شمال لبنان يغلي ورفض لاقحامه بالنزاعات السورية
قضية تغلغل ضباط النظام السوري السابق في لبنان وتحضيرهم لعمليات في سوريا لا تزال تتفاعل في الشارع السني وترخي بثقلها على الاهتمامات والنقاشات. فثمة قلق كبير في الشارعين الطرابلسي والعكاري من تداعيات هذه المسألة ولا سيما في ظل تجارب ومآسي خبرها هذان الشارعان بالذات من نظام الرئيس السوري السابق بشار الأسد وأجهزته وضباطه على مدى 5 عقود.
قضية الضباط تتقدم على إيران وإسرائيل
على الرغم من مناخ التوتر الشديد السائد في لبنان والمنطقة عمومًا على إيقاع التصعيد الإسرائيلي المتمثل بالغارات المكثفة شمال نهر الليطاني، والتي طالت صيدا ومناطق في البقاع، وما تحمله من مخاوف عن ارتفاع احتمال شنّ إسرائيل لحرب موسعة. وبموازاة لهجة الرئيس الاميركي دونالد ترامب التصعيدية إزاء إيران، وتلويحه بخيار التدخل العسكري لإسقاط نظامها ردًا على بطشه الدموي بالاحتجاجات الشعبية، وانعكاس ذلك على الجبهة اللبنانية في ظل وجود مخاوف من تدخل "حزب الله" لتخفيف الضغط عن إيران، حاضنة مشروعه الأيديولجي ومركزه. عدا عن العقوبات الأميركية على أفرع تنظيم "الإخوان المسلمين" في الأردن ومصر ولبنان، أي "الجماعة الإسلامية" في لبنان، وتأثيرها المفترض على الساحة السنية، وخصوصاً القواعد الراديكالية. غير أن كل ذلك لم يحجب الأضواء عن تداعيات التسريبات عن ضباط نظام الأسد، والتي تتقدم في الشارع الشمالي على سيناريوهات الحرب الإسرائيلية على لبنان، وكذلك على الاهتمام بمصير النظام الإيراني.
الدافع الأساسي لذلك هو الإرث السلبي والدموي الذي تختزنه ذاكرة اهالي طرابلس وعكار حول جرائم نظام الأسد، اذ تمسّ هذه المسألة أبناء هاتين المنطقتين في شكل مباشر، بما يدفع نحو تشكّل موقف شعبي عام يتطور باضطراد ينحو نحو القلق من مدى تغلغل رجالات الاسد في بعض مناطق الشمال، ويزيد من احتمالية الارتكاز على معالجات شعبية أو ردات فعل فردية تتخذ شكل موجة يصعب ضبطها.
اهتمام الدولة
وفق ما تبين المؤشرات، فإن قضية هؤلاء لا تزال تغلي على صفيح ساخن، بما دفع الدولة نحو إيلاء اهتمام جدي بها. بدءاً من المداهمات التي أجراها الجيش، والإجراءات التي اتخذها على عموم الأراضي اللبنانية لضبط الأوضاع. مرورًا بمواقف رئيس الجمهورية جوزف عون خلال إطلالته الإعلامية عبر "تلفزيون لبنان".
لكن النقطة الأهم تتمثل في ما كشف عنه حول العلاقة مع نظيره السوري، والتنسيق مع دمشق "نحن على اتصال مع الدولة السورية، وقلنا للمسؤولين هناك إذا كان لديكم معطيات أبلغونا بها". إذ أسهمت هذه المواقف في توجيه رسائل طمأنة للداخل، وخصوصاً الشارعين الطرابلسي والعكاري.
وصولاً إلى الاجتماع الذي دعا إليه مفتي طرابلس والشمال محمد إمام في مقر دار الفتوى، في حضور نائب رئيس الحكومة طارق متري، والقادة الروحيين، ونواب طرابلس والشمال، وقادة الأجهزة الأمنية في الشمال، وأعضاء المجلس الإسلامي الشرعي الأعلى، من أجل مناقشة التطورات السياسية والأمنية.
البيان الصادر عن الاجتماع تلاه متري، في إشارة تعكس مدى جدية الموضوع وخطورته، وإصرار الحكومة ومؤسسات الدولة على متابعته، أكد "رفض أي محاولة لاستخدام لبنان منصة للمساس بأمن طرابلس وعكار"، وعلى "الدعم الكامل لكل الإجراءات التي تتخذها الدولة بما يجفظ الاستقرار، ويمنع أي ممارسات أو محاولات من شأنها أن تهدد أمن سوريا انطلاقاً من الأراضي اللبنانية، أو تسيء إلى علاقات حسن الجوار بين البلدين".
بمعنى آخر ثمة موقف جامع عن القيادات الدينية والسياسية والأمنية في طرابلس والشمال برفض نقل النزاعات السورية إلى لبنان، يتلاقى مع التحذير الصادر عن اجتماع مجلس المطارنة الموارنة "من محاولات نقل النزاعات المزمنة في سوريا إلى لبنان، سواء عبر الأصوليات، او المطامع السلطاوية السالفة"، حيث تحمل العبارة الأخيرة إشارة واضحة إلى قضية رجالات الاسد وتداعياتها الخطيرة على الساحة اللبنانية.
مصدر القلق مستمر
رغم تبلور صلب وجامع يرفض ربط لبنان بالنزاعات السورية، أو بمحاولة تقويض الاستقرار الهش فيها من قبل أطراف معينة، يشكل عامل ضغط يحدّ من قدرة بقايا نظام الأسد على التحرك والمناورة، إلا أن ذلك غير كافٍ. إذ لا تزال هذه القضية مصدر قلق وخوف مستمرين، خصوصاً مع وجود عوامل خارجية تزيد من تسعيرها، بدءاً من العامل الإسرائيلي المتدخل في القضية، الأمر الذي يحتاج إلى رفع الدولة مستوى الاتصالات والتنسيق مع أطراف فاعلة على الصعيدين الدولي والإقليمي للحدّ من تدفق الأموال وفق ما يشاع، لكونها عنصرًا جوهريًّا في شراء الأسلحة وتحريك صغار الضباط والعسكر من جيش النظام السابق للقيام بعمليات تستهدف ضرب الاستقرار في سوريا وهذا حديث الشارعين الطرابلسي والعكاري اذ لم تنجح حتى قضية الأمير المزعوم "أبو عمر" بكل ما تحويه من إثارة وخيال، وتشعبات تتصل بمجمل الطبقة السياسية السنية، في حرف الأنظار عن مسألة رجالات النظام السوري السابق.
وإن كان هناك موقف عام صلب يرفض إقحام الشمال والسنة في شؤون داخلية سورية، فإن ذلك لا يعني انتفاء الخطر أو احتوائه في ظل وجود أرضية خصبة لا تحتاج سوى إلى شرارة بسيطة، ربما قد تكون مفتعلة من قبل طابور خامس للضغط على الدولة اللبنانية.
لذلك فإن القلق ليس تعبيرًا مجازيًّا ملطفًا هنا، بل موقف جديّ وشعور يستند على إرث يبرره.