تعهّدات عون أمام مقصلة القرار الأميركي و"حزب الله" في مهبّ المتغيرات الإقليميّة

تعهّدات عون أمام مقصلة القرار الأميركي و"حزب الله" في مهبّ المتغيرات الإقليميّة

عون في البيت الابيض

منذ ستة عشر عامًا، كان المشهد اللبناني يُدار وفق قواعد مغايرة تمامًا. يومها، لم يتردد رئيس الجمهورية السابق إميل لحود في نسف المطالب الأميركيّة وضربها عرض الحائط، بعدما أقفل الخط الهاتفي في وجه وزيرة الخارجيّة الأميركيّة آنذاك، مادلين أولبرايت، في مرحلة كان فيها الاحتلال السوري في ذروة قوته وسطوته على القرار اللبناني، فيما لم يكن لبنان يحتلّ موقعًا متقدمًا في سلم أولويات واشنطن، وكانت موازين القوى تميل في صورة شبه كاملة لمصلحة المحور  السوري - الإيراني. 
 أمّا اليوم، فقد انقلب المشهد رأسًا على عقب، تبدّلت المعادلات، وسقطت محاور، وتصدّعت أخرى، فيما دخل الشرق الأوسط مرحلة إعادة رسم لخرائط النفوذ والتوازنات. وفي قلب هذه التحولات، عاد لبنان ليتقدّم مجددًا على جدول الاهتمامات الأميركية، لا سيّما مع عودة الرئيس الأميركي دونالد ترامب إلى البيت الأبيض. ووفق مصادر أميركية متابعة، فإن ترامب يُبدي اهتمامًا خاصًا بلبنان، انطلاقًا من اعتبارات سياسيّة مرتبطة بموقعه الجيوسياسي، إلى جانب علاقاته الشخصية مع مسؤولين من أصول لبنانية، فضلًا عن الروابط العائلية التي تجمعه بلبنان عبر حفيده المتحدّر من أصول لبنانيّة.

وترى المصادر الأميركيّة نفسها أنّ هذا الاهتمام الأميركي تزامن مع وصول رئيس الجمهورية جوزف عون إلى قصر بعبدا، إذ إنّ المشهد كان سيُفرض على أي شخصيّة تصل إلى الرئاسة، بعدما بات الشرق الأوسط أمام واقع جديد ومعادلات مختلفة لا تسمح بإدارة البلاد بالأساليب السابقة، إلاّ أن وصول عون، وخطاب القسم الذي ألقاه، شكّلا بالنسبة إلى واشنطن إشارة واضحة إلى نيّة رسميّة بمبدأ حصر السلاح في يد الدولة وبسط سلطتها على كامل الأراضي اللبنانيّة.

ومع تسارع التحولات الإقليمية، من سقوط نظام الرئيس السوري السابق بشار الأسد إلى التغيّرات الكبرى التي يشهدها العراق، مرورًا بتراجع نفوذ الأذرع الإيرانية في عدد من دول المنطقة، تنظر الإدارة الأميركية إلى لبنان باعتباره جزءًا من مشهد إعادة تشكيل الشرق الأوسط. غير أن المشكلة، بحسب المصادر، تكمن في أنّ لبنان لا يزال مترددًا في وضع نفسه على المسار المطلوب؛ فالموقف الرسمي من تطبيق وتنفيذ حصرية السلاح لا يزال عالقًا في منطقة رمادية، فيما يغيب أي تجاوب حاسم يواكب حجم التحولات الجارية من حوله. 
 من هنا، تؤكد المصادر أنّ زيارة عون إلى واشنطن لم تكن زيارة رسميّة- بروتوكولية، ولا لقاءً ذا طابع عائلي كما حاول بعض أعضاء الوفد المرافق تصويرها، إنّما جاءت، وفق البيت الأبيض، في سياق سياسي بالغ الحساسية والدقة. كذلك تشير إلى أنّ الزيارة التي امتدت لأربعة أيام، تمحورت في شكل أساسي حول عقد لقاء مباشر مع نظيره الأميركي الرئيس ترامب، بهدف أن يستمع الأخير مباشرة إلى موقف عون حيال المرحلة المقبلة، ولا سيما في ما يتعلق بالملف الأكثر تعقيدًا وحساسية، أي مسألة سلاح "حزب الله": هل الاتجاه نحو نزع السلاح، أم الإبقاء على الواقع القائم كما هو؟

