انتخابات المتن: تحالفات متحرّكة ومخططات خفيّة

انتخابات المتن: تحالفات متحرّكة ومخططات خفيّة

انتخابات المتن  عام 2022

لم يبق على الاستحقاق النيابي سوى أربعة أشهر، فيما دخلت البلاد فعليّا مرحلة العدّ العكسي لانتخابات يُفترض أن تكون من الأكثر حساسيّة في ظل الواقع السياسي والاقتصادي القائم. ففي وقت بدأت مختلف الماكينات الانتخابيّة عملها الجدّي والمنظّم، مستنفرةً قدراتها البشريّة واللوجستيّة والإعلاميّة، برزت دائرة المتن إلى الواجهة باعتبارها واحدة من أصعب وأعقد الدوائر الانتخابيّة، نظرًا الى تشابك العوامل السياسيّة والحزبيّة فيها، وطبيعة القانون الانتخابي الحالي الذي يحكم، مسار المنافسة ويؤثر في شكل مباشر على النتائج.
 
 فهذا القانون، إلى جانب ما يحمله من ثغرات بنيويّة معروفة، أوجد واقعًا سياسيًا غير متوازن، لم تقتصر تداعياته على المنافسة بين الأحزاب المختلفة، إنّما انسحبت أيضًا على داخل الأحزاب نفسها، حيثُ بات التنافس الداخلي في بعض الدوائر أكثر حدّة من المواجهة مع الخصوم السياسيين. إذ أنّ دائرة المتن تحديدًا، أصبح من المألوف أن يسعى الحزب القادر على تحقيق خرق بمقعدين إلى إدارة صراع داخلي بين مرشحيه، في مشهد يعكس خللًا عميقًا في آلية التمثيل، ويفرض حسابات دقيقة غالبًا ما تأتي على حساب الانسجام السياسي.
 
 هذا الواقع ليس جديدًا، إذ سبق أن شهدته دوائر عدّة، وكان المتن أحد أبرز نماذجه. وفي هذا الإطار، تستعد "القوات اللبنانيّة" خلال الساعات المقبلة للإعلان رسميًا عن أسماء مرشحيها. ويُذكر أنه في انتخابات عام 2022، ومن دون الدخول في أي تحالف مع مكونات أخرى، تمكّنت من تحقيق خرق نوعي بحصولها على مقعدين، الماروني والكاثوليكي، اللذين شغلهما النائبان رازي الحاج وملحم رياشي. وقد خاضت "القوات" حينها معركة المقعد الكاثوليكي في ظل معركة سياسيّة طاحنة، تمثّلت بمحاولة رئيس الجمهورية السابق ميشال عون إسقاط رياشي، والعمل على إيصال مرشحه إيدي معلوف إلى ساحة النجمة. 
 

على هذا الأساس، عمدت "القوّات" في حينه إلى تجيير الغالبية الساحقة من أصواتها التفضيليّة لمصلحة رياشي، مع توزيع محدود ومدروس للأصوات لصالح النائب رازي الحاج، الأمر الذي أتاح للحزب تثبيت فوزه بالمقعدين. واليوم، يعود هذا المشهد ليُطرح مجددًا إلى الواجهة، إذ يسعى رياشي إلى إعادة تسويق السيناريو نفسه، من خلال الترويج لفكرة أنّ المعركة لا تزال محصورة بالمقعد الكاثوليكي، وأنّه يحتاج إلى ما يقارب أربعة عشر ألف صوت لضمان فوزه مرة جديدة، أي عمليًا إلى كامل الكتلة التصويتيّة الحزبيّة، بما يؤدي إلى إسقاط منافسه معلوف.

 

وإذ تحقق هذا السيناريو، وبفعل امتلاك "التيار الوطني الحرّ" حاصلًا انتخابيًا، يصبح في إمكانه إيصال مرشحه عن المقعد الماروني وهو مرشّح يُتداول في شأنه عدد من الأسماء، أبرزها ابنة الرئيس السابق ميشال عون، السيدة ميراي عون الهاشم، إلى جانب الخبير الاقتصادي وليد أبو سليمان أو منصور فاضل، ولا سيّما في ضوء الوعد الذي كان "التيار" قد قطعه للنائب ميشال المر بترك المقعد الأرثوذكسي خارج حصّته وعدم المساس به.
 وفي حال اتّجهت المعطيات نحو هذا السيناريو، تغدو "القوات" قادرة، في صورة شبه تلقائيّة، على تحقيق خرق إضافي في المقعد الأرثوذكسي، ولا سيّما في ظلّ طبيعة توزيع الأصوات في دائرة المتن الشمالي التي تضم مقعدين مخصّصين للطائفة الأرثوذكسيّة، وما يتيحه ذلك من هامش واسع لإعادة توجيه الأصوات التفضيلية بما يخدم هذا الهدف، الأمر الذي يعزّز حظوظ المرشّح سمير صليبا ويضعه في موقع متقدّم ضمن المشهد الانتخابي. في المقابل، قد ينعكس هذا المسار خسارةً للمقعد الماروني، على الرغم من إعادة ترشيح رازي الحاج والدعم السياسي الذي يحظى به من معراب، لا سيّما أنّه ترك بصمة إيجابية خلال ولايته، وهو ما شدّد عليه رئيس الحزب سمير جعجع في أكثر من مناسبة. غير أنّه، وعلى الرغم من المظلّة السياسية التي توفّرها معراب له، فإنّ تبدّل أولويات توزيع الأصوات التفضيليّة حدّ من قدرته على تعزيز موقعه الانتخابي.
 
