طرابلس: نار ثورة الفقراء تحت رماد الأبنية
ركام المباني المنهارة ( الوكالة الوطنية)
لا ريب أن انهيار المباني في الأحياء الشعبية بمدينة طرابلس هو نتيجة تراكمات طويلة من التهميش والمقاربات السياسية الخاطئة. إلا أن تداعيات ما يحصل تنذر بهبوب عاصفة هوجاء. لذلك كان لزامًا على أهل الحكم، وفي المدينة نفسها، التحرك تحت ضغط شارع يغلي وينذر بشرر مستطير، حيث أقر الاجتماع الموسع الذي عقد في السراي الحكومي يوم الاثنين برئاسة الرئيس نواف سلام، جملة مقرارات تلاها الأخير بنفسه في مؤشر على مدى استشعاره بخطورة المسألة.
من بين المقررات المتخذة، إقرار آلية متعددة الأطر، حيث تتولى وزارة الشؤون الاجتماعية تقديم المساعدات للعائلات التي تم إخلاؤها من المباني المهددة عبر "برنامج أمان". فيما تباشر "الهيئة العليا للإغاثة" تدعيم الأبنية القابلة لذلك، وهدم الآيلة للسقوط، بالإضافة إلى تقييم وضع البنية التحتية وخاصة شبكات المياه والصرف الصحي من قبل "مجلس الإنماء والإعمار"، بما يعني عمليًا رصد الأموال اللازمة وإنفاقها عبر القنوات الحكومية المعنية.
غياب القرار السياسي والحسابات الإقليمية
حسب المسوحات التي أجريت بالتعاون بين نقابة المهندسين وبلدية طرابلس، فإن عدد الأبنية المهددة بالانهيار العاجل هو 105، ليس بينها المبنيان اللذان انهارا اخيرًا، ما ينقلنا إلى المباني التي تحتاج إلى تدعيم، والتي لم يحدد عددها بعد وخصوصًا في المناطق الشعبية. على سبيل المثال التبانة التي كانت تعرف سابقاً بـ"باب الذهب" لأن من كان يملك فيها متجراً يعد من أثرياء عاصمة الشمال، إذ كانت قبلة التجار، وتشكل مع امتدادها الجغرافي نحو قلعة طرابلس "المدينة التاريخية" القديمة، وتشمل أسواق متخصصة مثل "سوق الخضار"، و"سوق القمح" للمواد الغذائية وغيرها. وحتى اليوم لا تزال سجلات الكثير من عائلات طرابلس العريقة والمعروفة ضمن التبانة.
هذه المنطقة تعرضت إبّان الاحتلال السوري لعمليات قصف صاروخي مركزة كي يتمكن جيش الرئيس السوري حافظ الأسد من دخولها، بعدما واجه مقاومة عنيفة من أبنائها، تصدرها خليل عكاوي "أبو عربي"، مسؤول "حركة التوحيد" في التبانة آنذاك، والذي اغتاله الجيش السوري، وللمصادفة تحل ذكرى اغتياله في 9 شباط بالتزامن مع الأحداث المأساوية التي تعاني منها الأحياء التي كان زعيماً فيها. في ذاك الزمن، عمد الجيش السوري إلى تفخيخ عدد من المباني قرب مستديرة الملولة، وهي إلى الآن ملعب لممارسة الرياضة الشعبية.
وحينما حاول الرئيس الراحل رفيق الحريري ترميم وإعادة إعمار التبانة ومحيطها، بعدما أنجز مشروعاً سكنياً واسعاً لا يزال يعرف بـ"مشروع الحريري" على تخوم جبل محسن، تعرض إلى معارضة شديدة الوطأة من قبل حلفاء النظام السوري في لبنان، بهدف إبقاء هذه المناطق الشعبية أسيرة الفقر والحرمان لاستغلالها في مشاريع إرهابية ضمن حسابات إقليمية. وهذا ما كان يحصل فعلاً.