وبحسب هذه المصادر، وعد عون نظيره الأميركي بالالتزام بتنفيذ نزع سلاح "الحزب"، واستكمال ولايته بما يضمن الحفاظ على الاستقرار وتفادي انزلاق لبنان إلى مواجهة عسكرية جديدة، داعيًا إيّاه إلى دعم الجيش اللبناني وتمكينه من القيام بدوره الكامل في بسط سلطة الدولة.

وتضيف أنّ اختزال السياسة الأميركية بالقول إنّ هدف ترامب الأساسي هو مواجهة "حزب الله" لا يعكس كامل المشهد، ولا يلامس جوهر التفكير الاستراتيجي للإدارة الأميركية. فوفق مقاربة ترامب، فإنّ المعركة الأوسع لا تستهدف الذراع وحدها، بل مركز القرار الذي يغذيها، أي النظام الإيراني نفسه، باعتباره المصدر الأساسي للقوة والنفوذ الذي تستند إليه الأذرع الإقليمية، وفي مقدمها "حزب الله" في لبنان. وبحسب هذا المنطق، فإن سقوط النظام الإيراني سيؤدي تلقائيًا إلى فقدان "الحزب" جناحه العسكري والدور الذي يستمده من هذا الدعم الإقليمي.
 وفي ما يتصل بملف الجنوب اللّبناني، توضح المصادر الأميركيّة أنّ النقاش حول الانسحاب الإسرائيلي من هذه المنطقة لا يُقرأ في واشنطن بمعزل عن ملف نزع سلاح "حزب الله". إذ ترى الإدارة الأميركية أنّ جوهر المسألة لا يرتبط برغبة إسرائيلية في البقاء داخل الأراضي اللبنانية، بل باعتبارات أمنيّة بحتة، تتمثل أولًا وأخيرًا في ضمان أمنها ومنع تكرار التهديدات على حدودها. وتذهب المصادر إلى التأكيد أنّ أي قرار واضح يتخذه ترامب في شأن الانسحاب من الجنوب اللبناني سيكون كفيلًا بدفع الحكومة الإسرائيلية إلى التجاوب معه، إلا أنّ واشنطن، في المقابل، لا تبدو مستعدة لمنح غطاء لانسحاب إسرائيلي كامل قبل إنجاز مسار نزع سلاح "الحزب" في صورة نهائيّة وواضحة.

وفي موازاة ذلك، تكشف أنّ ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان دخل على خط الاتصالات مع الإدارة الأميركيّة قبل ايام قليلة من اللقاء، في محاولة لتجنيب عون وضعًا سياسيًا محرجًا، وذلك عبر السعي إلى عدم تزامن زيارته إلى واشنطن مع زيارة رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، بما قد يفرض لقاءً مباشرًا بين الرجلين. ووفق المصادر، أبدى ترامب تفهمًا لهذا الطرح، فيما ترى المصادر نفسها أنّ الرياض لا ترغب في أن تظهر بيروت متقدمة عليها أو سبّاقة في أي مسار مرتبط بعملية السلام أو التسويات الإقليمية المقبلة لهذا السبب كُثفت الاتصالات عشيّة اللقاء.

