مشهد انتخابي مزدوج : ديناميكيّة وهدوء تحت سقف واحد
انتخابات لبنان ( وزارة الاعلام)
تتصاعد وتيرة التحرّكات الانتخابيّة في الأيّام الأخيرة، مع اجتماعات حامية النقاش، ولوائح تتبلور تدريجيًا، وحسابات دقيقة للأصوات التفضيليّة، وتحالفات تُنسج بحذر على نار هادئة، في مشهد يدل على أنّ عجلة الاستحقاق السياسي تدور بثبات، وأنّ أيّار المقبل يشكّل محطة حاسمة في مسار الانتخابات. ومع ذلك، تكشف الأجواء خلف الكواليس عن واقع أكثر تعقيدًا، حيثُ يطغى الحذر على الخطاب السياسي وتتردد تقديرات غير محسومة داخل الغرف المغلقة.
في الأروقة الدبلوماسيّة الأميركيّة، تتبلور قناعة بأنّ إجراء الانتخابات في موعدها ليس أمرًا محسومًا، لا بوصفه قرارًا بتعطيل العملية، بل كقراءة سياسيّة تشير إلى أنّ تعقيدات المشهد الحكومي والتوازنات البرلمانية الحالية قد تجعل من الاستحقاق مغامرة غير مضمونة النتائج. فالمجتمع الدولي، رغم اهتمامه باستقرار لبنان، يبدو غير راغب في التورط في التفاصيل الدقيقة أو تحمل تبعات اهتزاز حكومي محتمل. ومن هذا المنطلق، يظهر دعم عربي لاستمرار رئيس الحكومة نواف سلام في موقعه بعد الانتخابات، باعتباره ضمانة للاستمرارية وأقل قدر من الاختلال في التوازنات. غير أنّ هذه المعادلة تصطدم بحقيقة أنّ موازين القوى في المجلس النيابي قد تبقى على حالها حتى بعد الاستحقاق، ما يجعل مستقبل الرئاسة الثالثة رهنًا بتفاهمات داخلية معقدّة، لا بضمانات خارجيّة.
وبينما تبقى تقديرات الخارج معلّقة، تتفاقم في الداخل التحديات الدستوريّة والسياسيّة التي قد تؤثر مباشرة على مجريات الاستحقاق الانتخابي، إذ أنّه في قلب المشهد لم تتضح بعد حدود هذه التحديات خصوصًا بعد رأي هيئة التشريع والاستشارات الذي أثار اعتراض "الثنائي الشيعي" و"التيار الوطني الحرّ"، فترشّح شخصيات عن الدائرة السادسة عشرة الخاصة بالانتشار يفتح الباب أمام إشكاليات قانونيّة تتصل بعدم صدور المراسيم التطبيقيّة وآليّة شمول النواب الستة المخصّصين للاغتراب. وفي حال رفض طلبات الترشيح لهذه الأسباب، فإنّ الطعن أمام مجلس شورى الدولة بتعاميم وزارة الداخليّة وعدم إصدار المراسيم قد يتحول إلى مسار نزاعي يُدخل الاستحقاق في متاهة قضائيّة.
مع ذلك، يتصرّف "حزب الله" على قاعدة أنّ الانتخابات قائمة في موعدها، وبدأت بعض الأمور تتبلور، ولا سيما في بعلبك–الهرمل، في رسالة مزدوجة بالتزام بالقانون النافذ، وبالاستعداد الكامل لخوض المعركة.
الحركة الانتخابيّة نفسها تنسحب على "القوات اللبنانيّة"، حيثُ تتبلور لوائحها تدريجيًا. وقد برز توجه لترشيح الأستاذ الجامعي عماد مراد عن المقعد الكاثوليكي في المتن الشمالي بدلًا من النائب ملحم رياشي، في خطوة تعكس قراءة دقيقة لخصوصيّة الدائرة. فمعراب تسعى هذه المرّة إلى اختيار شخصيّة تحمل إرثًا فكريًا وثقافيًا، وجعل ترشيح أكاديمي خيارًا متوافقًا مع توجهها ومشروعها السياسي. وفي المقابل، تبقى دوائر أخرى، مثل بعبدا، مرتبطة بتاريخ" المقاومة المسيحيّة"، ما يبرّر الإبقاء على وجوه سياسيّة لها حضورها المؤثر وخلفيتها النضاليّة المميزّة، بينما يتركز الاهتمام على دوائر محدّدة، وتبقى دوائر أخرى قيد الدراسة لتحديد طبيعة التحالفات الممكنة فيها.
