"التغييريون" في مرمى التصدّع مع اقتراب الانتخابات

"التغييريون" في مرمى التصدّع مع اقتراب الانتخابات

لم يكن فوز ثلاثة عشر نائبًا تغييريًا في انتخابات عام 2022 حدثًا عابرًا أو مجرّد انعكاس ظرفي لمزاج شعبيّ طارئ، إنّما جاء تتويجًا لحالة مجتمعيّة واسعة تبلورت في أعقاب انتفاضة السابع عشر من تشرين الأوّل، محمّلة بآمال كبرى وتطلعات جماعيّة عريضة. فقد رأت شريحة واسعة من اللّبنانيين في هذه القوى مدخلًا جديًا لكسر قواعد اللعبة السياسيّة التقليديّة، وإحداث تحوّل اساسيّ في بنية السلطة ومنهجيات أدائها.

غير أنّ هذا الحلم، الذي شقّ طريقه إلى ساحة النجمة، ما لبث أن اصطدم باختبار الواقع عند أولى الاستحقاقات الدستورية والسياسيّة، إذ تعثّرت التجربة في أكثر من مفصل، لا لأنّ الفكرة التغييرية كانت في جوهرها خاطئة، بل لأنّ التغيير، بوصفه حالة مجتمعية شاملة، لا يُدار بعقلية القيادة الفردية، ولا يقبل أن يُختزل بشخص أو مجموعة تدّعي احتكار تمثيله أو امتلاك مفاتيح قيادته.

 وسرعان ما تبيّن أنّ بعض من دخلوا إلى السلطة تحت راية التغيير، وقعوا في أسر الذهنيّة السياسيّة التقليديّة نفسها التي قامت انتفاضة تشرين في الأصل لمواجهتها. فاندمجوا، بدرجات متفاوتة، في منظومة الحكم، وتعاطوا مع العمل السياسي بالأدوات القديمة ذاتها، الأمر الذي أساء إلى صورة التغيير، وألحق ضررًا بالغًا بمصداقيته في نظر شريحة من ناخبيه.

 ومع اقتراب الاستحقاق النيابي المرتقب عام 2026، يعود السؤال بقوة إلى واجهة النقاش العام: أيّ من النواب التغييريين سيخوضون المعركة مجددًا؟ وعلى أي أساس ستُبنى تحالفاتهم؟ وهل سيتمكنون من إقناع الناخب بجدوى إعادة الثقة بهم، في ظل واقع سياسي واجتماعي مختلف جذريًا عمّا كان عليه عام 2022؟ خصوصاً أنّ الانتخابات المقبلة لن تُخاض على إيقاع زخم انتفاضة السابع عشر من تشرين، بل على وقع حرب مدمّرة طالت البشر والحجر، وفرضت تبدّلًا عميقًا في أولويات الناس ومزاجهم السياسي. ومع ذلك، فإن الحديث عن خيبات أصابت جزءًا من جمهور التغيير لا يجوز أن يتحوّل إلى تعميم شامل، إذ لا تزال هناك استثناءات واضحة بين النواب التغييريين، ممن يدركون أنّ حظوظهم الانتخابيّة تبقى مرتفعة نسبيًا مقارنة بزملاء آخرين لم يكونوا على مستوى توقعات قواعدهم الشعبية.
 
ومع انطلاق السباق المبكر نحو ساحة النجمة، يستعد معظم النواب التغييريين لخوض الانتخابات مجددًا. ويبرز في هذا الإطار النائب وضّاح الصادق، الذي بدأ العمل على تشكيل لائحة تعبّر عن خياراته السياسيّة، ويُرجّح أن تضم السيدة تمارا طبّارة، إلى جانب تواصله مع شخصيات بيروتية أخرى، من بينها سيف دياب، نجل النائب السابق سليم دياب، فضلًا عن أسماء أخرى يجري تداولها في الكواليس السياسيّة.

 في المقابل، يبدو النائب إبراهيم منيمنة في موقع حذر ومعقّد، في ظل إشكالية التمثيل السني في بيروت. فغياب تيار المستقبل في الدورة السابقة أتاح استفادة عدد من النواب السنّة من الفراغ السياسي، إلاّ أنّ المشهد اليوم مختلف، مع الحديث عن تعدد اللوائح وتشتت الأصوات، ما يجعل بلوغ الحاصل الانتخابي وخرق المقعد السني مهمة شديدة الصعوبة، ولا سيما في ظل امتعاض قائم في الشارع البيروتي من بعض مواقف واقتراحات نواب التغيير.

أمّا النائبة سينتيا زرازير، التي وصلت إلى البرلمان بأربعمئة وستة وثمانين صوتًا فقط، فتدرك أنّ حظوظها الانتخابيّة تبقى محدودة. وتشير المعطيات إلى أنها قد لا تخوض الانتخابات مجددًا، خصوصًا أنها كانت قد حظيت بدعم النائبة بولا يعقوبيان في الدورة السابقة، قبل أن تتوتر العلاقة بينهما داخل المجلس النيابي. ولو نجحت زرازير في استثمار حضورها النيابي وتثبيت موقعها السياسي، لكان من الممكن أن تعود إلى الترشح بثقة شعبيّة مستفيدة من وجودها في البرلمان. 

