براغماتيّة "الطاشناق" في مواجهة التحولات الإقليميّة
في السياسة اللّبنانيّة، حيثُ تتبدّل التحالفات تبعًا لتحوّل موازين القوى، وتُعاد صياغة الاصطفافات مع كل تبدّل في الرياح الإقليميّة، تبرز تجربة حزب "الطاشناق" نموذجًا دالًا على براغماتيّة الأحزاب ذات القاعدة التمثيليّة الخاصّة، وقدرتها على إعادة التموضع حفاظًا على الحضور والدور. فالحزب الذي شكّل لعقود ركيزة أساسيّة في التمثيل الأرمني داخل البرلمان، لم يكن يومًا أسير تموضع جامد، بقدر ما اتّسم أداؤه السياسي بمرونة محسوبة، توازن بين الهواجس الوجوديّة والاعتبارات الانتخابيّة، وبين الانتماء الهوياتي ومتطلبات الواقعيّة السياسيّة.
غير أنّ اندلاع "الحرب اللّبنانيّة" 1975 شكّل اللحظة المفصليّة التي عرّت هذا التموضع، واضعةً إيّاه أمام اختبار سياسي ووجودي بالغ القسوة، فمع دخول البلاد في دوامة صراع مفتوح أعاد رسم خطوط التماس السياسية والطائفية، وجد الحزب الأرمني نفسه أمام معادلة دقيقة بين الانخراط في التحالفات القائمة وحماية خصوصيته التمثيليّة، فاصطفّ حينها إلى جانب الأحزاب المسيحيّة اليمينية، ونسج تحالفات وثيقة مع حزب "الكتائب"، مستندًا إلى تقاطع في البيئة الاجتماعيّة وإلى شعور مشترك بالخطر الوجودي في مرحلة كانت الهويات فيها تتقدّم على البرامج.
وعقب انتهاء الحرب وتكريس معادلة جديدة مع اتفاق الطائف فرضا إعادة نظر شاملة في التموضع السياسي. فالنظام الذي أعاد توزيع الصلاحيات وأرسى توازنات مختلفة، بالتوازي مع النفوذ والاحتلال السوري الواسع، دفع الحزب إلى اعتماد سياسة "الحياد الحذر"، أقرب إلى التموضع الواقعي منه إلى الاصطفاف العقائدي.
في هذا الإطار، خاض "الطاشناق" انتخابات 1992، رغم المقاطعة الواسعة من قبل القوى المسيحيّة، في خطوة كشفت أنّ الحزب لم يكن مدفوعًا سوى بحسابات حماية رأسه، أكثر من كونه التزامًا بمبدأ سياسي ووجودي واضح. ولم يقتصر هذا الخيار على الداخل اللّبناني، إنّما ارتبط أيضًا بحسابات إقليميّة دقيقة، لا سيّما في ظلّ دعم النظام للقضيّة الأرمنيّة خلال المواجهات في إقليم ناغورني كاراباخ، ما أضفى على موقفه بعدًا يتجاوز الحدود المحليّة. عندها صوّت الحزب إلى جانب رئيس الحكومة السابق سليم الحص عام 1992، قبل أن يتحوّل إلى مواجهة الرئيس الراحل رفيق الحريري في انتخابات 1996، رغم تحالف ظرفيّ جمعهما بقرار سوري، ما اضطر الحريري للبحث عن توازنات بديلة داخل الشارع الأرمني، كاشفًا بذلك هشاشة واستراتيجيّة التموضع التي اعتمدها الطاشناق حينها.
وبعد عام 2005، ومع الانسحاب السوري، اختار الحزب التحالف مع رئيس الجمهورية السابق ميشال عون، ليندرج بوضوح ضمن قوى قوى 8 آذار. واستمر هذا التموضع في الاستحقاقات اللاحقة، وصولًا إلى انتخابات 2022، حيثُ بقي إلى جانب "التيار الوطني الحرّ" وآل المرّ، مقدّمًا نفسه شريكًا ثابتًا في هذا الخط السياسي، ومستفيدًا من تحالف أمّن له حضورًا وازنًا في كل من المتن وبيروت الثانية وزحلة.
