الأزمات الاجتماعية في طرابلس تنفجر تباعًا

الأزمات الاجتماعية في طرابلس تنفجر تباعًا

اعمال الاغاثة في المبنى المنهار في طرابلس ( الوكالة الوطنية)

لطالما عانت مدينة طرابلس من حرمان مزمن نتيجة عوامل عدة منها السياسات الحكومية والبرامج التنموية خلال العقود السابقة. 

في السنوات الأخيرة بدأت الأزمات المتراكمة تنفجر تباعًا وترخي بتأثيرها على النقاش العام في عاصمة الشمال، لتكشف عن صعوبات في إنتاج مقاربات مستدامة لعوامل كثيرة.

من قوافل المهاجرين غير النظاميين عبر البحر المعروفة بـ "قوارب الموت"، إلى ترهّل المؤسسات الرسمية وتجهيزاتها، وخصوصًا أجهزة الدفاع المدني وفوج الإطفاء. وصولًا إلى تداعيات الزلزال الذي ضرب تركيا منذ 3 سنوات على أبنية قديمة متعبة. وانتهاءً بأحدث الأزمات عمرًا، وهي أزمة المياه الناجمة عن انهيار صخري على وقع العواصف المتوالية، أطاح بواحد من شريانين رئيسيين تتغذى منهما طرابلس مائيًا.

 

الأبنية: أزمة معقدة

أدت تداعيات زلزال تركيا في شباط 2023 إلى بروز مسألة الأبنية المتصدعة في طرابلس والتي تحوّلت إلى تهديد جدي يطال مئات العائلات القاطنين في مبانٍ قديمة شهدت جولات الحرب الأهلية، وكذلك جولات المعارك بين التبانة وجبل محسن، وصراعات لا تعدّ ولا تحصى، مما أفقدها الكثير من مناعتها مع عوامل التقادم. توالياً برزت مسألة موازية وهي عدد الأبنية المهددة بالسقوط فعلياً، وكيفية ترتيبها في مستويات الخطورة، ومن ثم مسألة التمويل.

نتيجة دراسات وكشوفات ميدانية أجرتها فرق تابعة لنقابة المهندسين وبلدية طرابلس، تضاربت الأرقام بينهما، ولم يصر إلى الاتفاق على تصوّر واضح ومحدّد خلال الاجتماعات التي ضمتهما مع نواب المدينة ونخبها ومنظماتها الأهلية. حاول النائب أشرف ريفي الدفع في اتجاه متابعة دائمة عبر لجنة طوارئ من نواب طرابلس ورؤساء البلديات، إلا أن التباين في التموضع السياسي والمواقف بين بعض النواب جمّد عملها. وغرقت المسألة في غياهب البيروقراطية اللبنانية الكلاسيكية، خصوصاً في ظل جمود سياسي مع فراغ رئاسي وتشريعي وحكومة تصريف أعمال، في موازاة حرب الإسناد وتطوراتها.

ناهيكم عن أكثر الإشكاليات تعقيداً وهي العلاقة بين المالكين والمستأجرين، وخصوصاً في الإيجارات القديمة والتي تعدّ السمة الغالبة لدى أكثريّة المباني في المناطق الشعبية، أو الأكثر تهديداً، حيث يرفض المالك تحمّل تكاليف الترميم في ظل إيجار زهيد لا يكفيه للإنفاق اليومي، كما يرفض المستأجر تحمّل أعباء أي ترميم لأنه ليس صاحب الملك. وبالتالي لا حلول، ولا سيما أن قانون الإيجارات لا يزال يخضع للشدّ والجذب بين الكتل البرلمانية ومجموعات الضغط الاجتماعية والتجارية. يضاف إليها الأبنية ذات الطابع التاريخي والقيود القانونية الصعبة على إجراء ترميمات فيها.

 

حلول ناشئة

بعد أشهر قليلة من زلزال تركيا، انهار مبنى في حيّ ضهر المغر في القبة في أواخر حزيران، والتي تشتهر بأبنيتها المتهالكة، ما أدى إلى وفاة طفلة تبلغ من العمر 4 سنوات. بعدها بأشهر قليلة، انهار مبنى آخر في شارع الجديد بالقبة وأدى إلى وفاة سيدة. في 24 كانون الثاني الماضي، انهار مبنى من 5 طبقات وأدى إلى وفاة رجل وابنته الممرضة في مستشفى طرابلس الحكومي.