أمّا على المستوى الأمني، فتستبعد المصادر أن يقدم "حزب الله" في المرحلة الراهنة على فتح جبهة إسناد جديدة، معتبرةً أنّ الظروف الحالية لا تخدم هذا الخيار، لافتةً إلى أنّ إيران، رغم دفعها الحوثيين نحو توسيع دائرة المواجهة، لا ترى في الوقت الراهن مصلحة استراتيجية في زجّ "الحزب" في مواجهة عسكرية جديدة قد تكون كلفتها مرتفعة ونتائجها محسومة، خصوصًا أنّ النظام الايراني يعتبره من أهم أذرعه والأكثر تأثيرًا. 
 أمّا على مستوى التفاهمات الإقليمية، فترى أن الاتفاق الإطاري المطروح يصبّ، في جوهره، في مصلحة لبنان، فيما جاءت مذكرة التفاهم الأميركية – الإيرانية، في إسلام آباد، لتكرّس المصالح الإيرانية بالدرجة الأولى. وانطلاقًا من هذه المقاربة، تؤكد المصادر أن "حزب الله" لا يزال يلتزم بالقرار الاستراتيجي الإيراني، وأن أي اهتزاز يصيب النظام في طهران لن يبقى محصورًا داخل حدوده، إنّما سينعكس تلقائيًا على "الحزب"، باعتباره أحد أبرز امتداداته الإقليميّة.

وتحذّر من أنّ لبنان يقف أمام مرحلة بالغة الدقة، لافتةً إلى أن واشنطن تضع أداء لبنان الرسمي تحت مجهر مراقبة صارمة، لقياس مدى التزام رئيس الجمهورية بالتعهدات التي قدّمها للإدارة الأميركية خلال اللقاء المغلق، وفي مقدّمها ملف حصر السلاح بيد الدولة. وبحسب المصادر، فإن أي تراجع أو تباطؤ في تنفيذ هذه الالتزامات لن يُقابل بمزيد من الوقت أو التفهّم، بل سيدفع الإدارة الأميركيّة إلى الانتقال نحو أدوات ضغط أكثر فاعلية للتعامل مع هذا الملف.

وتخلص المصادر إلى أن مسار التطورات تجاوز مرحلة المناورة، وأن العودة إلى الوراء لم تعد خيارًا مطروحًا، وبالتالي تواجد عون في المكتب البيضاوي شكّل الفرصة الأخيرة المتاحة أمام لبنان لإثبات استعداده للتماهي مع التحولات الكبرى التي تعيد رسم موازين القوى في المنطقة. أمّا الاستمرار في سياسة المراوحة أو الاكتفاء بإدارة الوقت، فلم يعد، وفق تقديرها، خيارًا تقبل به الإدارة الأميركية، التي باتت تتعامل مع هذا الملف بمنطق الحسم لا بمنطق الانتظار.

وفي ما يتعلق ببرنامج الزيارة، استهل عون نشاطه، يوم الاثنين، بسلسلة اجتماعات مع أعضاء في الكونغرس، بينهم مسؤولون من أصول لبنانية، قبل أن يعقد لقاءات مع مسؤولين في عدد من مراكز الأبحاث الأميركية المعنية بمتابعة التحولات الاستراتيجية في الشرق الأوسط، في ظل قناعة أميركية متزايدة بأن لبنان لم يعد ملفًا منفصلًا، إنّما بات جزءًا لا يتجزأ من هندسة المشهد الإقليمي الجديد.

وتُؤكد المصادر أن عون تعمّد عدم عقد أي لقاء مع أفراد الجالية اللبنانية في الولايات المتحدة، في خطوة هدفت إلى إبقاء المباحثات السياسية الحساسة ضمن أضيق نطاق ممكن، وحصر تفاصيلها بأعضاء الوفد الرسمي، بناءً على طلب أحد أعضاء الفريق المرافق. كذلك عقد اجتماعًا مع مستشار ترامب للشؤون العربية والأفريقيّة مسعد بولس، خُصّص، بحسب المصادر، لبحث الخطة التنفيذية الخاصة بملف نزع سلاح "حزب الله"، باعتباره أحد أكثر الملفات إلحاحًا على جدول الأولويات الأميركية في المرحلة المقبلة.
 
 

 


 


اقرأ المزيد من كتابات كارين القسيس