ضهر البيدر يُبتلع بالنهب والموازنة تُغلق باب الإنقاذ
منذ سنوات طويلة، لم تعد معاناة أهالي البقاع مع طريق ضهر البيدر مجرّد أزمة سير أو خلل تقني، بقدر ما تحوّلت إلى قرار سياسي مكشوف يقضي بإبقائهم رهائن لمسار قاتل. هذا الشريان الحيوي الذي يفترض أن يربط البقاع بالعاصمة، جرى تحويله بفعل الإهمال المتعمّد إلى طريق مظلمة ومتهالكة، وخالية من أبسط مقوّمات السلامة والبنى التحتيّة، حتّى أصبح عبوره مقامرة يوميّة مع الموت. فكل من يسلك هذا الطريق يخرج من منزله وهو لا يعلم إن كان سيصل إلى وجهته، أم أنّ رحلته ستنتهي عند حفرة، أو انهيار، أو منعطف مهمل. ومع ذلك، تصرّ الدولة اللبنانيّة على التعامل مع هذا الخطر الداهم كأنّه تفصيل هامشي لا يستحق المعالجة الجديّة، ولا حتّى الإدراج ضمن سلّم أولوياتها.
والأخطر من ذلك أنّ هذا الإهمال لم يعد قابلاً للتبرير، بل يمكن قراءته كـسياسة رسميّة واضحة المعالم تقوم على تجاهل البقاع وقطع الطريق فعليًا عن أهله، وكأنّ وجودهم لا يستحق طريقًا آمنًا يربطهم بوطنهم. والمسؤوليّة القانونيّة والإداريّة تقع مباشرة على عاتق وزارة الأشغال العامّة والنقل ومجلس الإنماء والإعمار، اللذين يتحمّلان، إلى جانب الحكومات المتعاقبة، كامل المسؤوليّة عن هذا الإهمال المزمن. فعلى مدى عقود، لم تنجح أي حكومة في إنجاز هذا المشروع أو حتّى وضعه على سكّة التنفيذ الفعلي، ولم يقم أي وزير بواجباته، ولم تتحوّل الوعود المتكرّرة إلى أي واقع ملموس، سوى المزيد من الخطر، والمزيد من الضحايا المحتملين.
خطوة دون نتيجة
الوزير الحالي، فايز رسامني، قدّم خطة، لكن الخطة من دون تمويل لا تؤدي إلى أي نتيجة. فالوزير، مهما حاول، عاجز عن تأمين التمويل وحده أو فرض هذا الملف على حكومة وضعت أولوياتها في مكان آخر، وجعلت ضهر البيدر في آخر اهتماماتها. وهنا تكمن الأسئلة الجوهريّة: على أي أساس تحدّد الحكومة أولوياتها؟ وما هي المعايير المعتمدة؟ ولماذا حظيت مدينة جونية بأربعين مليون دولار لاستكمال مشاريعها، في حين تُترك طريق ضهر البيدر، المعروفة اليوم بطريق الموت، خارج أي نقاش جدّي، وخارج الموازنة العامة بالكامل؟
فالمشكلتان الأساسيتان في مشروع استكمال الأوتوستراد العربي وطريق ضهر البيدر واضحتان ولا تحتملان التأويل منها غياب التمويل نتيجة قرار سياسي متعمّد بعدم اعتبار هذا الطريق أولوية وطنية، والمشكلة الثانية أنّ الدولة، حتّى لو حضر التمويل، لا تملك رؤية واضحة أو جهوزيّة تنفيذيّة تضمن إنجاز المشروع وفق معايير صحيحة وآمنة. فالحكومة لم تضع اعتمادًا لطريق ضهر البيدر في الموازنة، ولم تُعط نفسها حتّى عناء التخطيط الجدي له.
ولفهم مدى عمق هذا العبث الإداري والمالي، لا بد من العودة إلى جذور مشروع الأوتوستراد العربي وتاريخ تعثره عبر العقود، إذ تعود جذوره إلى توصية صدرت عام 1967 عن اللجنة الدائمة للمواصلات في جامعة الدول العربيّة، دعت حينها إلى ربط الساحل الشرقي للبحر المتوسط بالدول العربية، وفي عام 1969 وُضعت الدراسات الأوليّة، وفي عام 1994 أجاز مجلس الوزراء لمجلس تنفيذ المشاريع الإنشائيّة البدء بالتنفيذ، قبل أن تنتقل مهمة الإشراف إلى مجلس الإنماء والإعمار. ورغم هذا المسار القانوني الواضح، بقي المشروع يتأرجح بين الحكومات والمجالس، وتعثّر مرارًا بسبب قرارات ماليّة غير مكتملة وسوء إدارة مزمن ونهب وسرقة.
لكن ما يزيد الطين بلة أنّ التعثر كان نتاج فساد ماليّ واضح، اذ صرفت الأموال بلا أثر، والإصرار على المطالبة بذات المبالغ وكأنّ شيئًا لم يُنجز بعد على أرض الواقع يفتح علامات استفهام عديدة، بحيث أنّ كلفة الأوتوستراد العربي قُدّرت بنحو 180 مليون دولار، ورُصدت الأموال في مرحلة معيّنة وبدأ التنفيذ فعلياً، قبل أن يتوقّف المشروع فجأة بذريعة أنّ التمويل "تبخّر".
