الماكينات الانتخابية اطفأت محرّكاتها في طرابلس والشمال
بالتوازي مع المناخ البارد السائد في لبنان على وقع المنخفضات الجوية المتتالية، تظهر المؤشرات حالة من البرود تسيطر على المشهد الانتخابي، ولا سيما في دوائر الشمال الانتخابية الثلاث.
فمع أنه بالكاد يفصلنا قرابة 4 أشهر فقط على موعدها الرسمي المقرر في أيار المقبل، إلا أن الماكينات الانتخابية اطفأت محركاتها ودخلت في سبات شتوي بعدما كانت في مرحلة التسخين النسبيّ. وحتى إعلان النوايا من المرشحين الجدد الذي يعتزمون خوض الاستحقاق الانتخابي انحسر تماماً، بما يوحي بوجود شبه تسليم بتأجيل الانتخابات في الأوساط السياسية تُسرّب الى القواعد الشعبية. يُستدل عليه بالسؤال الذي يتصدر الاجتماعات واللقاءات والمنتديات وأحاديث الشارع الطرابلسي والشمالي: هل هناك انتخابات؟
أولويّات تطغى على الانتخابات
في الواقع، ثمة عوامل متشابكة تتصدر اهتمامات صناّع القرار في البلاد والمجتمع السياسي والرأي العام على حساب الاستحقاق الانتخابي، رغم كونه يشكل العمود الفقري في رسم ملامح السلطة وتوازناتها.
في طليعتها التهديد الإسرائيلي بشن حرب جديدة على لبنان، المرتبط بمدى فعالية خطة سحب سلاح "حزب الله" التي أعدها الجيش اللبناني بموجب تكليف صادر عن الحكومة. ومن المنتظر أن تشهد جلسة مجلس الوزراء اليوم الخميس إعلان الجيش انتهاء العمل في جنوب الليطاني، والانتقال الى شماله حتى حدود نهر الأولي، حيث يكمن الاختبار في مدى جدية هذا الانتقال، وتماهيه مع المهل الزمنيّة المدرجة في الخطة الرسمية. وذلك في ظل الموقف المعلن من "حزب الله"، ومن خلفه إيران، برفض تسليم السلاح، وتالياً رفض التعاون مع الجيش، مقابل ضغوط أميركية هائلة، وتهديدات بإطلاق يد إسرائيل لشنّ حرب مهولة بغية تجريد "الحزب" من سلاحه، وسط استعدادات عسكرية إسرائيلية، وحملات متواصلة في الاعلام الاسرائيلي تعزز هذا المناخ.
في الأيام القليلة الماضية، انشغلت الأوساط السياسية والجماهيرية على حدّ سواء، بمفاعيل القمة التي جمعت الرئيس الاميركي دونالد ترامب برئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو قبل يومين من السنة الجديدة، وتصريحات ترامب عن موقف الحكومة الضعيف، وانتظار ما سيفعله لبنان. بمعنى آخر يقول ترامب إذا لم تتحرك الدولة في شكل جدي وواضح لاستكمال سلاح "الحزب" سيترك لإسرائيل حرية التصرف.
لذلك تركزت الاتصالات الرسمية على كيفية بلورة تفاهمات داخلية تمنح الجيش الغطاء السياسي اللازم للبدء بشمال الليطاني. في حين سيطر هاجس الحرب وسيناريوهاتها على أحاديث الشارع والمقاهي والمجالس السياسية، على حساب الانتخابات وتفاصيل التحالفات والترشيحات.
"أبو عمر" والفلول
في السياق نفسه احتلت قضية الأمير الوهمي "أبو عمر" مساحة اهتمام استثنائية لدى الرأي العام، يمكن تلمّسها من خلال نظرة بسيطة على منصات التواصل الاجتماعي، حيث جرى توظيف هذه القضية لشنّ حملات متبادلة بين المؤثرين والناشطين وجماهير القوى السياسية.
بمعزل عن سياقاتها القضائية والقانونية، فإن تداعيات قضية "أبو عمر" أصابت المشهد الانتخابي الخجول أساساً، وأطاحت بالمحادثات والنقاشات التي كانت قائمة بين قوى حزبية وشخصيات سياسية، وأخرى قررت خوض الانتخابات، حيث انصبّ الاهتمام لدى البعض على كيفية التبرؤ من الوقوع في هذه الخديعة، ولدى البعض الآخر في كيفية ترميم صورة سياسية مهشمة.