الصيفي ومعراب على خط واحد
بعد سنوات من التباعد في التحالفات النيابيّة بين "الكتائب" و"القوات"، يبدو أنّ استحقاق عام 2026 قد يجمعهما مجددًا، إذ تتجه الصيفي نحو إبرام تحالف واسع مع معراب في معظم الدوائر، بعدما اشترطت أن يكون هذا التحالف شاملًا على مستوى الوطن، وليس مقتصرًا في دوائر محدّدة، إلاّ أنّ القانون الانتخابي الحالي يفرض حسابات تكتيكيّة مختلفة، كما في بيروت الأولى، حيثُ تتداخل الاعتبارات العدديّة مع توزيع الأصوات التفضيليّة. فتموضع النائب نديم الجميّل على هذه اللائحة أو تلك لا يُقرأ كخيار شخصي فحسب، بل كعنصر حاسم في إمكان الخرق بمقعدين أو إعادة توزيع الحواصل بطريقة تغيّر النتائج جذريًا، إنّها معركة أرقام بامتياز، حيثُ قد يحدّد فارق مئات الأصوات شكل التمثيل السياسي لدائرة بأكملها.
في المقابل، يواصل "التيار الوطني الحرّ" تنسيقه مع "حزب الله"، مع فصل براغماتي بين نقاط الخلاف، كملف السلاح، ومتطلبات الاستحقاق الانتخابي التي تفرض تحالفًا في دوائر محددة. أمّا حركة "أمل"، فتؤكد تمسّكها الصارم بالقانون النافذ، وقد رشّحت عباس فواز عن المقعد الشيعي في الدائرة 16، في إشارة واضحة إلى أنّها تتعامل مع الانتخابات كاستحقاق واقع لا افتراضي، وتتحضّر له داخليًا وخارجيًا على حد سواء.
ومع ذلك، لا تسري هذه الحيوية على كامل الأراضي اللبنانيّة. ففي بعض الدوائر، يسود هدوء لافت وتريّث محسوب، كأنّ الاستحقاق مؤجّل سلفًا، كما في البقاع الغربي وصيدا–جزين. هذا التفاوت في الإيقاع يعكس اختلافًا في التقدير السياسي: بين من يتعامل مع أيّار كموعد حتمي، ومن يراه احتمالًا مشروطًا بتطورات داخليّة وإقليميّة قد تعيد خلط الأوراق في لحظة واحدة.
على صعيد آخر، وفي ما يتصل بالالتباس الذي أثير حول طلبات الترشيح، فقد باشرت المصارف، منذ يومين، إعادة فتح الحسابات المصرفية المخصّصة للحملات الانتخابية للمرشحين، بعد أن كانت قد أوقفت هذه الإجراءات بانتظار صدور تعميم رسمي عن المصرف المركزي يحدّد الآلية الواجب اعتمادها في هذا الشأن. وقد جاء التعميم استجابةً لكتاب وجّهه وزير الداخلية والبلديات، أحمد الحجار، إلى حاكم مصرف لبنان، كريم سعيد، طالب فيه بإصدار توجيهات واضحة تنظّم عملية فتح الحسابات، وذلك على خلفية شكاوى تقدّم بها عدد من المرشحين بشأن امتناع بعض المصارف عن استقبال طلباتهم إلى حين صدور التعليمات الرسمية.
ومن المنتظر أن يسهم صدور هذا التعميم في إحداث انفراج ملحوظ في مسار العملية الانتخابية، من خلال تسهيل فتح الحسابات المصرفية الخاصة بالحملات، الأمر الذي يُرجَّح أن ينعكس ارتفاعًا في عدد طلبات الترشيح المقدَّمة إلى "الداخليّة"، بعدما بقي العدد محصوراً حتّى الآن بحسب مصادر الوزارة بعشرة طلبات فقط نتيجة التعقيدات الإجرائية السابقة.
لبنان، إذًا، أمام مشهد مزدوج. تحرّك انتخابي ملموس، يقابله ترقّب عميق لاحتمالات التأجيل أو الانفجار الإقليمي. وبين النصّ الدستوري والواقع السياسي، وبين الحسابات المحليّة وضغط الإقليم، يبقى السؤال مفتوحًا على مصراعيه: هل يكون أيار موعد تثبيت الاستقرار عبر تجديد الشرعية الشعبية، أم محطة جديدة تُدار فيها الأزمة بدل أن تُحلّ؟