واقع مرير وتساؤلات مشروعة
بعد خروج نظام الرئيس بشار الأسد من لبنان غداة اغتيال الرئيس رفيق الحريري عام 2005، شهدت هذه المناطق أكثر من 22 جولة عنف بمعارك عبثية بين التبانة وجبل محسن، حيث كانت صندوق بريد بين القوى المتصارعة إقليمياً، مما أدى إلى حدوث أضرار كبيرة في المباني وتصدعات بنيوية، وتحديدًا في أبنية شارع سوريا الذي كان محور الاشتباكات. وعند انتهاء المعارك، عُهِد إلى "الهيئة العليا للاغاثة" ترميم واجهات الأبنية في خطوة تهدف لإزالة شبح الخراب عنها. إلا أنه عملياً لم يُصر إلى فحص المباني المتضررة في شكل بنيوي منهجي لمعالجة المشكلة من جذورها.
وهنا يبرز السؤال الأهم: أين كانت بلدية طرابلس حينها؟ وما دورها في إجراء مسوحات وكشف ميداني على هذه المباني، وإبلاغ السلطات المركزية بتقارير موثقة بأن الترميم يجب أن يكون للأساسات قبل الواجهات؟ الأمر الذي يستدعي إجراء تحقيقات موسعة من قبل الدولة.
عموماً، فإن هذه التراكمات المشار إليها أرخت بظلالها على المباني المتصدعة. يضاف إليها تأثير الزلزال الذي ضرب تركيا وأجزاء من سوريا في شباط 2023. لذا بتنا نراها تنهار الواحدة تلو الأخرى مخلّفة وراءها مآس تنفطر لها القلوب. ناهيكم عن أهل المباني المهددة بالسقوط، والذين يأبون الخروج بلا تأمين بديل، لأنهم يرفضون أن يكونوا مشردين في وطنهم.
وهنا لا بد من الإشارة إلى أنه يقطن في الشقة الواحدة في هذه المباني غالباً أكثر من عائلة، نتيجة الفقر المدقع، والحرمان المزمن، والتسرّب المدرسي في طرابلس الذي يعد الأعلى في لبنان، وفرص العمل الضئيلة خصوصًا بعد الانهيار المالي والنقدي. هذا الواقع المرير يمكن تلمّس تأثيره في ظاهرة الهجرة غير النظامية عبر ما عرف بـ"قوارب الموت"، وجلّهم من منطاق تسمى بـ"أحزمة البؤس" في طرابلس مثل التبانة والقبة وما بينهما.
ثورة جديدة تلوح في الأفق
ما حدث اخيرًا من انهيارات متتابعة أشعل غضبًا شعبيًا عارمًا تجاه السلطة السياسية برمتها، بما يوحي بانفجار ثورة جديدة محورها الفقراء، إذا ما انطلقت يصعب احتواؤها. الأمر الذي يستدعي تدخلاً جديًّا من الحكومة لإنتاج حلول مستدامة، وتجاوز ذرائع غياب التمويل. ذلك أن لسان حال الشارع الطرابلسي يقول بأن القادر على تأمين نحو 300 مليون دولار للجنوب عبر القروض لن يعجز عن تأمين نحو 10 مليون دولار أو يزيد لإنقاذ أرواح العائلات المهددة بالموت تحت الركام.
في المقابل، فإن التحركات الشعبية التي حصلت ليل الأحد في الشارع، وأمام منازل بعض النواب، والمسيرات العفوية، أسهمت في تنفيس حالة الغضب الشعبي، والحدّ من تفاعلها أكثر. لكن ثمة نار كبيرة تحت الرماد. فالناس لم تعد قادرة على تحمل المزايدات الانتخابية والشعبوية.
عملياً لاقت الخطوات التي أقرتها الحكومة بالتنسيق مع القادة الروحيين في المدينة وبلدية طرابلس قبولاً واسعاً. لكن ذلك لا يحجب أنه كان يجب البتّ فيها قبل وقوع الفاجعة الأخيرة، وما أدت إليه من وفاة أطفال ونساء وعجز تحت الردم. علاوة على ذلك فإن أهمية هذه الخطوات تكمن بالمعنى السياسي لها. فما كان يعوق تحويل الأموال اللازمة لتنفيذ برامج ترميم جديّة لم يكن شحّ الأموال. ما كان مفقوداً هو القرار السياسي الجديّ بوقف الإهمال ورفع الغبن عن طرابلس، والذي اتخذ راهنًا تحت ضغط الشارع. ويبقى التعويل على سرعة التنفيذ وعدم التسويف أو الغرق في بيروقراطية الدولة المعروفة.