غير أنّ التحولات التي أعقبت عام 2022 بدّلت المشهد في صورة عميقة. فقد تراجعت قدرة "محور الممانعة" على الإمساك بالمعادلة الداخليّة كما في السابق، لا سيّما بعد اغتيال الأمين العام لـحزب الله السيد حسن نصرالله، وسقوط نظام الرئيس السوري بشّار الأسد في سوريا وما رافق ذلك من اهتزاز في توازنات القوى. وأمام هذا الواقع الجديد، بدا "الطاشناق" كغيره من الأحزاب أمام استحقاق إعادة الحسابات، بحثًا عن موقع يضمن له الاستمراريّة في بيئة سياسيّة شديدة التقلّب.
وقد تجلّت هذه المراجعة في الانتخابات البلديّة والاختياريّة في الجديدة–البوشرية–السدّ، حيثُ تقاطع الحزب انتخابيًا مع حزبي "القوات" و"الكتائب" في خطوة حملت دلالات سياسيّة تتجاوز بعدها المحلي، وأعادت إلى الواجهة سؤال التموضع التاريخي للحزب داخل البيئة المسيحيّة الأوسع. فبدا وكأنّ الحزب الأرمني يُعيد وصل ما انقطع، لا من باب الحنين إلى اصطفافات سابقة، بل من منطلق حسابات دقيقة ترتبط بالحفاظ على التمثيل وتحصين الحضور.
قنوات تفاوض مع "القوات"
حين تشتد الضغوط وتضيق الخيارات، يظهر الوجه الحقيقي للبراغماتيّة السياسيّة. فمع اقتراب مهلة إقفال باب الترشيحات، وجد "الطاشناق" نفسه أمام مفترق حاسم، فاستعجل فتح قنوات تفاوض مع "القوّات" في دوائر المتن وبيروت الثانية وزحلة، سعيًا الى ضمان مقاعد تحافظ على حضوره السياسي وتكرّس نفوذه. غير أنّ هذه المفاوضات لم تصل إلى خواتيمها المرجوّة، ما دفع قيادة معراب إلى البحث عن بدائل عبر دعم شخصيّة أرمنية ذات حضور سياسي وازن أكثر.
وفي ظل محدوديّة الخيارات والضغوط المتصاعدة، لم يبق أمام الحزب سوى خيار واحد وهو التموضع في المتن ضمن لائحة تضم النائبين إلياس بو صعب وإبراهيم كنعان، فيما تبدو حظوظه في الأشرفية وزحلة أكثر تعقيدًا، حيثُ المنافسة أشدّ والهوامش السياسيّة أضيق، وهو ما يعكس بوضوح شدة التحديات التي تواجه الحزب في إدارة استراتيجيته الانتخابيّة.
هكذا، يجد "الطاشناق" نفسه أمام مرحلة مفصليّة حاسمة. حزب كان في مراحل سابقة رقمًا صعبًا تسعى القوى إلى استمالته، بات اليوم مضطرًا لإدارة مفاوضات معقدة لضمان اختراق مقعد انتخابي يحافظ على حضوره ونفوذه. غير أنّ قراءة مساره التاريخي تكشف أنه لم يكن يومًا حزب مواجهة، بقدر ما كان حزب تموضع دقيق، يتقن قراءة اللحظة السياسيّة، ويُعيد صياغة تحالفاته بما يخدم حماية التمثيل الأرمني وضمان استمراريّة حضوره داخل المعادلة اللبنانيّة، ولكن بين تبدّل المحاور والتحولات الإقليميّة المتسارعة، يبقى السؤال قائمًا: إلى أي مدى سيتمكّن الحزب من تحويل براغماتيته التقليديّة إلى مكاسب فعليّة في مرحلة تتقلص فيها هوامش المناورة وتعلو فيها الحسابات الكبرى على الاعتبارات الجزئيّة؟.