لا يمكن توصيف هذا الواقع إلاّ بوصفه نموذجاً فاضحاً لانعدام الشفافيّة والمساءلة. أين ذهبت الأموال التي صُرفت؟ ومن المسؤول عن تبديدها؟ ومن راقب؟ ومن دقّق؟ ومن اتخذ القرار بإعادة تحميل الدولة والمواطن الكلفة نفسها مرّة ثانية؟، فإعادة طرح الرقم المالي ذاته بعد إنجاز نصف المشروع يشكّل فضيحة مالية مكتملة الأركان، تضع مجلس الإنماء والإعمار، ومعه الحكومات المتعاقبة، أمام مسؤوليّة مباشرة عن الهدر وسوء الإدارة، إن لم يكن ما هو أخطر. وفي موازاة ذلك، يبقى الأوتوستراد معلّقًا، وتبقى طريق ضهر البيدر رهينة هذا العبث المالي والإداري.
في المقابل، يجري الترويج لهذا المشروع وكأنّه يتطلّب اعتمادات ضخمة، فيما الوقائع تُكذّب هذا الادّعاء. فالتقاطع الأكثر إلحاحاً اليوم، الممتد من بوارج إلى شتورة، لا تتجاوز كلفته عشرة ملايين دولار فقط. نعم، عشرة ملايين لا غير. ومع ذلك، تعجز الدولة عن إدراج هذا المبلغ في الموازنة لمشروع يشكّل شرياناً اقتصادياً حيوياً للبنان، ويرتبط مباشرة بحياة المواطنين وسلامتهم.
ولا يمكن، في هذا الإطار، تبرئة السلطة التشريعيّة من هذه الجريمة الصامتة. فنواب البقاع الذين صوّتوا على الموازنة وهم على علم مسبق بخلوّها من أي اعتماد لطريق ضهر البيدر يتحمّلون مسؤولية مباشرة. وعلى وجه الخصوص، نواب "حزب الله"، الذين كانوا الوحيدين من نواب البقاع الذين صوّتوا لصالح الموازنة. فهل يسلك النائب علي الحاج حسن طريقاً بديلة للوصول إلى بعلبك – الهرمل؟ وهل يصل النائب غازي زعيتر إلى بلدته عبر الشمال؟ أم أنّ أولوياتهم تختزل حصراً بشعارات لا تعالج أبسط مقوّمات حياة الناس؟
صحيح أنّ نواب البقاع، من مختلف الانتماءات السياسيّة، عقدوا اجتماعاً وبحثوا في سبل الضغط على الحكومة، غير أنّ النتائج بقيت معدومة. فالدولة، في ممارستها الفعلية، دولة مركزية مفرطة، لا ترى سوى بيروت وجبل لبنان، فيما الجنوب يُدمَّر، وطرابلس تُترك للفقر والحرمان، ويُترك البقاع لمصيره. من هنا، تبرز خطورة هذا الإهمال، إذ أنّ مستقبل لبنان الاقتصادي مرتبط حكماً بجيرانه وبحركة العبور والتجارة. واليوم، يقف لبنان على حدود سوريا وإسرائيل، والسؤال البديهي: مع من سيبني لبنان علاقاته الاقتصاديّة؟ وكيف يمكن الحديث عن أي دور اقتصادي أو تجاري في ظل طريق أساسيّة غير صالحة للاستعمال؟
أمّا الحديث عن التمويل الخارجي، سواء من المملكة العربيّة السعوديّة أو من أي دولة عربية أخرى، فيُستخدم ذريعة إضافية للتنصّل من المسؤولية. يُقال إنّ الدعم مشروط بحل ملف سلاح "حزب الله"، لكن حتّى لو جاء التمويل غداً من السعودية أو الإمارات أو الكويت، فهل ستُصرف هذه الأموال كما يجب؟ وهل يوجد في لبنان من يملك القدرة على تنفيذ طريق آمنة فعلاً؟ ففي دول العالم الثالث، يؤدي مجرّد تزفيت الطرقات إلى زيادة عدد الضحايا بسبب السرعة، فكيف في بلد يحتاج إلى بنى تحتية متكاملة، وإنارة مدروسة، وإجراءات سلامة مرورية حقيقية؟ إيجاد هذه الخبرات في لبنان بات بحدّ ذاته أزمة.
في مقابل هذا العجز الرسمي الفاضح، لم تقف بلديتا زحلة وشتورة موقف المتفرّج، فقد تحرّك رئيس بلدية زحلة، سليم غزالة، بالتعاون مع عضو تكتل "الجمهورية القوية"، النائب جورج عقيص، وعُقدت اجتماعات مع مختصين من مجلس الإنماء والإعمار، فيما توجّه رئيس بلدية شتورة، ميشال مطران، إلى وزير الأشغال العامة وعقد معه اجتماعًا مطوّلًا، لكن النتيجة كانت متوقعة: "لا اعتمادات، ولا قرار"، فقط اكتفى الوزير بوعود فضفاضة بمحاولة تأمين إنارة للطريق، درءاً لمزيد من الضحايا. مرّ الشتاء بثقله، وكاد ينتهي، فيما بقيت الطريق مظلمة، والوعود معلّقة، والإهمال يحصد المزيد من الأرواح.
إنّهم لا يخطئون بالصدفة، إنهم يقتلون بصمت عبر سياسة متعمّدة تجعل من البقاع مساحةً خارج الدولة، ومن طريق ضهر البيدر مسرحًا يوميًا للموت. وما لم يتحوّل هذا الملف إلى قضيّة محاسبة حقيقيّة، فإنّ أهالي البقاع سيستمرون في دفع الثمن من حياتهم، في دولة اختارت أن تُدير الإهمال بدل أن تحمي مواطنيها.

