الحريري في 14 شباط : رسائل ضمنيّة وخيارات معلّقة
الحريري في 14 شباط ( الوكالة الوطنية)
منذ أن بدأ يتقدّم الحديث عن إمكان إجراء الانتخابات النيابيّة في موعدها، لم يعد النقاش محصورًا بالإطار الإجرائي أو التقني المتصل بالقانون والمهل، بقدر ما تحوّل سؤالًا سياسيًّا يتصل بإعادة تشكيل التوازنات الداخليّة، ولا سيّما داخل الساحة السنّية التي شهدت خلال السنوات الأخيرة تحوّلات دراماتيكيّة. وفي قلب هذا المشهد، برز اسم الرئيس سعد الحريري وتيار "المستقبل" بوصفهما العامل الأكثر تأثيرًا في تحديد وجهة الاستحقاق المقبل، سواء من حيث حجم المشاركة أو طبيعة التحالفات أو حتى مستوى الحماسة الشعبية للاقتراع. إذ أنّ غياب "التيار" عن خوض الانتخابات بقرار واضح في الدورة السابقة أحدث فراغًا سياسيًا لم يُملأ بالكامل، وأعاد خلط الأوراق داخل البيئة التي شكّل "المستقبل" لعقود عنوانها السياسي الأبرز.
ومع اقتراب ذكرى الرابع عشر من شباط، ارتفعت وتيرة الترقّب، باعتبار هذه المناسبة محطة رمزيّة وسياسيّة مفصليّة في مسار التيار، وموعداً تقليديًا لإطلاق المواقف الكبرى. إلا أنّ الكلمة التي ألقاها الحريري هذا العام جاءت محمّلة بقدر كبير من الالتباس، فلم تتضمن إعلانًا صريحًا عن خوض تيّاره الانتخابات بمرشحين واضحين، كما لم تحسم خيار العزوف، بل تركت الباب مواربًا أمام الاحتمالات كافةً. والأكثر دلالة أنّ الحريري ألمح إلى احتمال عدم إجراء الانتخابات في موعدها أساسًا، رابطًا موقفه النهائي بتثبيت هذا الموعد، ومؤكدًا أنّ عندها فقط سيظهر حجم التيار وأصواته وحيثيته الشعبية. بهذا المعنى، بدا الخطاب أقرب إلى إعادة تموضع سياسي مدروس، يوازن بين الحفاظ على الحضور الشعبي وعدم التورط في التزام انتخابي مبكر.
انطلاقاً من هذا المناخ السياسي المشحون بالتوقّعات والرهانات، لم يوجّه الرئيس الحريري خطابه نحو مسألة "الترشيح" بقدر ما شدّد على مفهوم "الاقتراع" والمشاركة الشعبية، في تمييز مدروس ينطوي على أكثر من دلالة سياسيّة. فانتخابات عام 2022 أثبتت أنّ القاعدة الشعبية للتيار الأزرق لا تزال حاضرة في صناديق الاقتراع، حتى في ظل غياب قرار رسمي بخوض المعركة الانتخابية، ما يؤكد أنّ "المستقبل" يحتفظ بكتلة ناخبة وازنة قادرة على التأثير في النتائج وإعادة رسم التوازنات داخل عدد من الدوائر. لذا يمكن قراءة تركيز الحريري على الاقتراع بوصفه رسالة مزدوجة: أولًا، تثبيت حضوره الشعبي وعدم السماح بتكريس صورة الانكفاء أو التراجع، وثانيًا، السعي إلى إعادة تعويم موقعه في المعادلة السياسيّة باعتباره "الرقم الصعب" القادر على ترجيح الكفّة متى قرّر الانخراط المباشر أو غير المباشر في الاستحقاق. كما يندرج هذا الخطاب في إطار رفع سقف التفاوض السياسي تحضيرًا لأي تحالفات محتملة، انطلاقًا من معادلة واضحة مفادها بأنّ امتلاك كتلة ناخبة منضبطة وفاعلة يمنح صاحبها قوة تفاوضية لا يمكن تجاوزها في رسم خرائط التحالفات المقبلة.