حسب الدراسة الأكثر اتفاقًا على أرقامها، يبلغ عدد الأبنية المهددة الأكثر تهديداً بالانهيار 105 بناء. اللافت أن المبنى المنهار اخيرًا لم يكن في عدادها والعائلة التي توفي منها إثنان عادت الى المبنى بعد اخراجها منه وحصلت الكارثة، التي بيّنت عدم توفر مراكز إيواء مؤهلة لاستقبال الناس عند الشدائد.

 

تدخلت الحكومة في شكل مباشر، حيث أجرى رئيسها نواف سلام زيارة ميدانية إلى طرابلس للوقوف على التفاصيل. ودعا بعدها إلى اجتماع في السراي الحكومي في 26 كانون الثاني لبحث مسألة الأبنية المتصدعة، حضره وزير الثقافة غسان سلامة، لكون بعض المباني المهددة تدخل ضمن الإرث الثقافي، وكذلك عدد من نواب المدينة، ورؤساء البلديات ونقيب المهندسين في طرابلس، ورئيس الهيئة العليا للإغاثة.

عقب الاجتماع تحدث النائب أشرف ريفي عن تصور واضح بالعمل على ترميم ما بين 700 إلى 1000 وحدة سكنية، في طليعتها الأكثر خطورة وهي المباني الـ105 المشار إليها، والتي تتطلب تدخلاً عاجلاً. كما تحدث عن الاستعانة بمنازل موقتة كحلّ عمليّ وسريع للإيواء. وبالتالي صار يمكن القول أن هناك حلولًا ناشئة تحت إدارة الحكومة، إنما يبقى التحدّي في تحويلها إلى آليات تنفيذية سريعة وتجاوز العقبات التقليدية.

 

أزمة المياه

أفضى الاجتماع إلى قوننة العمل الذي بدأ قبل سنوات، على حّد تعبير النواب الحاضرين، وذلك عبر إنشاء صندوق لهذه القضية، خصص له بداية 10 مليون دولار، ثم رفع إلى 60 مليون دولار. إلا أن بعض المصادر المعنيّة داخل بلدية طرابلس ونقابة المهندسين اعتبرت أنه غير كافٍ لعمليات الترميم والتأهيل وتأمين مراكز أو بدلات إيواء.

إلى ذلك، قبل نحو 10 أيام من كارثة سقوط المبنى، أدى انهيار في التربة في نبع هاب بمحلة بكفتين في الكورة نتيجة الأمطار الغزيرة إلى حرمان طرابلس مما يقدر بـ25 ألف متر مكعب من المياه، واضطرار مصلحة مياه الشمال إلى الاعتماد على المصدر الثاني فقط، المتمثل في نبع أبو حلقة، مع اتباع تقنين في تغذية المياه.

 وفق الكشف الميداني تبيّن أن حلّ المسألة يحتاج وقتًا بسبب عمق المسار المائي وصعوبة الوصول إليه. وبعد اجتماع طارئ في نقابة المهندسين ضم وزير الطاقة جو صدي ونواب المدينة ورؤساء البلديات، سيتم المضي بحل عبر مسارين متوازيين: الأول، تكليف شركة "BTD" إجراء كشف وإعداد دراسة علمية مع تصور منهجيّ لحلّ مستدام يحتاج وقتًا. الثاني، إعادة فتح مسألة مياه رشعين التي كانت تغذي طرابلس منذ عقود، والعمل على إصلاح الأعطال في خطوط الإمداد.

الجدير بالذكر أن أزمة المياه قديمة في طرابلس، ولا سيما في المناطق الشعبية التي كانت تعاني من انقطاع طويل الأمد لطالما أشعل تحركات شعبية احتجاجية. لذلك تم اجتراح حلول بديلة منذ سنوات، مع إنشاء آبار خاصة لتغذية محلة التبانة وجوارها عبر شبكة ظاهرة تم تمديدها عشوائيا وعلى عجل، بالإضافة إلى تأمين طاقة كهربائية لمضخات الآبار، الأمر الذي جنّب المناطق الشعبية كارثة مضاعفة مع الأزمة الحالية كانت ستفضي إلى احتجاجات شعبية عارمة.

اقرأ المزيد من كتابات عبد الكريم فياض