 غير أنّ المنافسة تبقى محتدمة، خصوصًا في ظل تحركات النائب إبراهيم كنعان الذي يعمل على تشكيل لائحة انتخابيّة تضمّه إلى جانب النائب إلياس بو صعب وعدد من الشخصيات السياسيّة، في محاولة منه لتوسيع قاعدة تحالفاته وتحصين موقفه الانتخابي. وبأسلوب سياسي محسوب، كثّف كنعان خلال الفترة الأخيرة جهوده لتمرير ملفات ومواقف تصبّ في مصلحة الطائفة الشيعيّة، سواء عبر دوره في جلسة الموازنة الأخيرة أو من خلال اللقاءات المغلقة، بما يُشكّل محاولة واضحة لاستقطاب أصوات إضافيّة خارج معسكره التقليدي.
 
 وهكذا، يبدو أنّ كنعان يعمل على تنفيذ مخطط مدروس يهدف إلى تأمين ما يقارب ألفي صوت شيعي من عدد اصوات الناخبين، وهو عدد قد يتيح له اختراق المقعد الماروني، وتقديم نفسه كمرشح قادر على تجاوز الحدود الطائفيّة التقليدّية في الدائرة، وبالتالي تعد هذه الخطوة مؤشّرًا إلى أنّ المنافسة في المتن لم تعد محصورة ضمن قواعد اللعبة الحزبية المعتادة، إنّما دخلت مرحلة جديدة من الحسابات الدقيقة والرهانات المتبادلة، التي قد تغيّر معادلة النتائج إذا نجح في تحقيق هدفه. 
 
 وفي موازاة ذلك، ظهرت مؤشرات إلى احتمال إقدام حزبي "الكتائب" و"القوّات" على تشكيل تحالف انتخابي، على أن تضمّ اللائحة المشتركة من قبل الصيفي أسماءً بارزة مثل النائب سامي الجميّل والنائب إلياس حنكش، إضافة إلى نقيب الصيادلة السابق جو سلوم وعدد من الشخصيات ذات النفوذ العالي. وإذا تحقق هذا التحالف، فإنّ اللائحة المشتركة ستكون نظريًّا في موقع يمكّنها من تحقيق خرق قد يصل إلى خمسة مقاعد نيابيّة، ما يغيّر بشكل جذري معادلة المنافسة في الدائرة.

 

إلاّ أن هذا المسار يواجه عقبة جوهريّة، تتلخّص في شرط "الكتائب" استبعاد النائب ملحم رياشي من أي لائحة مشتركة، إذ ترى قيادة الحزب أنّ رياشي كان لاعبًا رئيسيًا في إسقاط رئيسة بلدية بكفيا نيكول الجميّل خلال انتخابات اتحاد بلديات المتن الأخيرة، عبر إقناعه عددًا من رؤساء البلديات بالتصويت لمنافستها السيّدة ميرنا المرّ. وحتّى اللحظة، لا يزال هذا التحالف معلقًا، فيما تُرجّح الساعات القليلة المقبلة كشف ما إذا كان سينضج ويتحقق أم سيبقى محصورًا في إطار المفاوضات غير المكتملة.
 
 
 وعلى خط آخر، تتشكّل لائحة مستقلة يقودها الصحافي سيمون أبو فاضل، بمشاركة الدكتور فؤاد أبو ناضر والمحامية ماريان شهاب الراعي، مع احتمال انضمام هاني صليبا إليها. ورغم إدراك أعضاء هذه اللائحة أنّ حظوظهم في معركة من هذا الحجم تبقى محدودة، إلاّ أنّهم يعوّلون على حالة الاعتراض الشعبي المتنامية في هذه الدائرة، حيثُ يشعر عدد من الناخبين بالخذلان من الأحزاب التقليديّة وخطابها ووعودها المتكرّرة، ويسعون إلى إيصال أصوات تنطلق من المجتمع وتعبّر عن همومه بشكل مباشر.
 
 أمّا حزب "الطاشناق"، فلا يزال حتّى الساعة يميل إلى التحالف مع النائبين إبراهيم كنعان وإلياس بو صعب، رغم أنّ مشاركة رئيس الحزب النائب هاغوب بقرادونيان في عشاء "التيار الوطني الحرّ" الأخير في الضبية لا تشكّل دليلًا قاطعًا على تثبيت هذا التحالف. فتاريخيًا، اعتاد الأرمن عمومًا و"الطاشناق" خصوصًا السير في الخط السياسي لرئاسة الجمهورية، انطلاقًا من موقعهم كأقليّة تسعى إلى حماية حضورها السياسي وضمان استمراريته، إلاّ أنّ التجربة اللبنانية أثبتت أنّ التحالفات تبقى قابلة للتبدّل حتى اللحظات الأخيرة.
 
 
 ومع قانون انتخابي يفرض إيقاعه ويعزز مناخ التنافس غير المتوازن، وشارع يعيش حالة قلق وتململ من تكرار الوعود وتكرار الوجوه، تصبح المرحلة المقبلة حاسمة في رسم ملامح المشهد النيابي. وإذا ما نجحت هذه الحسابات في تحقيق مكاسبها، فإنّ ما سيُسجّل في المتن الشمالي لن يبقى محصورًا ضمن حدوده، إنّما سيشكل مقدمة لتحوّلات أوسع قد تُعيد ترتيب قواعد اللعبة السياسيّة في لبنان بأكمله.
 
 

ناخبو عام 2022 ( كافيين دوت برس)


اقرأ المزيد من كتابات كارين القسيس