تحضيرًا للانتخابات: ثبات العناوين الرئيسيّة وتعدّد المقاربات السياسيّة
مع اقتراب كل استحقاق نيابي، يعود المشهد السياسي إلى الواجهة محمّلاً بأسئلة كبرى تتجاوز الشكل الانتخابي إلى جوهر المشروع الوطني. أي خطاب ستعتمده الأحزاب؟ وما هي العناوين التي ستتقدّم في برامجها في ظل التحوّلات الداخليّة والضغوط الإقليمية؟ وبين من يرى ثباتًا في الخطاب، ومن يراهن على تبدّل الأولويات، يبقى النقاش مفتوحًا حول مفهوم الدولة، والسيادة، وسلاح "حزب الله"، وحدود الإصلاح الممكن في نظام مأزوم.
في هذا الإطار، يؤكد مدير الشرق الأوسط للأبحاث والدراسات الاستراتيجية، الدكتور إيلي الياس، في حديث لـ"كافيين دوت برس"، أنّه لا يلحظ أي تغيير جوهري في الخطاب السياسي للقوى السياديّة، ولا سيما المسيحية منها، منذ عام 2005 حتى اليوم. ويرى أنّه من المبكر الجزم بانتهاء مرحلة "حزب الله"، سواء على المستوى العسكري أو السياسي، معتبرًا أنّ الإشكالية أعمق من مسألة السلاح في حدّ ذاتها. فحتى في حال التسليم، نظريًا، بأنّ قدرته العسكرية تتّجه إلى الانحسار كما يُروَّج رسميًا، تبقى المشكلة كامنة في طبيعة الحزب كحالة سياسية أيديولوجية تنظيمية متكاملة تتناقض، بحسب تعبيره، مع فكرة لبنان كنموذج دولة، ومع النموذج الاجتماعي اللبناني، بل وحتى مع التعدّدية داخل البيئة الشيعية نفسها.
ويشدّد الياس على أنّ الخطاب الانتخابي المقبل للأحزاب السيادية لا يمكن اختزاله بمناورة تكتيكية أو تبدّل لغوي ظرفي، إذ إنّ هذه الأحزاب، وفي طليعتها "القوات اللبنانية"، لا تخوض الاستحقاقات على أساس تعبوي أو شعاراتي، بل انطلاقًا من قناعة سياسية ثابتة تعكس مشروعًا متكاملًا لبناء الدولة. لذلك، وبحسب تعبيره لن يكون الخطاب "جديدًا" بالشكل، إنّما أكثر وضوحًا وحسمًا في تحديد الأولويات.
وحول السيناريو الافتراضي القائل بتسليم "حزب الله" سلاحه قبل موعد الانتخابات، يرى الياس أنّ جوهر الإشكالية لن ينتفي، فالتخلّي عن السلاح، إن حصل، لا يعني تلقائيًا انتهاء الحالة التي يمثلها الحزب، إذ تبقى مسألة الاندماج الكامل في منطق الدولة هي الأساس أي في القرار السياسي، والسيادة، والعلاقة مع المؤسسات، والقبول الفعلي بقواعد اللعبة الديموقراطية. وعندها، ينتقل الخطاب السيادي من التركيز على السلاح كرمز للهيمنة، إلى استكمال مشروع بناء الدولة، وبالتالي دولة القانون، والمحاسبة، والمؤسسات الفاعلة، والاقتصاد المنتج، ومكافحة الفساد البنيوي، وضبط المعابر والحدود، وإنهاء الاقتصاد الموازي، وإعادة لبنان إلى موقعه الطبيعي كدولة مستقلة لا كساحة متقدمة في صراعات إقليمية.
ويخلص الياس إلى أنّ الخطاب السيادي لا يقوم على وجود "الحزب" أو غيابه، بل على مشروع دولة واضح، فوجود "الحزب" كقوة مهيمنة يعطّل هذا المشروع، وغيابه يفتح الباب أمام معركة أشدّ تعقيدًا: تحويل الدولة من شعار إلى واقع، وهو التحدّي الحقيقي الذي ستبقى الأحزاب السيادية معنيّة به مهما تبدّلت الظروف.