في المقابل، تعمل النائبة بولا يعقوبيان على تشكيل لائحة خاصة بها، وتجري جولات واتصالات مع عدد من الفعاليات بحثًا عن شركاء محتملين. وتشير المعطيات إلى أنّ فرصها لا تزال قائمة لخرق المقعد الأرمني، ما لم تبرز شخصيّة أرمنيّة نافذة وقويّة ماليًا قادرة على قلب موازين المعركة.

وفي دائرة الشوف–عاليه، تواصل النائبة نجاة صليبا، إلى جانب بعض القيمين، التحضير للائحة تغييرية، في محاولة للحفاظ على وحدة هذه الحالة ومنع تشظّيها، لا سيما في ظل دخول شخصيات جديدة إلى المشهد تدّعي الانتماء إلى التغيير، إلى جانب بعض الشخصيات الذين يقدّمون أنفسهم كقادة حصريين لهذه الحالة. ومن المتوقع الإعلان عن هذه اللائحة خلال الأسابيع القليلة المقبلة.

أمّا وضع النائبة حليمة قعقور فيُعدّ أكثر حساسيّة، نظرًا الى ترشحها عن المقعد السنيّ. فقد ساهم تشتت الأصوات السنية وغياب تيار المستقبل في الدورة الماضية في تسهيل وصولها إلى البرلمان، إلاّ أنّ المعطيات الحالية تشير إلى تبدّل المشهد. إذ أنّ لائحة "التقدمي الاشتراكي" المتحالفة مع "القوات اللبنانيّة" مرشحة لتأمين مقعد سني للنائب بلال عبد الله، وفي حال اختارت هذه اللائحة مرشحًا سنيًا ثانيًا من برجا، فقد تحسم المقعدين. أمّا إذا كان المرشح الثاني شخصية أقل حضورًا، وبقي الرئيس سعد الحريري خارج السباق، فقد يفتح ذلك هامشًا لإعادة خرق يعيد قعقور إلى الندوة البرلمانيّة.

وفي الجنوب، تبرز مفارقة لافتة تتمثّل بوجود نائبين تغييريين لكل منهما مقاربة سياسيّة مختلفة، ما يعكس أنّ وحدة الموقف ليست شرطًا جامعًا لكل النواب. ففي دائرة الجنوب الثالثة، يبرز النائب إلياس جرادي، الذي تميّز بمواقف علنيّة واضحة مؤيدة لفكر "الثنائي الشيعي"، انطلاقًا من أولوية مصلحة الجنوب. وهو يعمل على تشكيل لائحة خاصة به، معتبرًا أنّ وجوده في لائحة منافسة قد يخدمها أكثر من تحالف مباشر، على أن يُعلن عن تفاصيل هذه اللائحة قريبًا.

 كذلك يبرز النائب فراس حمدان، الذي قدّم في الجلسة الأخيرة لمجلس النواب مواقف متقدمة، شدّد فيها على أنّ الجنوب هو الأولوية المطلقة، وأنّ الولاء له حصري، بعيدًا عن أي مشاريع خارجية. ويستعد حمدان للترشح مجددًا، مستندًا إلى خلفيّة سياسيّة وإنسانيّة عزّزها حضوره الميداني الدائم في القرى الجنوبية خلال الحرب والقصف، سعيًا لمساندة الأهالي والوقوف إلى جانبهم.

وفي دائرة البقاع الثانية، يبرز النائب ياسين ياسين، الذي يستعد بدوره لخوض الاستحقاق النيابي المقبل، وهو في طور العمل على تشكيل لائحة انتخابية، وإن كان المشهد لا يزال حتى اللحظة هادئًا وضبابيًا، من دون اتضاح نهائي لطبيعة التحالفات أو شكل المعركة المرتقبة. غير أنّ المؤكد، وفق المعطيات، أنّ ياسين عازم على العودة إلى خوض الانتخابات، في انتظار تبلور المشهد السياسي في هذه الدائرة ذات الخصوصيّة العالية.

 أمّا في دائرة الشمال الثالثة  لا يزال النائب ميشال دويهي، في طور البحث عن لائحة تنسجم مع رؤيته لمفهوم الدولة اللبنانية، وسط تواصل قائم مع أحزاب يمينية في هذا الإطار، من دون أن يكون قد حسم موقفه النهائي بعد.

في المحصلة، تقف التجربة التغييريّة عند مفترق سياسي بالغ الدقة. فالانتخابات المقبلة لن تكون استفتاءً على أشخاص أو وجوه بعينها، بقدر ما ستكون اختبارًا حقيقيًا لقدرة قوى التغيير على إعادة إنتاج ذاتها، وتصويب مسارها، وبناء خطاب جامع يتجاوز الأفراد إلى المشروع. غير أنّ هذا النقاش، على أهميته، يبقى ناقصًا ما لم يُطرح السؤال الأعمق والأكثر إلحاحًا: هل تحتاج قوى التغيير إلى انتفاضة ثانية، تتجاوز رمزية السابع عشر من تشرين، كي تستعيد ثقة الشارع اللبناني وتعيد تعبئته سياسيًا وانتخابيًا؟

 

اقرأ المزيد من كتابات كارين القسيس