إلى ذلك، برزت التسريبات الاعلامية في مسألة "فلول" نظام الرئيس السوري بشار الأسد، بما فيها من تسجيلات خطيرة، أظهرت اتخاذ عدد من كبار ضباط جيش الأسد من لبنان قاعدة لتهديد الاستقرار في سوريا، وتعاونهم مع إسرائيل وأطراف إقليمية لتأسيس ميليشيات منظمة تتمتع بغطاء تمويليّ من ابن خال الاسد، رامي مخلوف وآخرين، تستهدف ضرب وحدة الأراضي السورية، وفرض قيام فيدراليات على أساس عرقي وطائفي.
هذه التسريبات، التي أعقبت حصول أحداث في الساحل السوري، وضعت سلوك الدولة اللبنانية ومؤسساتها موضع شبهة، وسط اتهامات داخلية وعربية وغربية بتواطؤ بعض الأطراف التي تتمتع بنفوذ داخل بنية الدولة مع "الفلول"، وتقديم الحماية السياسية لهم. الأمر الذي يشكل تهديداً خطيراً للسلم الأهلي.
لذلك سارعت أجهزة الدولة الى التحرك على إيقاع خطاب شعبي غاضب ينذر بحصول توترات أمنية، وخصوصاً في طرابلس والشمال حيث تعالت أصوات خطباء الجمعة للتنديد بما اعتبروه "تخاذلاً" من السلطات المعنية إزاء مسألة شديدة الخطورة والحساسية. ومع ذلك فإن حصيلة المداهمات التي نفذتها مؤسسات أمنيّة كانت ضعيفة، ولا تنسجم مع حجم خطورة ما ورد في التسجيلات المسرّبة.
مادورو يسرق الأضواء
أتت مسألة اعتقال القوات الخاصة الأميركية للرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو وزوجته، بطريقة خاطفة ومهينة في الوقت ذاته، لتحدث صدمة على الصعيد العالمي سرقت الأضواء من أي حدث آخر.
والحال نفسه ينسحب على لبنان مع اعتبار طريقة خلع مادورو بمثابة رسالة إنذار لإيران و"حزب الله" تعيد من خلالها أميركا تعريف منطق القوة، وتحوله الى مفتاح في صياغة العلاقات الدولية والنظام العالمي.
إزاء كل هذه الأحداث والقضايا الساخنة لم يبقَ من الاستحقاق الانتخابيّ سوى شكل باهت، وموعد رسمي ينتظر من لديه جرأة إطلاق رصاصة الرحمة عليه. وإذا تركت الأمور للعوامل اللبنانية الداخلية، فإن غالبيّة القوى التي لديها تمثيل برلمانيّ تريد تمرير تأجيل تقنيّ لشهرين يكون مقدمة لترحيل الاستحقاق سنتين، بالاستناد الى أن الأكثرية المطلوبة لإقرار هذا التأجيل متوفرة، وهي 65 نائباً.
ومع ذلك، ثمة ترّيث سياسي بوضع قرار التأجيل على الطاولة حتى آخر الشهر الجاري ريثما تتوضح الأمور أكثر، وخصوصاً إن كان لبنان سيتعرض لحرب إسرائيلية، لكونها ستطيح بالانتخابات حكماً.
ريفي
يكشف النائب اللواء اشرف ريفيلـ " كافيين دوت برس" أن "التوجه الدولي تجاه لبنان يندرج ضمن سياق إعادة الانتظام العام الى مؤسسات الدولة، وبالتالي فإن الديناميكيات الدولية تدفع نحو إجراء الانتخابات في موعدها، إلا أن نزع سلاح "حزب الله" يتقدم أولويات القوى الدولية والإقليمية المؤثرة في لبنان. ويؤكد ان لا خيار امام الحزب الا تسليم سلاحه للدولة، مشيراً الى أن "على الحكومة تنفيذ القرارات التي سبق أن اتخذتها في جلساتها السابقة. هذه القرارات أضحت التزامًا من الدولة اللبنانية إزاء شعبها والأشقاء العرب والمجتمع الدولي ولم يعد في الإمكان التملص منها أو تمييعها".
القرارات التي تحدث عنها ريفي تعتبرها القوى الإقليمية والدولية مفتاح كل القضايا الملحة الأخرى من الأزمة الاقتصادية الى الانتخابات.
وعليه، أطفأت القوى السياسية محركات ماكيناتها الانتخابية، وجمّدت كل النشاطات الانتخابية والترويجية، ومعها فترت همّة الشارع، في انتظار ان تتضح الأمور في الأيام المقبلة، ليبنى على الشيء مقتضاه.