سيناريو فتوش يعود: التمديد يتسلّل بغطاء "تقني"

سيناريو فتوش يعود: التمديد يتسلّل بغطاء "تقني"

الانتخابات النيابيّة في مرمى القوى السياسيّة. وتأجيلها مع كل استحقاق انتخابيّ نيابيّ، تعود إلى الواجهة إشكالية ما عُرف في الأدبيات السياسيّة المحليّة بـ"قوانين غبّ الطلب"، وهي تلك التشريعات الانتخابية التي صيغت تاريخيًا وفق مقاسات قوى سياسيّة محدّدة، بما يخدم مصالحها الظرفية. وغالبًا ما اقترنت هذه القوانين بذريعة "التمديد التقني" لولاية المجلس النيابي، وهو تمديد تكرّر أكثر من مرّة تحت عناوين استثنائيّة، أُلبست دائمًا شعار "لمرة واحدة". غير أنّ التجربة اللّبنانية أثبتت، بما لا يدع مجالًا للشك، أن الاستثناء سرعان ما يتحول إلى قاعدة، وأنّ ما يوصف بالتقني لا يكون في كثير من الأحيان سوى غطاء لتمديد سياسي كامل الأوصاف.
 
اليوم، وعلى الرغم من الآمال الواسعة التي علّقها اللّبنانيون على العهد الجديد، تعود نغمة التأجيل لتفرض نفسها بقوّة في التداول السياسي، وسط حديث جديّ عن احتمال تمديد ولاية المجلس النيابي الحالي لبضعة أشهر، بما يؤدّي عمليًا إلى ترحيل موعد الانتخابات من أوائل أيّار إلى فصل الصيف. ويكتسب هذا الطرح بُعدًا إشكاليًا إضافيًا، كونه يتزامن مع توافق معلن بين رئيس مجلس النواب نبيه بري ورئيس الجمهورية جوزف عون على ضرورة احترام الموعد الدستوري للاستحقاق. 
 في المقابل، تتصاعد في الكواليس السياسيّة المخاوف من إعادة إنتاج سيناريو التمديد، ويُطرح مجدّدًا السؤال الإشكالي: من سيتولّى هذه المرّة دور المبادر إلى حمل "مشعل التمديد"؟ فالتجربة السابقة لا تزال ماثلة في الأذهان، حين تقدّم النائب السابق نقولا فتوش عام 2014 باقتراح قانون قضى بتمديد ولاية المجلس، على الرغم من إعلان رئيس المجلس آنذاك رفضه العلني للتمديد. وهو ما يعكس، بوضوح، هشاشة المواقف المعلنة أمام منطق التسويات السياسيّة واعتبارات الضرورة".

 ورغم تأكيد معظم القوى السياسيّة تمسّكها بإجراء الانتخابات في موعدها الدستوري، تبقى "البورصة السياسيّة" مفتوحة على احتمالات متعدّدة، في ظلّ خلاف جوهري حول آليّات تطبيق القانون الانتخابي القائم وصيغه التنفيذيّة، ولا سيّما في ما يتعلّق بدور الحكومة والإجراءات الواجب اتخاذها ضمن المهَل القانونيّة المحدّدة.

عدوان التمديد مرفوض تمامًا

 في هذا الإطار، تبرز "القوّات اللبنانيّة" في مقدّمة المتمسّكين بإجراء الاستحقاق في موعده. إذ يؤكّد عضو تكتل "الجمهوريّة القويّة" النائب جورج عدوان لـ"كافيين دوت برس" أنّ المسؤوليّة تقع اليوم إمّا على عاتق مجلس الوزراء لاتخاذ التدابير التنفيذيّة اللازمة، أو على المجلس النيابي للتحرّك تشريعيًا، أو على رئيس الجمهوريّة من خلال توجيه رسالة إلى البرلمان، مشدّدًا على أنّ أحد هذه المسارات الثلاثة لا بدّ أن يُفعّل. ويجزم عدوان بأنّ التمديد للمجلس النيابي الحالي مرفوض رفضًا قاطعًا، وأنّ أيّ ذريعة، مهما كان طابعها، لا يمكن أن تشكّل مبرّرًا مقبولًا للقبول به.

