادرًا على تقديمها، أم أنّ المؤسسة السياسيّة والأمنيّة الإسرائيليّة ستفرض استمرار الموقف نفسه بغض النظر عن اسم رئيس الحكومة؟
في الحالتين، وبحسب الرؤية الاميركيّة، لن يكون لبنان أمام إسرائيل مختلفة بالكامل، لكنه قد يكون أمام إسرائيل أكثر قدرة على التفاوض، إذا انتهت القيود الانتخابية التي تفرضها المرحلة الحالية ولهذا، فإنّ الرهان الحقيقي ليس على اسم الفائز فقط، بل على اليوم التالي للانتخابات.
فإذا كان جزء من التشدد الإسرائيلي الحالي مرتبطًا بالحسابات الانتخابية، فإنّ انتهاء الانتخابات سيكشف حقيقة هذا التشدد، لذا ستكون جلسة روما الشهر المقبل أكثر من مجرّد جولة جديدة من المفاوضات. ستكون اختبارًا لما إذا كانت الولايات المتحدة قادرة فعلًا على تحويل الضغط السياسي إلى نتائج، وما إذا كانت إسرائيل مستعدة لترجمة الحديث عن الانسحاب إلى خطوات ملموسة، وإذا كان لبنان قادرًا على استثمار اللحظة الدولية لحماية سيادته وفرض دور الدولة والجيش، وإذا كان في الإمكان معالجة ملف سلاح حزب الله من دون فتح جبهة لبنانية داخلية جديدة.
الانتخابات ستنتهي، لكن الملفات التي صنعت الأزمة ستبقى
ما بعد الانتخابات لن يكون بالضرورة مرحلة أكثر هدوءًا، لكنه قد يكون مرحلة أكثر وضوحًا. فإذا تراجعت الحسابات الانتخابية، فستسقط معها حجة التذرع بها، وسيصبح كل طرف مضطرًا إلى الكشف عن مطالبه الحقيقيّة وعندها فقط سيظهر ما إذا كان الانسحاب الإسرائيلي مطلبًا قابلًا للتحقيق ضمن تسوية متكاملة، أم مجرد ورقة تفاوضية مؤجلة.
باختصار، الانتخابات الإسرائيلية قد تنهي مرحلة من الضغوط، لكنها لن تنهي الصراع على شروط المرحلة المقبلة.