عزوف عقيص يضع "القوات" أمام مسؤوليّة مضاعفة
لم يكن عزوف النائب البقاعي جورج عقيص عن خوض الانتخابات النيابيّة المقبلة مجرّد قرار شخصي يُسجَّل في دفاتر السياسة اللّبنانيّة، بقدر ما جاء كصفعة صامتة لواقع نيابيّ مأزوم، وكشهادة حيّة على ما آل إليه مفهوم التمثيل البرلماني حين يغدو الاستثناء أثقل حضورًا من القاعدة. إنّه قرار يختصر، في دلالاته، مسارًا سياسيًا كاملًا، ويضع علامات استفهام كبرى حول وظيفة النيابة وحدودها ومعاييرها في بلد استُهلك فيه الموقع وبات المعنى فائضًا عن الحاجة.
فهذا القرار لا يمكن اختزاله باعتزال تقني أو انسحاب ظرفي، بل يُقرأ بوصفه خروجًا ديموقراطيًا لشخصية تعاملت مع النيابة باعتبارها التزامًا دستوريًا وأخلاقيًا، لا امتيازًا سياسيًا ولا وظيفة خاضعة لحسابات الربح والخسارة. إذ شكّل جورج عقيص، خلال ولايته، حالة نادرة داخل مجلس نواب أنهكته التسويات والانضباطات العمياء، فحضر رجل قانون قبل أن يكون نائبًا، ومشرّعًا قبل أن يكون سياسيًا، ومدافعًا عن الدستور بوصفه مرجعيّة نهائيّة لا مادة للاستخدام الانتقائي.
التزم "الرّيس" بالدستور ممارسةً لا شعارًا، واتخذ من الحريات العامة وحرية الرأي والتعبير خطًا أحمر لا يُساوم عليه، حتى عندما وضعه ذلك في مواجهة مباشرة مع مصالح قوى نافذة اعتادت تطويع النصوص وتفريغها من مضمونها. ومن هذا الموقع، جاءت مواقفه واضحة غير ملتبسة في محطات مفصلية، سواء في معركة استقلالية القضاء، أو في اقتراحات القوانين الهادفة إلى تنظيمه وتحصينه، أو في دفاعه الصريح والثابت عن حقوق أهالي ضحايا انفجار مرفأ بيروت، حيث اختار الوقوف في الصف الأول، التزامًا بقناعة راسخة بأن العدالة حقًا غير قابل للتأجيل.
ولم تكن مبادراته التشريعية انعكاسًا لاصطفاف حزبي أو التزامًا بخط سياسي جامد، بل نتاج قناعة قانونية وفكرية مستقلة، جعلت من حضوره النيابي حضورًا نقاشيًا ومساءلًا، لا تابعًا ولا مكمّل عدد. وفي زمن تراجعت فيه قيمة الرأي الحرّ داخل المؤسسات، شكّل عقيص نموذجًا لنائب يُحاسَب على أفكاره لا على ولاءاته.
وعلى المستوى الاجتماعي، لم ينفصل أداؤه النيابي عن حضوره الإنساني في زحلة والجوار، حيث عرفه الأهالي أخًا وصديقًا وريّسًا ومرجعًا يلجأون إليه خارج منطق الخدمات الانتخابية والمقايضات الصوتية، فلم يتعامل معهم يوماً بوصفهم خزان أصوات، إنّما شركاء في همّ عام، ولذلك لم يكن مستغربًا أن يحظى بثقة عابرة للاصطفافات، وأن يتقدّم اسمه على الحسابات الحزبيّة في محطات محليّة مفصلية، حين اختاره ناخبون من خارج خطه السياسي إيمانًا بنزاهته وبأنّ من يقول الحقيقة لا يبدّلها وفق موازين القوى.
غير أنّ هذا المسار لم يكن بلا كلفة. لقد تعب جورج عقيص، لا من خدمة أهله وناسه، بل من مناخ سياسي يعاقب الاستقامة ويكافئ الانتهازية، ويجعل من صاحب الموقف هدفًا دائمًا للطعن والتشويه. وكما الشجرة المثمرة تُرمى بالحجارة، كان حضوره عبئًا على كثيرين، حتى غدا قرار عزوفه اليوم مصدر ارتياح للبعض، لا لفراغه، بل لثقل الدور الذي أدّاه كخط دفاع صلب في وجه العبث. وفي المقابل، يشعر كثير من الزحالنة بخسارة شخصية جمعت، في زمن الانفصال، بين التشريع والوقوف الصادق إلى جانب الناس، في المحن قبل المناسبات.
والأهم أنّه رفع سقف الأداء النيابي إلى مستوى يصعب استبداله بسهولة، ولا سيما حين يتعلّق الأمر بالمقعد الكاثوليكي في مدينة زحلة، عاصمة الكثلكة في الشرق، بما تحمله من رمزية تاريخية ووطنية تتجاوز الحسابات الانتخابية الضيّقة وتضع المسؤولية في إطارها الأوسع.
وفي الخلاصة، لا يُقاس الإنسان ببقائه في السلطة، بل بما يتركه من أثر. ومن هذا المنظار، يغادر جورج عقيص المجلس النيابي في أيّار ٢٠٢٦ محمّلًا برصيد سياسي وأخلاقي نادر، حاز احترام الحلفاء والخصوم على حدّ سواء، وهو أمر بات استثناءً في الحياة السياسية اللبنانيّة، وبالتالي عزوفه لا يشكّل خسارة لطائفة بعينها فحسب، بقدر ما يفتح بابًا واسعًا للتساؤل حول مستقبل العمل النيابي ومعايير التمثيل الجدي داخل المؤسسات الدستورية، ويذكّر، بمرارة، بأن السياسة حين تُمارس على قاعدة المبدأ لا المنفعة، قد تُقصي أصحابها مرحليًا، لكنّها تبقيهم في الوعي العام مهما تغيّرت المواقع وتبدّلت الأسماء.