جبور : ضدّ التمديد

ويتقاطع معه في العناوين العامّة عضو تكتل "لبنان القوي" النائب جيمي جبّور، الذي يؤكّد أنّ "التيّار الوطني الحرّ" يقف ضدّ التمديد قولًا وفعلًا، ويدعم إجراء الانتخابات في موعدها الدستوري. غير أنّ جبّور يلفت إلى فجوة واضحة بين الخطاب السياسي المعلن وبين الإجراءات التنفيذيّة المطلوبة، معتبرًا أنّ الحكومة وضعت نفسها في مأزق قانوني عندما أعلنت عدم قدرتها على تطبيق القانون الحالي، وكلّفت وزير الداخليّة إبلاغ اللجنة النيابيّة الفرعيّة المعنيّة بذلك.

 ويرى أنّ الإشكاليّة الحقيقيّة لا تكمن في إعلان المواقف، بل في الخطوات العمليّة: هل ستُقدم الحكومة على إصدار المراسيم التطبيقيّة اللازمة لتنفيذ القانون النافذ، في ظلّ استحالة تعديله وفق المعطيات السياسيّة الراهنة؟ ولا سيّما أنّ رئيس مجلس النواب أعلن مرارًا رفضه إدخال أيّ تعديل على القانون الحالي، معتبرًا أنّ الخيار الوحيد المتاح هو الذهاب إلى قانون جديد، وهو خيار لا تتوافر له شروط التوافق السياسي. ويشدّد جبّور على أنّ "التيّار" يرفض تعديل القانون القائم، ويتمسّك بتطبيقه كاملًا، بما في ذلك المقاعد الستّة المخصّصة للمغتربين، محذّرًا في الوقت نفسه من ازدواجيّة الخطاب السياسي التي تجعل ضمان إجراء الاستحقاق في موعده موضع شكّ.

في المقابل، يشير إلى وجود كتلة غير قليلة من النواب المستقلّين أو المتضرّرين انتخابيًا، قد تجد في تأجيل الانتخابات مصلحة مباشرة، وهي مستعدّة لتقديم اقتراح قانون للتمديد، مستندة إلى تجربة سابقة مرّت بأقلّ كلفة سياسيّة وشعبيّة وأخلاقيّة. 

برو وهاشم : الانتخابات في موعدها

على الضفّة الأخرى، يؤكّد عضو تكتل "الوفاء للمقاومة"، النائب رائد برو أنّ "حزب الله" يدعم إجراء الانتخابات في موعدها ووفقًا للقانون الحالي، لافتًا إلى أنّ "الحزب" باشر عمليًا بالتحضيرات الانتخابيّة في مختلف الأقضية، ويتعامل مع الاستحقاق بوصفه قائمًا حتمًا في موعده الدستوري. ويقرّ برو بوجود معوّقات ناتجة عن حدّة الانقسام السياسي في البلاد، مؤكّدًا أنّ النقاش لا يزال مفتوحًا بانتظار تبلور المسارات النهائيّة.

وفي السياق ذاته، يؤكد عضو تكتل "التنمية والتحرير" النائب قاسم هاشم أنّ موقف التكتل ثابت وواضح، ويتمثّل بدعم إجراء الانتخابات في موعدها وفق القانون النافذ، وهو موقف جرى التأكيد عليه مرارًا في اللجان النيابيّة وفي مختلف المحطّات السياسيّة السابقة والحاليّة.

 يتجاوز الجدل الدائر حول موعد الانتخابات النيابيّة  البعد التقني أو الإداري، ليطال جوهر النظام السياسي اللبناني وأزمته البنيويّة المستمرّة بين النصّ الدستوري والممارسة السياسيّة. فإجراء الاستحقاق في موعده أو تأجيله لا يُعدّ مجرّد استحقاق دوري، بقدر ما يشكّل اختبارًا فعليًا لمدى التزام السلطة بمبدأ تداول السلطة وبإعادة إنتاج الشرعيّة الديموقراطيّة. ومن هنا، يفتح هذا النقاش بابًا أوسع للتفكير في سؤال أكثر عمقًا: هل تكمن الأزمة في مواعيد الانتخابات وقوانينها فحسب، أم في طبيعة النظام السياسي نفسه، القائم على تسويات ظرفيّة تُفرغ الاستحقاقات الدستوريّة من مضمونها؟ سؤالٌ يبدو أنّه سيشكّل محور المرحلة المقبلة، متجاوزًا الاستحقاق النيابي ليطال مستقبل الإصلاح السياسي والدستوري في لبنان. في انتظار  "كلمة السر" الخارجيّة التي تبقى عاملًا حاسمًا، إذ إنّ ضغط المجتمع الدولي باتجاه احترام الاستحقاقات الدستوريّة قد يشكّل عنصرًا ضاغطًا يدفع القوى الداخليّة إلى خوض المعركة الدستوريّة بدل الالتفاف عليها.

اقرأ المزيد من كتابات كارين القسيس