في المقابل، ظهرت مؤشرات واضحة تدل على تحفّظ سعودي ملموس تجاه عودة الحريري إلى العمل السياسي المباشر. وتعزز هذا الانطباع بعدم قيام السفير السعودي لدى لبنان، وليد البخاري، بزيارة الضريح في وسط بيروت، منذ القطيعة بين الحريري والرياض، فيما عمد سفير الامارات العربية المتحدة فهد سالم سعيد الكعبي الى زيارة الضريح ووضع اكليلا من الزهور عليه. وبالتالي يُعدّ هذا الغياب المتعمّد رسالة غير مباشرة تفيد بعدم ارتياح المملكة لفكرة عودته إلى الواجهة السياسيّة التقليديّة في هذه المرحلة الحساسة، وهو ما ينعكس في شكل مباشر على حسابات التيار واستراتيجياته المستقبلية، في ظل العلاقة التاريخيّة العميقة التي ربطت الرياض بالحريري والتي لطالما شكّلت أحد أعمدة توازنه السياسي.
وفي سياق استشراف المرحلة المقبلة، رأى النائب السابق مصطفى علوش ل" كافيين دوت برس" أنّ خطاب الحريري لم يخرج عن الإطار الذي حدده في العام الماضي، إذ أبقى المسألة مفتوحة دون جواب نهائي، وترك المجال أمام كوادر التيار، ولا سيما الامين العام للتيار أحمد الحريري، لإعطاء انطباع باستمرار الجهوزية السياسيّة دون إعلان واضح عن ترشيحات مؤكدة، مشيراً إلى أنّ الرأي العام كان ينتظر موقفًا أكثر حسمًا، إلاّ أنّ المؤشرات المرتبطة بإجراء الانتخابات لا توحي بسهولة حصولها في موعدها، بسبب ثغرات دستورية متصلة بالقانون الحالي تحتاج إلى معالجة تشريعيّة.
من جهته، اعتبر النائب السابق أنطوان زهرا أنّ الرئيس الحريري، في ظلّ ضغوط الشارع وتوقعات جمهوره، اعتمد استراتيجيّة يمكن وصفها بـ"الغموض الإيجابي"، قصد من خلالها توجيه رسالة واضحة مفادها بأنّ تياره لم ينكسر ولن ينكسر، مع تجنّب الالتزام الصريح بخوض الاستحقاق النيابي في هذه المرحلة. وبذلك، نجح في الحفاظ على تماسك قاعدته الشعبية، وفي الوقت نفسه تفادى إعلان موقف قد تضطره الظروف لاحقًا لتعديله أو التراجع عنه.
أمّا النائب السابق جمال الجراح، فأكّد أنّ صورة مشاركة "المستقبل" في الانتخابات لا تزال غير محددة، سواء عبر لوائح مستقلة أو ضمن تحالفات، مشدداً على أنّ الوقت لا يزال كافيًا لدراسة الخيارات المتاحة، لا سيّما أنّ الحريري نفسه لم يؤكد بعد موعد الاستحقاق في شهر أيار، وهو ما يبرّر عدم اتخاذ مواقف صارمة أو نهائية في هذه المرحلة الدقيقة.
في ضوء هذه المعطيات، يبدو أنّ تيّار "المستقبل" يعتمد استراتيجيّة تقوم على إبقاء كل الخيارات مفتوحة، بين احتمال العودة إلى خوض المعركة الانتخابيّة بشكل مباشر، أو الاكتفاء بدور التأثير غير المباشر عبر قاعدته الشعبيّة. فالمشهد الانتخابي لم يستقر بعد، والعوامل الداخليّة المتصلة بالقانون والدستور تتقاطع مع اعتبارات إقليمية لا يمكن إغفالها. وبين الترقّب والحذر، يسعى التيار الأزرق إلى تثبيت حضوره في المعادلة الوطنيّة، دون الوقوع في التزام مبكر قد لا تتوافر له الظروف السياسية الكاملة، لتبقى الكلمة الفصل رهن تطورات المرحلة المقبلة داخليًا وإقليميًا.