في المقابل، يقدّم رئيس جهاز الإعلام والتواصل في "القوات اللبنانية"، شارل جبور، مقاربة أكثر مباشرة، معتبرًا أنّ خطاب "القوات" يتمحور دائمًا حول مشروع قيام الدولة الفعلية، حيث يكون قرار السلم والحرب بيدها وحدها، وتُطبَّق فيها أحكام الدستور وتُقام دولة المؤسسات، معتبرًا أنّ العائق الأساسي أمام قيام الدولة هو مشروعان متكاملان ومتحالفان: مشروع السلاح الذي يصادر القرار اللبناني تنفيذًا لأجندة خارجية منذ عام 2005، ومشروع "المافيا" المتحالفة مع هذا السلاح، وهو ما قاد إلى الانهيار الشامل.
ويشدّد على أنّ الخروج من الانهيار وبناء الدولة لا يمكن أن يتحقّقا إلاّ عبر ترسيخ مفهوم "لبنان أولًا"، والشعب اللبناني أولًا، والمؤسسات أولًا. فالإصلاح، ومكافحة الفساد، وتطوير النظام، تبقى شعارات فارغة ما دام السلاح غير الشرعي يتحكّم بمفاصل الدولة. ويرى أنه بعد معالجة هذه المسألة، يصبح ممكنًا إطلاق إصلاحات مؤسساتية حقيقية، واستعادة هيبة الدولة، وفتح نقاش جدّي حول تطوير النظام السياسي بما يواكب الحداثة، لا سيما في مجالات المكننة، والإدارة، واللامركزية الإدارية.
من جهتها، تؤكد نائبة رئيس "التيار الوطني الحر" للشؤون السياسية، مارتين قتيلي، أنّ خطاب "التيار" يعكس برنامجه السياسي، لافتةً إلى أنّ التغييرات ليست جذرية في المضمون، وإنّما في الأسلوب الذي يصبح أكثر هجومياً مع اقتراب الاستحقاق الانتخابي، ردًّا على ما تصفه بحملات الافتراء والشائعات. وتُشير إلى ثوابت "التيار"، وفي مقدّمها قضايا الوجود والدور والهوية، والحفاظ على لبنان كمساحة قادرة على استعادة ثقة أبنائه في الداخل والاغتراب.
وترى قتيلي أنّ مسألة السيادة وبناء الدولة، وتطبيق اتفاق الطائف كاملًا، وتفعيل اللامركزية الإدارية الموسّعة، تبقى في صلب خطاب التيار، إلى جانب التركيز على الإصلاح الاقتصادي والمالي، ومعالجة الفجوة المالية، ومصير أموال المودعين، ومخاطبة تطلعات الشباب والمرأة.
أمّا عضو المجلس السياسي في حزب "الكتائب"، جويل بو عبود، فتؤكد أنّ السيادة وحصر السلاح بيد الدولة يشكّلان العنوان السياسي الأبرز، إلى جانب مشروع الحياد واللامركزية الإدارية. وعلى الصعيد الاقتصادي، تشدّد على ضرورة انتظام القطاع المالي والمصرفي، وإيجاد حل عادل لملف المودعين، واستعادة الثقة بالقضاء، ولا سيما عبر استكمال التحقيق في انفجار مرفأ بيروت. كما تشير إلى أنّ أي تسليم محتمل للسلاح يجب أن يترافق مع إعادة دمج الحزب سياسيًا وتربويًا في الدولة، عبر مناهج موحّدة تعزّز الانتماء الوطني لا الانتماء لاجندات خارجيّة.
في المقابل، تؤكد مصادر "الثنائي الشيعي" أنّ عناوينها واضحة، وفي مقدّمها الحفاظ على لبنان وتوازناته، وتطبيق اتفاق الطائف، وإلغاء الطائفية السياسية، وجعل لبنان دائرة انتخابية واحدة من دون قيد طائفي، معتبرةً أنّ بناء دولة حديثة يتطلّب تغييرًا جذريًا في الذهنية السياسية. كما تشدّد على أهميّة تطبيق القرار 1701، معتبرةً أنّ تحقيق الانصهار الوطني يبدأ عندما يصبح النائب ممثلًا للأمّة لا لطائفته أو منطقته.
أمّا "الحزب التقدمي الاشتراكي"، فاختصر موقفه بالقول إنّه من المبكر الخوض في هذا النقاش، بانتظار ما ستؤول إليه التطورات في الأيام المقبلة.
وهكذا، وبين ثبات العناوين وتباين المقاربات، يبدو أنّ الاستحقاق النيابي المقبل لن يكون مجرّد منافسة انتخابية، بقدر ما هو محطة مفصليّة لإعادة طرح السؤال الجوهري، أي دولة يريدها اللبنانيون، وأي مشروع قادر فعلًا على إخراج لبنان من أزمته الوجوديّة؟